العدد 31 - الهندوسية وروح كمال جنبلاط في ذكراها الـ100
الهندوسية وروح كمال جنبلاط في ذكراها الـ100
 عندما يولد طفل في عائلة هندوسية أول ما يقوم به الوالدان هو زيارة الفلكي او العرّاف (وهو إختصاص روحاني في هذه المجتمعات) لإعلامه بوقت ومكان الولادة. عندها، يُكوّن الفلكي الخريطة الفلكية للطفل Astrological Chart ويدرُسُها حسب التعاليم الفلكية المتشعبة ويُعلِم الوالدَين عما ستكون ميول هذا الطفل وأطباعه، وما هي المحطات البارزة في حياته، وما هو المطلوب منهما لمساعدته على إتمام قدره على أفضل وجه، إحتراماً للكارما Karma ومجموعة السمسكارزSamskaras التي سوف تسيّرُه (السمسكارز هي مجموعة الميول والإنطباعات الرقيقة التي تتكون منها النفس عند تجسدها في هذا العالم المادي).

تحافظ ذكرى ولادة "الروح الفردية" على أهميتها بعد الوفاة
وتُصبح ذكرى الولادة مناسبة للعودة الى الذات وتكريم النفس التي خلقها الله في هذا التاريخ. فالأهم حسب التقليد الروحاني الهندي الهندوسي هي النفس والروح، لا الأبعاد المادية والعائلية والإجتماعية والفكرية الزائلين التي نتمسك بها عادة بسبب جهلنا وتعلّقنا. لذلك في التقليد الهندوسي، الذي تغذى منه المعلم كمال جنبلاط ومارسه بإحترام كلّي وتعمّق فيه بصورة مميّزة ومشعّة، تبقى ذكرى ولادة "الروح الفردية" محافظة على معناها وأهميتها بعد الوفاة، لأنها مرتبطة أصلاً بالروح لا بالبعد المادي...
اليوم، إذا ما أردنا حقاً تكريم روح كمال جنبلاط بمناسبة ذكرى تجسدها على الأرض منذ مئة عام، علينا أيضاً الإنفتاح على عالمِه الروحي الهندوسي وتقدير الهدايا الكثيرة والكريمة الذي تلقاها من هذه التقاليد وقدمها لنا جميعاً كلبنانيين ولبنانيات، في ميادين المعرفة الروحية الغنيّة التي كتب عنها وطبّقها في حياته ومسيرته.
لم يكمل ال60 عاماً معنا في دنيانا هذه، لكن كروح، نحتفل اليوم بذكرى ولادتها ال100، هو ما زال يعايشنا ويشاركنا كنوز المعرفة والروحانية التي حملتها روحه في قلبنا وضميرنا وروحنا، ولا تزال...
 
 ما هو الذي يتقمّص؟
من المتداول لدى الجميع أن التقمّص هو من المعتقدات الأساسية في الهندوسية. لكن ما هو الذي يتقمّص؟ الجسد؟ طبعاً لا. الشخصية الزمنية والفكر؟ ايضاً لا. الذي يتقمّص هو الروح. وفي المعتقد الهندوسي الروح تتعدى الموت الزمني وتبقى في كينونتها بعد الموت، قبل التقمّص الجديد، وأيضاً خلال أي تقمّص لاحق... تكريم أحدى الولادات المادية للروح، كالذكرى ال100، هوتكريم للروح أينما وجدت في المراحل والتقمصات اللاحقة... فتكريمنا لروح كمال جنبلاط من خلال هذه الذكرى اليوم، هو تكريم روحاني، فعلي وحقيقي، لا فارق أكان كفرد ما زال موجوداً جسدياً معنا، أو هو فارقنا في آذار 1977...
ولدت تلك النفس المييزة عام 1917 وهي تصبو إلى أرفع ما يمكن أن تصبو اليه الروح. إستكشفت عالمها الداخلي حتى وصلت الى أرقى المنابع الروحية. ومن هناك توضحت رسالتها والقدر التي كرست نفسها له:
تبوّء الزعامة العائلية والخوض في معترك السياسة والنشاط الحزبي وحتى الحرب... والإستشهاد، إحتراماً للدارما Dharma وللكارما وللقدر الإلهي.
كمال جنبلاط لم يُهمل أبداً الممارسات الروحية الخاصة على شتى أنواعها، فطبّق في حياته الخاصة قواعد الغذاء المتّبعة من اليوغيز Yogis ، ومارس اليوغا والتأمل بإنتظام، وألّف ونشر العديد من الكتب التثقيفية روحياً وترجم وقدم العديد من الكتابات الهندوسية الى الجمهور اللبناني والعربي. وإختلى بنفسه ليوم في الإسبوع، يكون خلاله حراً من قيود متطلبات الزعامة بمعناها الضيّق، قريباً من الخالق، يتأمل بعظمته. واكثر من ذلك نظم نشاطه بطريقة تسمح له بزيارة الهند بإنتظام والجلوس الى جانب معلمه الروحي شري أتمنندا لفترات طويلة. فحتى في خضم المسؤوليات السياسية و منها الوزارية، كان يغيب في ربوع دفء الروحانية الهندية لعدة أسابيع أحياناً.
 
