العدد 34 - مقال سياسي: التربية هي الطريق السليم لبناء دولة المواطنة
مقال سياسي: التربية هي الطريق السليم لبناء دولة المواطنة
 لقيام دولة المواطنة يجب بناء المواطن الصالح، وهنا يبرز دور التربية كسبيل وحيد لبناء مواطن يليق بدولة المواطنة. ولاؤه لها وليس لأية دولة غيرها شقيقة او جارة كانت ام صديقة. حبه لها ولذلك يحترم قوانينها ليستحق تقديماتها يحافظ على انتظام العمل فيها لأن في ذلك مصلحة وحماية له. يحرص على مكافحة التلوث وحماية البيئة لان في ذلك حماية لصحته ولسلامة المجتمع. وحتى تكون التربية فعالة ومجدية يجب ان تأخذ في الاعتبار المجتمع بكل عوامله وامكانياته واحتياجاته، فتستجيب لها وتسعى لصوغ المجتمع وتشكيله على اساس العصرنة مع مراعاة النظم الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية.
هذا ما يجب توفره من حيث المبدأ واما من حيث الواقع التربوي القائم في لبنان حالياً، فاننا نلاحظ خلو الاهداف التربوية من الاهتمام الواضح بعدة قضايا اساسية لا قيام لدولة المواطنة في غيابها او تجاهلها. لا توجيه لاحترام البيئة وحماية نظمها، ومكافحة التلوث بمختلف اشكاله في الجو والبر والبحر على ما لذلك من اهمية كبرى في حياة المجتمع. ولا برامج للتربية المدنية السليمة التي تربط المواطن بالوطن لا بالطائفة او العشيرة او الحزب، او هذه الدولة الخارجية او تلك. ولا برامج توجيه اخلاقي وقانوني لبناء مواطن حريص على القيم الانسانية يرفض الفساد والمفسدين ويطالب بمحاسبتهم لانهم يهدمون الوطن ويفسدون المواطن. ولأن الانسان هو ابن التاريخ ومن يهمل تاريخه يعاني من حاضره ويضيع مستقبله، فمن الملح جداً الخروج من المماحكة الطائفية والمذهبية والحزبية والانطلاق لكتابة تاريخ الوطن بما فيه من امجاد يفاخر المواطن بها، ومن سقطات تشكل عبرة له فلا يكررها ويدفع من جديد اثماناً لها على حسابه وعلى حساب وطنه.
 
 وفي نظرة واقعية للامور نلاحظ ان كل المعاناة التي يشكو منها الوطن هي من صنع الانسان. فعلى سبيل المثال التلوث البيئي الذي نشكو منه ونحذر من مخاطره هو من صنع الانسان الذي هو يبني المصانع الملوثة للهوااء والماء، وهو الذي يستخدم الاليات التي تنفث السموم في الاجواء وتعرّض سلامة المواطنين لمخاطر الامراض السرطانية. الانسان في لبنان هو الذي استخدم ويستخدم كل اشكال تهديم البيئة وقتل الحياة فيها، ونشر التصحر في ارجائها. والانسان في لبنان بعدم احترامه للقواعد الصحية العامة هو الذي يساهم في نشر الجراثيم والاوبئة والامراض. الانسان في لبنان الذي يفتقر الى المناعة المدنية، والمعرفة القانونية لحقوقه وواجباته هو الذي يوصل الى السلطة غير الكفوئين والفاسدين والعاجزين عن تحقيق اي اصلاح او تحديث للوطن. والانسان في لبنان الذي يجهل تاريخه يفقد ارتباطه بوطنه فيوالي بلداناً اخرى. والقائمة تطول...
ومن كل ما سبق نستلخص ان التربية هي المعنية مباشرة بتعديل سلوك الانسان وحمله على التخلص من ممارسة كل ما هو مضر له ولوطنه والالتزام بالقيام بكل ما يجب عمله ليكون المواطن الصالح لدولة المواطنة العادلة. وعلاج مختلف المشكلات التي يعاني منها الوطن والمواطن في لبنان يستدعي اعتماد تربية مناسبة. وهذا يتطلب تحليل السلوكيات التي نقوم بها كأفراد ومجموعات للتعرف على الاسباب والقواعد التي تقوم عليها تصرفاتنا ، وعلى اساس ذلك نرسم الخطة التربوية ونحدد اهدافها والسبل الانسب لتحقيق هذه الاهداف ونؤمن لها كل العوامل المساعدة لتأمين هذا النجاح.
انه عمل شاق وصعب في بلد يعاني كثيراً مثل لبنان، ومع ذلك تبقى التربية الطريق الالزامي لإخراج المجتمع اللبناني من امراضه ومعاناته، وبناء المواطن الجدير بدولة المواطنة.