العدد 33 - تأملات في اميركا وعالم الليلة والبارحة
تأملات في اميركا وعالم الليلة والبارحة
 غداة وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، نشأت عصبة الأمم عام 1919، كممثل لعالم القانون والنظام والشرعية الدولية. جرى ذلك بناء على فكرة بريطانية تبناها الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، صاحب المبادئ الأربعة عشر الشهيرة من الحزب الديموقراطي. لكن الكونغرس الأميركي بزعامة الجمهوريين وقتذاك، رفض التصديق على ميثاق العصبة أو الانضمام إليها، بذريعة أنها «... محاولة من القوى الأوروبية الكبرى للاستئثار بغنائم الحرب». وما عزز ذلك الموقف المتحفظ، قيام الثورة البلشفية في روسيا بنزع السرية عن اتفاق سايكس- بيكو لعام 1916 الذي جسد فكرة «الغنيمة» بتوزيع ميراث الدولة العثمانية بين المنتصرين.
غياب الولايات المتحدة عن العصبة وإيثارها لما عرف بسياسة العزلة وعدم الانغماس عميقاً في القضايا الدولية، كان سبباً رئيساً وراء إخفاق التجربة. وقد عجل بتفكك العصبة واستبدالها غداة الحرب العالمية الثانية بالأمم المتحدة، افتقادها للقوة المسلحة، واعتمادها على اتخاذ قراراتها بالإجماع، وانشغال الدول الدائمة العضوية في مجلسها، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان، بمراعاة مصالحها الاستعمارية وإهمالها لمظالم معظم شعوب العالم. انهارت العصبة لأن محددات عملها والبيئة المحيطة بها، لم تمكنها من إعمال مبادئ ويلسون ولا أية مثل أخلاقية أو قواعد قانونية مشابهة، ولا سمحت لها بالضرب على أيدي الأقوياء المستعمرين أو ردعهم في طول العالم وعرضه. وفي وجودها، ارتدت معظم الدول الرابضة على قمة النظام الدولي، إلى أولوية التوسل بالقوة المسلحة والتحالفات المصلحية على أسس أيديولوجية أو مادية، بمعزل عن الضوابط الحقوقية، الأمر الذي أفضى إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
 
 سياسات إدارة الرئيس الأميركي الجمهوري دونالد ترامب، وأنماط تعاطيها مع القضايا الدولية الساخنة والقرارات الموصولة بها، لا سيما الصادرة عن الأمم المتحدة، تغري باستحضار تجربة قيام عصبة الأمم وأفولها. فإذا كانت واشنطن قد التزمت، في ما بين الحربين العالميتين بالعزلة السلبية، ولم تكترث بالجدية اللازمة بما يدور بين الأوروبيين من منافسات وانفلاتات من قوانين العصبة وقيودها، فأنها توشك راهناً على الأخذ بسياسة العزلة المدمرة إزاء الأمم المتحدة وفعالياتها التي تحاكي إلى حد كبير ما كان يفعله الأوروبيون في زمن العصبة.
من تجليات هذه المحاكاة ومبرراتها، أن إدارة ترامب دأبت على إهمال القوانين والأعراف الدولية وقرارات التنظيمات الساهرة عليها بما فيها الأمم المتحدة، وراحت تستسهل الخروج على التعهدات والتعاقدات التي أبرمتها أو شاركت فيها، ومغادرة أو التهديد بمغادرة المنظمات التي لا تخضع لإملاءاتها. نلمس هذا التوجه بين يدي الانسحاب الأحادي الجانب من منظمة اليونيسكو والاتفاق النووي الإيراني، والوعود الخاصة باتخاذ خطوات مماثلة مع اتفاقية المناخ، وبعض اتفاقات التجارة العالمية، وتشجيع الميول الانعزالية لدى الداعين إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي. هذا علاوة على تنكرها للوضع القانوني الدولي لمدينة القدس بدءاً من قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، إلى بقية قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، والاتفاقات العربية- الإسرائيلية، والفلسطينية- الإسرائيلية ذات الصلة.
 
 هذه التصرفات والسلوكيات والمنهج غير العشوائي الناظم لها، توارب الباب أمام أية قوة إقليمية أو دولية تتحرق للمروق والتحلل من أي التزامات حقوقية، تراها مقيدة لطموحاتها أو مجافية لأطماعها. ومن المعلوم أن إسرائيل تقع في طليعة هذه القوى ولها فضل السبق بينها. فمنذ اليوم التالي لإعلان قيامها قبل سبعين عاماً، لم تأبه للقوانين والقرارات الأممية التي لا تحظى برضائها حتى أنها لم تطبق إلى ساعتنا هذه شروط قبولها عضواً في الأمم المتحدة عام 1949.
عبوس إدارة ترامب واشنطن في وجه القوانين والتقاليد والأطر المنظمة للعلاقات الدولية التي أهلكت الخليقة وقتاً وجهداً وتضحيات جسام إلى أن استقرت عليها، وانبعاث رائحة عقدة رسالة الرجل الأبيض ووصايته في أجواء السياسة الأميركية، والالتزام بعقلية الإملاءات ولي الأعناق، والتخلي حتى عن لياقة المخاطبة والحوار، والتعامل مع الأصدقاء والخصوم على السواء بلغة مشحونة بالعنجهية والاستقواء والتبجح، كافتتاح السفارة الأميركية بالقدس في يوم ذكرى اغتصاب فلسطين...، هذه المشاهد ونحوها ربما أدت إلى كوارث في الفضاءات الإقليمية والدولية، ولن تكون الفوضى المحيطة بالقضية الفلسطينية وتفاقم الصراع على أرض فلسطين التاريخية سوى بعض منها.
نتحدث هنا عن انتشار حقائق وأنماط تعامل دولي أسهمت ذات مرحلة في تقويض عصبة الأمم، بما أدى تالياً إلى اندلاع حرب ضروس أهلكت الكثير من الحرث والنسل. هذا نذير يقتضي اليقظة والاستدراك من كل الغيورين على السلم والأمن الدوليين... عاجلاً وليس آجلاً.