العدد 26 - أحزاب شعبوية ويمينية طوابير بوتين الخامسة في أوروبا وأميركا
أحزاب شعبوية ويمينية طوابير بوتين الخامسة في أوروبا وأميركا
 أنظار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متسمرة في أوروبا وعيونه تنطق بابتسامة فرح عريضة لما يحدث في دولها من تنام سريع للأحزاب الشعبوية والقومية المتطرفة والنازية التي تعودها من أوسع الأبواب بعد هزيمتها المنكرة على يد أحفاد أولئك الأجداد والآباء الأوروبيين الذين ذاقوا مرارة إرهاب هتلر وحروبه المدمرة، ويأتي الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي تتويجاً لهذه النهوض الشعبوي، وكتب السفير الأميركي السابق في موسكو مايكل ماكفول على حسابه في تويتر أن «بريكست» يعد انتصاراً للرئيس الروسي». وقال: «لقد صدمت بنتائج الاستفتاء. كل من يؤمن بقوة ووحدة وديموقراطية أوروبا خسر، أما بوتين، فقد فاز».
ينسج بوتين شبكة علاقات ومصالح وثيقة مع قادة هذه الأحزاب متطلعاً إلى تنامي قوتها ونفوذها واستقطابها المزيد من التأييد والدعم مع تزايد العمليات الإرهابية وامتدادها إلى المدن الأوروبية الصغيرة أيضاً، بعد أن ظلت تدمي المدن الكبيرة ينفذها لاجئون جدد وأحفاد مهاجرين من ستينات القرن الماضي. بروكسيل العاجزة حتى الآن عن كسب المعركة مع الإرهاب تواجه شراسة بوتين وشراهته لتفكيك الاتحاد الأوروبي من الداخل بتمديد العقوبات ومضاعفتها لقصم ظهر الكرملين وتحجيم تسونامي التدخلات الروسية وتهديدات بوتين السافرة لدول الفضاء السوفياتي السابق.
يقول الباحث المجري بيتار كريكو: «بوتين يتملق للأحزاب الشعبوية في أوروبا بزعانفها المتعددة القومية المتطرفة واليسارية الراديكالية التي تحولت إلى أحد أكبر تحد للاتحاد الأوروبي بعد الإرهاب». ويقول: «بوتين يجهد من أجل استخدام هذه الأحزاب لإضعاف أوروبا وتقسيمها... تريد موسكو تشكيل جبهة مشتركة مع هذه الأحزاب بهدف قلب موازين أوروبا وقيمها الليبرالية، ومعادلاتها السياسية الداخلية، كمقدمة لفصلها عن الحلف الأطلسي والولايات المتحدة».

يستعين بوتين بوسائل وأدوات الحقبة السوفياتية لكسب الحلفاء في أوروبا بما فيها الأحزاب الاشتراكية التي كانت شيوعية وتبنت أيديولوجية الاشتراكية الدولية لتمرير سياساته ضد الغرب ولإحداث تبدلات جوهرية في السياسة الخارجية لهذه الدول التي تحولت منابرها ووسائل إعلامها إلى حاضنات للبوتينية ومدافعة عنيدة عن المصالح والسياسات الروسية على الصعيدين الإقليمي والدولي. وبحسب المحلل الروسي قسطنطين كالاجيوف فإن «بوتين يريد إقامة حلف واسع وطويل المدى مع كل تلك الأحزاب والتيارات اليسارية والشعبوية». ولفتت وكالة «فرانس برس» في تقرير لها إلى «أن حزب الحرية النمسوي اليميني المتشدد، وحزب الجبهة الوطنية الفرنسي دعما قيام روسيا بقضم شبه جزيرة القرم، واعتبرا الاستفتاء حول انضمامها إلى الاتحاد الروسي بالنزيه والعادل».
