العدد 27 - في المنطلق:
في المنطلق:
 نحن بحاجة اليوم الى سياسة تهدئة، ولكن الى سياسة تهدئة حقيقية لا تحاول اطفاء النار بالنار او دفن النار مؤقتاً تحت الرماد، الى ان تهب العاصفة من جديد فتشعل الجمر الحيّ المختبئ، في الرماد. فكل ازمة لا تعالج اسبابها الرئيسية لا تلبث ان تعود ازمة مستعصية من جديد لا تفيدها الا يد الجراح. وعبثاً نحاول ان نعود الى الماضي، وان نعيد لبنان الى ما كان عليه قبل انفجار الازمة، فهناك شيء قد تغير في لبنان وتبدّل، وهناك ايضاً شيء تبدّل وتغيّر في نفوسنا جميعاً. فلماذا الكذب على الواقع وعلى التاريخ؟
علينا ان نقضي على المتطرفين والطائفيين الى اية جهة انتسبوا، والا فمصير هذا البلد الانهيار او التحول الى اتحاد فيدرالي ليس بين الطوائف وحسب، بل بين المناطق الطائفية . لقد حذرنا مراراً من ذلك ولا نزال، لان المطلوب هو ان ننمّي شعور المواطن بالنسبة للبنان كوطن لا كملجأ. كوطن يعتزّ به ويطمئن اليه، لا كملجأ يتوارى فيه ليدافع عن نفسه. وتنمية هذا الشعور بالثقة والاطمئنان الى المصير لا يتم الا بعملية تشذيب واسعة وبعملية توجيه عميقة، تتناول الصحافة ووسائل الاذاعة والنشر، فلا يعود احد يجرؤ على تخويف النصراني من المسلم، او تهديد المسلم بالنصراني، على غير حقيقة ما تعيش عليه القرى من اخوّة وتعاون واشتراك في الشعور وفي الولاء وفي المصير. العصبية الطائفية لا تتغذى الا بالدعاية، فلماذا لا نقطع دابر هذه الدعاية المخرّبة؟ لماذا لا نجرؤ على ان نسمي الخائن خائناً في لبنان والوطني وطنياً الى اي اتجاه انتسب ؟ لماذا لا نقول الحقيقة كما هي ونتحرر من الازدواجية التي نعيش فيها. فكرنا في شيء وتصرفنا وقولنا في شيء آخر . اعلموا الحقيقة والحقيقة تحرركم .
(جريدة الانباء – بتاريخ 18/6/1960)