العدد 29 - مقال اقتصادي: أسباب بقاء تحويلات المغتربين إلى لبنان على مستويات مرتفعة
مقال اقتصادي: أسباب بقاء تحويلات المغتربين إلى لبنان على مستويات مرتفعة
 تشير الارقام الصادرة عن مصرف لبنان إلى أن تحويلات المغتربين إلى لبنان بلغت 7,62 مليار دولار أميركي في العام 2016، ما يشكل إرتفاعًا بنسبة 1,8% من 7,48 مليار دولار أميركي في العام 2015. وبلغت هذه التحويلات معدل سنوي قدره 6,25 مليار دولار أميركي بين العامين 2002 و2016، لكنها ارتفعت من معدل سنوي قدره 4,8 مليار دولار أميركي خلال الفترة الممتدة بين 2002 و2007 إلى معدل سنوي قدره 7,23 مليار دولار أميركي خلال الفترة الممتدة بين 2008 و2016. وسجلت تحويلات المغتربين إلى لبنان في العام 2016 أعلى مستوى لها خلال الفترة الممتدة بين 2002 و 2016، بينما سجّلت أدنى مستوى لها عند 2,54 مليار دولار أميركي في العام 2002. أيضا"، شكّلت تحويلات المغتربين إلى لبنان نسبة 14,7% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2016 وهي من اعلى النِسَب في الأسواق الناشئة.

وتدلّ هذه الأرقام بشكلٍ واضحٍ إلى استقرار تحويلات المغتربين إلى لبنان على مستويات مرتفعة، وذلك بالرغم من التباطؤ الإقتصادي في دول الخليج العربي، وتراجع أسعار النفط، وتدهور سعر صرف عملات بعض البلدان الأفريقية التي هي إحدى مصادر هذه التحويلات، والتقلّبات السياسيّة في منطقة الشرق الأوسط عمومًا. ويعود الإستمرار باستقرار تحويلات المغتربين إلى لبنان إلى عوامل عدّة، تختلف عن ما يُتدَاول عمومًا.

فعلى خلاف ما يُشاع عن أن حجم هذه التحويلات مرتبط بعدد الإنتشار اللبناني حول العالم، ان الأرقام المُتَداولة عن عدد الجاليات اللبنانيّة والتي تتراوح بين تسعة ملايين و14 مليون لبناني في الخارج هي بعيدة كل البعد عن الواقع؛ إذ أنّ هذه الأرقام تعكس بأفضل الأحوال من هو من أصل لبناني منذ عدة أجيال و لم يعد لديه أي تواصل مع لبنان، ولا تعطي صورة حقيقيّة عن أرقام المغتربين الذين لا يزالون على تواصل مع لبنان والذي يبلغ عددهم بين 1,2 مليون و1,4 مليون لبناني.
 
 أولا"، إنّ أحد الأسباب الأساسيّة لاستمرار تحويلات المغتربين على هذا المستوى المرتفع هو استمرار الهجرة من لبنان. فالمعروف أن عددا" كبيرا" من اللبنانيين اضطرّ للرحيل عن الوطن أثناء الحرب المُدمِّرة التي امتدّت من سنة 1975 إلى 1990 وكان سبب الهجرة آنذاك أمني بإمتياز. ولكن لم تتوقّف هجرة اللبنانيين بعد إنتهاء الحرب، إذ أن أسباب الهجرة تحوّلت من أسباب أمنيّة إلى أسباب اقتصاديّة ومعيشيّة؛ وللبحث عن فرص العمل. وتباطأت الهجرة بعض الشيء في فترة الإستقرار السّياسيّ والأمنيّ، خصوصًا في مطلع التسعينات وبعد تحرير الجنوب سنة الـ2000 و خلال الفترة الممتدة بين الـ2008 والـ2010 التي شهدت نمواً إقتصاديًا مطردًا. ولكن عادت وارتفعت وتيرة الهجرة، وذلك بسبب فرص العمل المتوفرّة في الخارج خصوصًا في بلدان الخليج العربي في مقابل شح فرص العمل في لبنان. واستمرار الهجرة أدّى إلى تواجد أّجيال جديدة من المغتربين خارج لبنان، ممّا أبقاهم على صلة وتواصل مع الوطن الأم من خلال عائلاتهم في لبنان، وبالتالي ما حملهم على تحويل قسم من مدّخراتهم إلى ذويهم. وهذا ما أبقى تحويلات المغتربين على مستويات مرتفعة وأدّى إلى عدم تراجعها.

أما السّبب الثاني الأساسيّ لاستمرار تدفّق هذه التحويلات بهذه النّسب المرتفعة، فيعود إلى السّياسة النّقدية المتّبعة من مصرف لبنان والتي أدّت إلى ثبات سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، وهذه السّياسة ولّدت ثقة لدى المغترب اللبنانيّ أن الاموال التي يحوّلها إلى ذويه في لبنان ستحافظ على قدرتها الشرائيّة، وهذا عامل أساسيّ لأي إقتصاد يعتمد على تحويلات مغتربيه. كما أن التّقلبات السياسيّة والأمنيّة المحليّة وإندلاع الأزمات الإقليميّة حالت دون زعزعة ثبات سعر صرف الليرة اللبنانيّة، مما عزّز ثقة المغتربين خصوصًا بعد جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والعدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006.

أما السّبب الثالث فيكمن في تواجد المغتربين اللبنانيّين في القارّات الخمس، وخصوصًا في أميركا الشماليّة وأوروبا الغربيّة وأستراليا، بالإضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي وبلدان في أفريقيا جنوب الصحراء. وهذا التنوّع الجغرافيّ قد جنّب تراجع التحويلات إلى لبنان حين تباطأ إقتصاد أحد البلدان أو المناطق، أو عند اندلاع أزمات ماليّة أو اقتصاديّة كالأزمة الماليّة العالميّة في الـ2008 أو بعد هبوط أسعار النّفط العالميّة وتداعياتها على البلدان الخليجيّة المصدّرة للنفط.

أيضاً، توجد عوامل أخرى لاستمرار تدفّق تحويلات المغتربين إلى لبنان، ولا مجال هنا للخوض في تفاصيل كل عامل. ولكن العاملين الأساسيّين لاستمرار هذه التدفقات على مستواها المرتفع هما استمرار الهجرة من لبنان، وخصوصًا هجرة حاملي الشّهادات الجامعيّة من الشباب والشابات، والسّياسة النقديّة لمصرف لبنان التي أدّت إلى استقرار سعر صرف العملة الوطنية في كل الظّروف التي مرّ ويمرّ بها لبنان.