 مخائيل نعيمة عن كمال جنبلاط
يقول مخائيل نعيمة عن صديقه كمال جنبلاط في مقدِمة كتاب "فرح":
"... وهو، فوق ذلك، الرجل المتصوف الذي يتعشق الحكمة ويستقيها من مصادرها الدرزية المباحة للعقلاء والمحجوبة عن الدهماء، مثلما يستقيها من "بواطن" المسيحية والإسلام، وبخاصة من الفيدا الهندية وما يتفرع عنها من ضروب اليوجا والفيدنتا – أدفيتا.
والمعروف عن كمال جنبلاط أنه بروحه، يكاد يكون أوثق صلة بالهند منه بوطنه لبنان وغيره من الديار العربية. فقلما ينقضي عام لا يزور فيه الهند ولو مرة حيث يجتمع بواحد أو أكثر من حكمائها البارزين..."
يمكننا أن نستخلص إن الاساس أو رأس الخيط أو الخلفية لكل نشاطات وإبتكارات وإنجازات كمال بك الزعيم السياسي الممييز في لبنان كما عرفه الجميع، كان منبعه الروحي في الهند، والعمق النادر الذي أظهره في إستيعاب أرفع مبادىء الحكمة والمعرفة وممارستها وتطبيقها في كافة نشاطاته اليومية العديدة، حتى العادية منها. فكل من عايش الرجل يخبرنا كيف كان يطبّق بأناقة ملفتة قواعد آداب الحياة، وكيف كان يحاول بدبلوماسية ورقة إنسانية وتهذيب، "تمرير" بعض النصائح اليوغيّة لمن حوله تتعلق بالتغذية النباتية، بالتنفس السليم، بفوائد التأمل وبتذكّر وإحترام القدرة الإلهية... أختار لكل فردٍ ما إستشفّ أنه مفيدٌ له ويتناسب مع جهوزيته للإستيعاب والإستفادة...
 
 انا لست الجسد ولست الحواس ولست الفكر... أنا الروح الأبدية
في كتاب "حوار بين كمال جنبلاط والحكيم كريشنامنون في الهند - الرحلة الأولى" (الصفحة 37-36) عدّد كمال بك بعض التوصيات العَمَليّة له من معلّمه، وجاء في أول وصيتين ما نصه أو فحواه: "لنصف ساعة في كل يوم، فكِّر أنك لست الجسد، ولست الحواس، ولست الفكر. إتبع وجهة نظر الشاهد على كل ذلك. قلّ دائماً لنفسك: لا يمكنني أن أكون المفكّر والمتحسس والفاعل والمتمتِّع والمتألّم. أنا الوعي الشاهد على كل ذلك." (أي الروح)
وجاء في الفصل الأول من الكتاب الأول من كتاب "أتما درشان" لشري أتمانندا وهو المعلم الروحي لكمال جنبلاط (وقد ترجم كمال جنبلاط بنفسه هذا الكتاب القيّم الى العربية):
"1- النفوس الفردية كأمواج البحر، تأتي الى الوجود، تعلو ثم تهبط، تتعارك مع بعضها، ثم تموت.
2- عندما ترتطم الأمواج بالشاطئ، تستنزف ذاتها، فتعود متعبة، منهوكة تنشد الراحة والسلام، وهكذا النفوس الفردية...
4- الأمواج تولد وتموت في البحر، والنفوس الفردية تولد وتموت في المولى...."
أما في الفصل الأول من الكتاب الثاني من نفس المؤلف، فنقرأ:
"1- إن الفكر الذي يولّد الأفكار والعواطف ليس أنا.
2- أنا لست جسداً وليس لي جسد، أنا لست فكراً وليس لي فكر، أنا لست الصانع ولا المتمتع... أنا وعي طاهر، لا يعرف التبدل ولا يعرف الزوال..."