العدد 34 - وما العربية الا وطن التماثل الاجتماعي القومي
وما العربية الا وطن التماثل الاجتماعي القومي
 كلمة قالها الشاعر احمد شوقي في مجاملة رثاء
"يجاملك العرب النازحون وما العربية الا وطن "
واما انا فأقولها في حقيقة وغير مجاملة. وذلك ان السياحة التي قام بها العرب في العالم القديم لم تكن سياحة او امتداداً من ورائهما عودة وتلقص، بل كانت مداً حقيقياً تحاضن في كل موضع وصل اليه، وتركّز على ان حدوده آخر ما انتهى. وقد قام المد العربي ايضاً بتفاعل عنيف مع البيئة الاجتماعية التي حلّ عليها فحوّلها واذا بها فيه . وبتفاعل البيئة الجديدة مع طبيعة الزمن المتقادم تبخّر ما كان منها فمحت خصائص وثبتت خصائص، كل ما بقي منها في الوجود الماثل يدل على انها طبع عربي وصفات عربية ولغة كذلك.
 
 وهذا المد العربي الذي لم يعقبه جزر او شيء من جزر، يجد مثلاله في المد البحري الذي تسنّى له ان يعمل في كتلة الارض عملاً جيولوجياً ويبتلع في احشائه ما شاء ان يبتلع. وليسمح لي بأن أسمّي عمل المد البشري على هذا الشكل جيولوجية اجتماعية لندرس في طبقاتها ادوار التاريخ التي مرّت بها كما ندرس تاريخية الارض الصامتة... ويحسن بي ان اذكر الدواعي والاسباب التي دفعتني الى تقرير هذه النتيجة كحقيقة وهي: الشخصية الاجتماعية، نظرية التحول في الخصائص مع الزمن، الصلات الروحية، عدم الحواجز البارزة، ان الموجود في كل بقعة يسكنها العرب بقية من سلالات، وليست تامة، واما السلالة الكاملة فليست الا العربية وحدها فقط. هذه الاسباب هي التي دفعتني الى المناداة بعربية جميع الاقاليم التي يسكنها العرب، والمنطق يقضي بأن يحدد الوطن العربي بكل ارض سيطرت عليها لغتهم العربية، سيطرة تاريخية وحالية.
وما العربية الاوطن، هذه الحقيقة هي شعارنا، وستظل في مواصلة الكفاح، وهي نصب الاعين لتمدّنا بالعزم حتى نحقق الهدف الذي طالما كان حلماً نناجيه من بعيد وبتنا نراه قريباً، وقد هبّ العرب في كل الجهات على هذا الامل واستفاقوا على هذا الحلم.
(من كتابه "دستور العرب القومي " – ص. 125)