لا تخفي زعامات الأحزاب الليبرالية والتقليدية خشيتها على مستقبل المشروع الأوروبي والديموقراطية المهددة بتصاعد النزعات الشعبوية واليمينية القومية، وقال الأمين العام لمجلس أوروبا ثوربيورن ياغلاند: «هذا التحول في اتجاهات الرأي العام يضع أوروبا في وضع خطير جداً». لقد تمكن العديد من هذه الأحزاب من الوصول إلى الحكم بعد فوزه في الانتخابات العامة. في بولندا فاز الحزب القومي اليميني المتشدد للمرة الثانية العام 2015، وفي سلوفاكيا يقود السلطة حزب اليسار الديموقراطي (سيري) بزعامة الشعبوي روبرت فيتسو للمرة الثانية، وفي اليونان ائتلاف سيريزا اليساري الراديكالي بزعامة تسيبراس، وفي هنغاريا حزب الاتحاد المدني الشعبوي (فيدس) بزعامة فيكتور أوربان للمرة الثانية وبغالبية برلمانية ساحقة، في جمهورية التشيخ يترأس البلاد السياسي اليساري الشعبوي ميلوش زيمان. في إسبانيا حصد حزب بوديموس الشعبوي وللمرة الثانية على التوالي في الانتخابات العامة نسبة تصل إلى 27 في المئة ليصبح الرقم الصعب الذي من دونه لا يمكن تشكيل حكومة.
 
 تتشارك روسيا مع هذه الأحزاب بمنظومات قيم ومواقف تجاهر بعدائيتها وكراهيتها للقيم الليبرالية، ويرى الباحث المتخصص بشؤون التيارات اليمينية المتشددة في فرنسا جان – إيف كاميو» لا تكف الميديا الروسية الرسمية عن الترويج لفكرة بوتين المحببة عن شيوع التفسخ الأخلاقي في أوروبا». لا تقتصر استراتيجية الإغراء التي ينتهجها بوتين على كسب الحلفاء من التيارات القومية والشعبوية فحسب، بل أيضاً الأحزاب اليسارية والاشتراكية الأوروبية، وينبه كالاجيوف إلى «أن الحزب اليساري الألماني هو الأكثر انتقاداً لسياسة المستشارة ميركل حيال روسيا في ألمانيا».
فضائح مالية وانتهاك قوانين
من الأسرار الشائعة في الغرب أن هذه الأحزاب تحصل على دعم مالي من روسيا، وكشف موقع «أي يو أوبزرفر» أن حزب الجبهة الوطنية الفرنسي حصل من روسيا على دعم مالي قدره مليونا يورو لتمويل الانتخابات المحلية». وذكرت جريدة «فيدومستي» الروسية المستقلة «أن هذا المبلغ دفعه للحزب المصرف الروسي – التشيخي ومقره في موسكو». وسارع الحزب إلى نفي حصوله على تبرع مالي من روسيا، وقال المسؤول المالي فيه ديو سن- جيوست «إن الحزب سعى للحصول على قرض من المصارف الفرنسية والأوروبية، ولكنها رفضت تقديمه، ما دفعه إلى التوجه إلى المصرف الروسي – التشيخي الذي وافق على تقديم هذا القرض»، مشدداً على أنه «لا يمثل مطلقاً تبرعاً من روسيا للحملة الانتخابية، بل قرضاً سيتم تسديده بموجب العقد الموقع مع البنك». وقال: «إن الحزب لم ينتهك القوانين الفرنسية بحصوله على القرض». وتدخلت زعيمة الحزب مارين لوبين في السجال الدائر في وسائل الإعلام الفرنسية، وقالت: «إن موسكو لم تمنح المبلغ لمنظمة إرهابية، بل لحزب شرعي يخضع للقوانين الفرنسية». ولم تستبعد «فيدوموستي» أن «يكون هذا القرض أعطي بأوامر من شخصيات مسؤولة عن السياسة الخارجية الروسية. ونبهت إلى «أن الكرملين كان في فترات سابقة قدم الذهب والأموال والمجوهرات إلى الأحزاب الشيوعية والتيارات اليسارية في جميع أنحاء العالم عن طريق الكومينترن ووكالة الاستخبارات الكي جي بي». وأثار سياسيون ومعلقون شكوكاً حول القرض الذي ربما يمثل دعماً مالياً لزعيمة الحزب لوبين، وأشارت صحيفة «نوفي أزفستيا» إلى أن «القضاء الفرنسي يريد التيقن ما إذا كان هذا المبلغ تبرعاً مالياً وليس قرضاً من المصرف».

