العدد 25 - جورج طرابيشي مفكر سوري ناضل من اجل دولة مدنية علمانية
جورج طرابيشي مفكر سوري ناضل من اجل دولة مدنية علمانية
 جورج طرابيشي الذي فقدته العروبة قبل بضعة اشهر، من مواليد مدينة حلب السورية سنة 1939. حاز على اجازة في اللغة العربية من جامعة حلب، ثم على ماجستير في التربية من جامعة دمشق. عمل مدرساً، ثم مديراً لاذاعة دمشق. انخرط في صفوف حزب البعث وعيّن مديراً لاذاعة دمشق (1963 - 1964).
اظهر ميولاً فكرية ماركسية، فاعتقل واودع في السجن، ليفرج عنه سنة 1969. انتقل الى لبنان وعمل في الصحافة. وفي العام 1989، ترك لبنان الغارق في الحرب الاهلية المدمرة، وسافر الى باريس حيث استقر حتى تاريخ وفاته في اذار 2016.
كان جورج طرابيشي مفكراً ناشطاً ومعطاء. وترك للمكتبة العربية اكثر من 200 كتاب، تأليفاً وترجمة. بداية تولى في كتاباته الاولى مهمة النقد الاجتمعي بخلفيته الدينية، ثم انتقل الى مرحلة التفكير العقلاني لبناء طروحاته العلمانية والمدنية. ومراقبته ودراساته للمجتمع العربي قادته للاستنتاج: "لا تزال المجتمعات العربية تخضع لعقبات الثقافة الديموقراطية، فكثير من النخب العربية تقبل الديموقراطية في السياسية وترفضها في الدين والمرأة والجنس." والعلمانية كما يفهمها جورج طرابيشي هي الخروج الكامل من مفاهيم وسيطرة وتعاليم رجال الدين لانها الجامع للمجتمع المدني ، لا للمجتمع الديني.
 يستحيل ان تقوم دولة دينية يقودها رجال دين، وتطبق القيم الدينية بنشر العدالة والمساواة بين الناس. وهناك استحالة ان يكون الدين عنصر توحيد وطني جامع في اي مجتمع من المجتمعات ، والتاريخ يدل على ذلك

الدولة العلمانية تستمد شرعيتها من الشعب وليس من الله

"ان العلمانية ليست ضد الدين ولكنها تنفي تدخل الدين في السلطة والدولة، والا فان الدول العربية والاسلامية ستبقى تنهش بعضها بعضاً، وستبقى الدماء الدينية تسيل والتخلف سيدهم وهم يرجعون الى الخلف في حين ان الحداثة تسير نحو الامام، ولا خلاص لهم الا بالدولة المدنية."
 وهو يرى انه "يستحيل ان تقوم دولة دينية يقودها رجال دين، وتطبق القيم الدينية بنشر العدالة والمساواة بين الناس. وهناك استحالة ان يكون الدين عنصر توحيد وطني جامع في اي مجتمع من المجتمعات ، والتاريخ يدل على ذلك. عقبات قيام الدولة المدنية في العالم العربي هي العقلية العربية والذهنية القائمة على المفاهيم الدينية. ان كل سلطة قائمة على عقلية دينية لا يمكنها ان تشكّل دولة مدنية علمانية. الدولة العلمانية تستمد شرعيتها من الشعب وليس من الله. وهذا يعني ان شرعيتها متغيرة ومتحركة نتيجة تفاعل شعبها مع شعوب العالم ودينامية هذه الحركة عي الحرية والوعي والتنمية ، اي لا نصوص مقدسة في الدولة العلمانية بل الشعب هو المقدّس والدستور نصوص يضعها الشعب ولا احد غيره.
ان اي تسلط او احتكار من اي حزب ديني او حتى ايديولوجي سياسي او عسكري او اي جماعة اقطاعية او رأسمالية او حتى عمالية ، فقط، هو بشكل او بآخر دولة ثيوقراطية مبطنة مخالفة للديموقراطية. "
ويحدد جورج طرابيشي الانتقال الى الدولة العلمانية المدنية بمستويات ثلاثة: الاول حرية الفكر ، والثاني الاعتماد على القيم العقلية الانسانية، والثالث اعتبار كل ما هو خارج عن العقل شأناً شخصياً لا علاقة له بقيام دولة او بحكم شعب.
لقد رحل جورج طرابيشي وهو يحلم بالدولة المدنية في بلاد العرب، وخصوصاً في بلده الام سوريا. ولعله كان احد الاصوات الاكثر دويّاً في العالم العربي، وقد اطلق عليه لقب "فولتير العرب". وهو القائل: "ان العلمانية ليست ضد الدين ولكنها تنفي تدخل الدين في السلطة والدولة، والا فان الدول العربية والاسلامية ستبقى تنهش بعضها بعضاً، وستبقى الدماء الدينية تسيل والتخلف سيدهم وهم يرجعون الى الخلف في حين ان الحداثة تسير نحو الامام، ولا خلاص لهم الا بالدولة المدنية."
(من بحث للدكتور ميشال السبع – مجلة آفاق – العدد 62 – ص33 - 44)