العدد 15 - يا خالي.. إجا راجح !
أصدقاء كمال جنبلاط يكتبون لفرح
يا خالي.. إجا راجح !
إنّ حكم ألف باء الإستبداد هو صناعة الأعداء وإقناع العامة بأنّ الحكام المستبدين يقومون بحمايتهم.. وهم بذلك يشبهون مختار الرحابنة في بياع الخواتم.. الذي اخترع قصة «راجح» وقهره دفاعاً عن أهله وقريته.. بشهادة إبنة شقيقته ريما.. والتي كانت ترمز إلى الإعلام إذ شهدت لمدى حب خالها المختار للضيعة وأهلها.. وأنّ كلّ غايته في الحياة هو حمايتهم من الأعداء الذين يستهدفونهم..
وعشية غياب نلسن مانديلا والذي عاش ما يزيد على الربع قرن في سجون التمييز العنصري.. مؤمناً بحقوق مواطنيه.. وبقدرتهم على المساواة والتّسامح.. وبأنّ مصير جنوب إفريقيا بعد زوال نظام الأقلية البيضاء هو التّقدم والرفاه والعدالة.. وبقي خلال سنين سجنه ملهماً وحكيماً ومسالماً.. وبعد انتصاره أصبح نموذجاً للعدالة الإنتقالية التي تقوم على التّسامح والإنصاف والمصالحة وكأنّ اللاعنف في جنوب إفريقيا هو ثقافة عميقة.. وأنّ غاندي إستلهم منها ثورته حيث كان يعمل فيها محامياً بعد إنهاء دراسته في إنكلترا.. وقبل ذهابه إلى الهند ليطلق ثورة اللاعنف وانتصارها على بريطانيا العظمى..

وهذا ما دعاني إلى إحداث مراجعة في الشخصيات الوطنية اللبنانية التي عاصرت ثورتيّ غاندي ومانديلا.. وتذكرتُ أنّ السادس من كانون الأول هو ميلاد كمال جنبلاط الذي وجد بتلك الشخصيات وغيرها نموذجاً لبناء الشخصية الوطنية اللبنانية.. كان كمال جنبلاط يؤمن بالنخبة التي إجتمعت حوله وأنتجت معه برنامج الإصلاح الديمقراطي الذي لو قدر له أن يطبّق لتفادى لبنان كلّ تلك الأعاصير والزلازل والدّمار.. واجتهد في البحث والتعمّق والتّفكير.. وكان شخصية جامعة بكلّ المعايير.. وتعبيراً عن الشخصية الثقافية اللبنانية في مرحلة النهوض الوطني والقومي والإنساني.. حتى أنّه رفض أن يكون لبنان زنزانة صغيرة في سجن المنطقة الكبير.. وكان كمال جنبلاط.. كما غاندي ومانديلا.. آثر المبادئ على المصالح حتى قال في ديوانه «فرح»: «إلهي ضمّني إليك كي لا يراك أحد سواك «.. ولقد ذكرني بهذه المناسبة الرفيق العزيز سعيد الغز الذي دعاني للمشاركة بالمؤتمر النوعي الذي عُقد بهذه المناسبة.. وسررت كثيراً لأن كمال جنبلاط قد خرج بعد 25 عاماً على اغتياله من زنزانته ليعود إلى رحاب أصدقائه ورفاقه..

إنّ كلّ تلك المناسبات جعلتني أسأل نفسي عن مصير الشخصية الوطنية اللبنانية الحالية وكيف أنّها تجتهد بالذهاب نحو مختار الرحابنة وإبنة أخته ريما في بياع الخواتم..
إذ تجتهد الطبقة السياسية اللبنانية في صناعة الأوهام و الأعداء من أجل الإستبداد بأهلهم ومدنهم وقراهم ومحبيهم.. وهكذا كان حال المستبدين العرب الذين اعتقدوا بأنّ تخويف المجتمعات من الإسلام السياسي أو الفوضى كبديل لهم هو ما سيحفظ وجودهم في سلطانهم وفسادهم واستبدادهم..