ينظر بوتين إلى موجات اللاجئين والمهاجرين التي تغرق أوروبا من جانب، وانتشار إرهاب «داعش» وعجز منظومات الأمن الأوروبية عن مواجهته فرصة لا تعوض لحلفائه من اليمين الأوروبي المتطرف والشعبوي لكسب المؤيدين والأنصار من بين الناقمين والساخطين على سياسات الهجرة والأبواب المفتوحة التي تنتهجها المستشارة ميركل والمفوضية الأوروبية، واستثمارها في حملاتها الانتخابية للفوز بالسلطة وانتهاج سياسات ترسم مسارات جديدة في العلاقات مع روسيا. ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة صوفيا أوغنيان مينتشيف «أن تأجيج النزاعات داخل أوروبا هو أمضى سلاح لبوتين»، وقال: «ينفق الرئيس الروسي ثروات روسيا في تمويل حملات البروباغندا الدولية، كما أن أمواله تغذي شبكة واسعة من السياسيين اليساريين والمغامرين والمتطرفين في أوروبا».
 
 صفقات وأموال ومواقف
دأب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف على تأكيد استعداده لتنفيذ سياسات من شأنها أن تقوي من نفوذ بوتين في أوروبا، وكانت منظمة الشباب التابعة للحزب عقدت تحالفاً مع حركة «طلائع بوتين» الشبابية، كما وحضر زعيمه ماركوس بريتسيل مؤتمراً عقدته روسيا في منتجع يالطا في القرم، وأعلن من على منبره «أن القرم كانت ذات يوم روسية وأصبحت الآن روسية، ولن تعود أبداً إلى أوكرانيا».
وقال: «إننا في حزب البديل نمثل ليس فقط تهديداً لحكومة أوكرانيا، بل أيضاً للحكومة الألمانية». وليس هذا الحزب وحده يتحالف مع بوتين، بل الحزب اليساري الألماني الذي أعلن أحد قادته العضو في لجنة العلاقات الدولية في البوندستاغ فولفانغ غيركة» أن الهدف الرئيسي لحزبه الآن هو العمل على دفع ألمانيا لتطبيع علاقاتها مع روسيا». وجاء هذا التصريح ولم تمض بعد سوى ساعات معدودة على قيام المدعية العامة لشبه جزيرة القرم التي عينها بوتين نتاليا بوكلونسكايا بحظر أنشطة المجلس القومي لتتار القرم وإدراجه في لائحة المنظمات الإرهابية». وكان الحزب تلقى دعماً من موسكو خلال الانتخابات في ثلاث ولايات في آذار (مارس) الماضي على شكل الآلاف من البوسترات والنشرات الانتخابية وملايين النسخ من الصحف المجانية التي تروج لبرامج الحزب الانتخابية المعادية للمهاجرين».
هذان الحزبان يشتركان في عدائهما لليبرالية الغربية، وقال المحلل غيرهارد تسينغر في مقال نشرته صحيفة «بيلد» الألمانية» أن نشاطات هذين الحزبين الشعبويين تشكل أكبر خطر على النظام الدستوري». ووفقاً لما ذكرته «نوفيل أوبسرفاتور» الفرنسية فإن «قناة تلفزيونية يديرها شخص محسوب على «الجبهة الوطنية» أبرمت صفقة مع وسائل إعلام روسية قيمتها 435 ألف يورو لتقديم استشارات ومساعدة لإنشاء قناة تلفزيونية روسية ناطقة بالفرنسية خصص لها الرئيس بوتين موازنة قيمتها 20 مليون يورو».

سياسة بوتين الناعمة
ينتهج الكرملين في حربه مع الغرب والاتحاد الأوروبي سياسة القوة الناعمة حيث ينسج علاقات مصلحة مع الأحزاب الشعبوية اليمينية في أوروبا، ويقدم الخدمات المختلفة والتمويل المالي لها بأشكال مختلفة وبطرق ملتوية، ويقول كريكو: «لا شك في أن النفوذ الروسي العلني مفاجئ». وقالت صحيفة «الغارديان» إن «الديبلوماسيين الأوروبيين والأميركيين يعتقدون أن روسيا تمول الحملات البيئية المناهضة لعملية التنقيب عن الغاز الصخري في أوروبا ومعارضة اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وأوروبا».
