العدد 30 - مقال سياسي: العالم العربي بين العروبة والاسلام الاصولي
مقال سياسي: العالم العربي بين العروبة والاسلام الاصولي
 من مراجعة الماضي في التاريخ السياسي الحديث للعالم العربي يتبين لنا ان من ابرز مظاهر هذا التاريخ قضيتان اساسيتان هما العروبة والاسلام. وهذا ما انتج اشكالات مستعصية لا تزال تبحث عن حلول على المستويين الوطني والقومي . ونتيجة للتدخلات الخارجية وضغوطها، ولصراع المصالح الدولية والاقليمية برز جلياً وحكماً التناقض بين النظرة القومية والنظرة الاسلامية التي اتجهت نحو الاصولية الدينية في تغييب كلي للعروبة، وانتهت كل محاولات دعاة الفكر القومي العربي السياسية والمدنية الساعية للتخلص من القيود الدينية الى الوقوع في حبائل الاصولية الاسلامية وما افرزته من نزاعات طائفية ومذهبية بالغة الخطورة على الحاضر والمستقبل.

لقد سعى دعاة الفكر القومي العربي الى صياغة عقد اجتماعي قومي يقوم على القواعد المدنية الوضعية التي افرزها التطور الاجتماعي خلال التجارب في اختلاف الزمن والبيئة في انحاء العالم العربي ، ولكن المجتمع العربي لم يكن على استعداد نفسي وفكري كاف لتقبل ذلك فرفض هذا التطور المختلف عن قواعد الدين عامة والاسلام خاصة، فالاسلام الذي هو اكثر الديانات تقبلاً للاجتهاد ممتنع عن النظم المدنية الوضعية التي يقررها البشر لان نظم الاسلام منزلة والهية، وهي بالتالي تعفيه عن البحث والتفتيش عن القواعد المدنية الوضعية ، وتجعله اقل الديانات حاجة الى مثل هذه القوانين الوضعية.
 
 وانطلاقاً من هذا المعطى، امعن حراس هذه القواعد من رجال دين ومتسيسين اسلامين في حراسة مرمى الشرع الاسلامي من اي اختراق، واقفلوا باب الاجتهاد وتمركزوا في الاصولية والتزمت. ونصّب بعض الائمة انفسهم قيّمين على قدس اقداس الشرع، وراحت فتاويهم في المجالات الدينية والمدنية تكرّس القيود وأحياناً تنشر الرعب والموت في غالب الاحيان في صفوف اهل الفكر والسياسة الذين تجرّأوا على السعي للتبديل والتطوير.
ومهما حاول المفكرون والسياسيون ممارسة لعبة التوفيق بين المحافظة على اصول الاسلام، والتصرف في اجتهادهم وتعابيرهم، وبين النظام الوضعي المدني الذي يتناسب ومجتمعاتهم المسلمة فسوف يبقى منطق الاستحالة قائماً وكل التجارب القومية ستبقى مستحيلة الى ان يقرر المجتمع المسلم بإرادة صريحة وآلية وخيار حضاري حرّ الانتقال الى النظام الوضعي المختلف عن نظامه الالهي والتفاعل مع الزمن والتطور في جدلية دائمة والتحرر من الشرائع المنزلة والحقائق الجامدة في كل ما يتعلق بنظام الدولة والدين على ان يبقى الاسلام ديناً حنيفاً فقط ومادام هذا الانتقال الذي هو حق وواجب للمسلمين عاصياً على التحقق فسوف تبقى الدعوة القومية العربية التي تتسع لغير المسلمين من العرب بالمساواة المدنية والسياسية الكاملة، دعوة مستحيلة ، وكل التجارب التي صبّت في هذا الاتجاه مصيرها الفشل والسقوط لتترك وراءها مزيداً من الاجيال المشردة، وسوف يبقى الحظ الاوفر في هذا التشرد والهجرة من نصيب الاقليات الدينية ومصير هذه الشرائح غير المسلمة في العالم العربي الى زوال سياسي ومدني محتم ليستمر الصراع الدامي بين الاصوليات المذهبية الاسلامية لاجيال وآجال طويلة.
 
 ولذا، من منطق الشراكة الوطنية والقومية المسلمون العرب مطالبون بالثورة على النظم التقليدية الجامدة، وتجاوز منطق الاجتهاد والانفتاح على التطور لتحقيق التبدل الجذري وقبول النظم المدنية الحضارية الجديدة، فوحده النظام المدني الاجتماعي والسياسي هو الضابط لاوضاع المجتمعات والسلطة، يتطور ويتبدل مع تطور الزمن والاحوال المعيشية وتبدلها. انه الحل الاسلم للمجتمعات المسلمة عامة وللمجتمعات المختلطة خاصة ذات المكونات المتعددة.
العروبة الحضارية المنفتحة ذات البعد المدني وحدها تحمي وتوحّد وتقضي على الانقسام والاقتتال الذي تعاني منه مجتمعاتنا العربية على اسس دينية وطائفية ومذهبية وعرقية.