هكذا يتصرّف مخاتير السياسة في لبنان وريما وأخواتها السعداء بصناعة الأعداء داخل الأسرة الواحدة.. والطائفة الواحدة.. والمنطقة الواحدة.. والمدينة الواحدة.. والوطن الواحد.. ظناً منهم بأنّ الناس ستطيق كلّ ذلك الفساد والكذب والقتل والإهتراء والجهل والإدعاء والوقاحة.. وبأنّهم حماة الديار من الأعداء الذين يتربّصون بنا.. ويستهدفوننا في أمننا واستقرارنا وتقدّمنا وازدهارنا.. ومن أجل ذلك سارعوا إلى تدمير البلاد إقتصادياً وإجتماعياً وإنسانياً وأخلاقياً.. كي لا يجد أعداء لبنان ما يدمرونه أو يستهدفونه.. وتلك هي عبقرية مخاتير السياسة اللبنانية مع ريما وأخواتها..
تُرى ماذا سيستهدف الأعداء بعد الآن؟.. طالما أنّنا مرة أخرى ندمر بلدنا.. ونقتل بعضنا.. ونفكك دولتنا.. ونفسد أجهزتنا الأمنية والقضائية والإدارية.. ونعطّل مجالسنا التشريعية والتنفيذية.. ورغم كلّ ذلك نفكّر بأهمية إنتخابات رئاسة الجمهورية.. وما أكثر المرشّحين والنّاخبين معاً.. محلياً وإقليمياً ودولياً..

إنّ المضحك المبكي في مخاتير السياسة اللبنانية وريما وأخواتها أنّهم لم ينتبهوا للشعوب المحيطة بنا والتي حسمت أمرها ووجدت بالمجهول والفوضى بديلاً أجمل من البقاء تحت إستبداد حكامهم وأكاذيبهم وأوهامهم.. وإنّ تلك الشّعوب الآن تواجه كلّ رواسب غفوتها والأضرار الناتجة عنها.. وقد قرّرت أن تواجه مصيرها بنفسها.. وحدّدت عدوها وهو الفقر والجهل والتخلف والبطالة والفساد.. وكلها أمراض فتّاكة لا يمكن الشفاء منها إلاّ بمواجهتها وتحمّل آلامها.. ومن المؤكّد بأنّ هذه الشعوب تعيش ظروفاً صعبة وأوضاعاً مضطربة.. ويقفون وجهاً لوجه فيما بينهم بأفكارهم وعقائدهم وتطلّعاتهم.. ويعودون للناس في كلّ مرة إنتخاباً أو خلعاً.. ويحاولون كتابة شرعة وحدتهم في عقود إجتماعية جديدة.. ويدركون بأنّ ما من حاكم بعد الآن يستطيع أن يبقى دقيقة واحدة إن لم يحقّق متطلّبات الوطن والمواطنين.. فرداً فرداً وبدون إستثناء..

إلاّ أنّ في لبنان لا يزال مخاتيرنا يخترعون الأعداء.. وكلّ يوم «راجح « جديد.. خلال حفلات الزجل السياسي الليلية والإجتماعات الدورية للأهل والعشيرة والطائفة.. وكان آخر عدو إخترعوه هو «راجح الإرهابي» وتمّ استدعائه بأشكال مختلفة وعلى مدى ثلاث سنوات متتالية عبر المسؤولين والقيادات والسياسيين والنخب والإعلاميين.. وكانوا يعتقدون بأنّهم بذلك سيأسرون الناس بأخبارهم وأوهامهم فأصيبوا بما أصيب به الحكام العرب بعد أن قرّرت الناس أن تواجه المجهول.. أما وقد جاء الإرهاب البغيض والإغتيالات من جديد مع كلّ مستلزمات ذلك الواقع المأزوم الذي سيقضي على إنجازات الإرادة الوطنية المدنية مع رفيق الحريري ورفاقه.. وعلى ما تبقّى من حلم لبنان الجميل.. والشعب العظيم الذي يستحق الكثير الكثير.. والذي بات عليه أن يقول للأعزاء مخاتير السياسة اللبنانية ما قالته ريما لخالها المختار في بياع الخواتم الرحبانية: «يا خالي.. إجا راجح !»..
عشية غياب نلسن مانديلا ، أجريت مراجعة في الشخصيات الوطنية اللبنانية التي عاصرت غاندي
ومانديلا، تذكرتُ كمال جنبلاط الذي وجد فيهما، نموذجاً لبناء الشخصية الوطنية اللبنانية

كان كمال جنبلاط يؤمن بالنخبة التي إجتمعت حوله وأنتجت معه برنامج الإصلاح الديمقراطي، الذي
 لو قدر له أن يطبّق لتفادى لبنان الأعاصير والزلازل والدّمار

المؤتمر النوعي الذي اقامته رابطة أصدقاء كمال جنبلاط،سررت به كثيرا، لأن كمال جنبلاط خرج بعد 25 عاماً على اغتياله من زنزانته ليعود إلى رحاب أصدقائه ورفاقه.