تنتقل عدوى المد الشعبوي إلى دول أوروبا الشرقية مثل هنغاريا وبولندا والتشيخ والنمسا والسويد وصربيا، ووصلت الشعبوية حتى إلى هولندا التي عرفت طوال عقود بميلها إلى الليبرالية، وكذلك إلى الأنظمة الاشتراكية الديموقراطية في شمال أوروبا. ويقول الباحث في علوم الاجتماعيات دومينيك شنابر في «لوفيغارو» الفرنسية: «منذ انهيار جدار برلين، وتحولات الاقتصاد المعولم تعصف بالمشروع الأوروبي». وأضاف: «الخيبة تدفع إلى التقوقع والطعن في كل من يعتقد أنه مسؤول عن إخفاقهم والحد من طموحاتهم». وأضاف: «وفي أزمات الهوية يبحث الساخطون والمهانون عن مذنبين ومسؤولين».
 
 غزل وإعجاب
الولايات المتحدة هي الأخرى بدت غير محصنة ضد هذه العدوى الأيديوليوجية مع كسب المرشح الجمهوري دونالد ترامب شعبية كبيرة في أوساط مؤيدي وأنصار الحزب، فلقد وجد فيه (الساخطون) وفي خطبه الرنانة الفارغة من المحتوى ضد المهاجرين والسياسيين الذين وسمهم بالسارقين والمغتصبين تعبيراً لما يعتمل في نفوسهم من رفض للمنظومة السياسية السائدة التي يعدونها مسؤولة عن إخفاقاتهم وتقويض طموحاتهم وجعل أمنهم مهدداً بالإرهاب، فهم قلقون من المجهول ولا يثقون بأن الساسة التقليديون يمتلكون الحلول للمشكلات التي تؤرقهم. في مقال له في صحيفة «نيويورك تايمز» يتساءل محلل الشؤون الروسية والدولية البلغاري ايفان كريستيف: «لماذا يحب الرئيس الروسي بوتين المرشح الرئاسي الأميركي ترامب؟» ويجيب قائلاً: «يقوم جوهر السياسة الخارجية الروسية على اختزال العلاقات بين الدول بشكل وطبيعة العلاقة بين قادتها، وهذا المستوى العالي من الشخصنة يفسر لماذا شخص مثل بوتين هاجسه وهمّه الأساسي هو رؤية أميركا مشتتة ومهزومة يقف نصيراً ومؤيداً لترامب (السياسي اللامع والموهوب!) بتعبيره الذي سيعيد العظمة للولايات المتحدة». وقال: «إن ما يجمع الاثنين هو أنهما يعيشان في عالم مماثل لمسلسلات وأوبريهات الصابون التي تخضع شخصياتها في سلوكها وقراراتها لتأثير العواطف والانفعالات وليس المصالح». وأضاف: «من المحتمل أن ترامب يذكره بصديقه الحقيقي الوحيد من بين كل زعماء أوروبا رئيس الوزراء الإيطالي السابق سلفيو بيرلوسكوني».
الأميركيون يتساءلون اليوم عما إذا كان بوتين يتدخل في انتخاباتهم الرئاسية لتسهيل فوز ترامب. الرئيس أوباما لا يستبعد ذلك، فيما حملة المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون تدعي أن أدلة ملموسة تؤكد ذلك. وتتهم أجهزة الاستخبارات الأميركية نظيرتها الروسية بالمسؤولية عن اختراق منظومة اتصالات الحزب الديموقراطي وسرقة نحو 20 ألف رسالة إلكترونية سلمتها إلى ويكيليكس لتسريبها إلى وسائل الإعلام.
ويعلق البروفيسور في جامعة مشيغان بول موسغريف: «إذا سلمنا جدلاً بأن موسكو تسخر إمكاناتها لدعم ترامب، فهذا لا يعني أنه مرشح بوتين، بل لأنها تعتقد بإمكانية أن تحقق فوائد أكبر مما لو كانت هيلاري رئيسة للولايات المتحدة». يقول المحلل في «بلومبيرغ» ليونيد بيرشيدسكي: «تنامي الأحزاب الشعبية في أوروبا يجدد الآمال لدى كرملين بوتين الذي تعهد بإقامة العلاقات مع هذه الأحزاب باتجاهيها اليميني واليساري».