العدد 24 - احتفال 15 آذار 2016
احتفال 15 آذار 2016
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 
 بمناسبة ذكرى استشهاد المعلم كمال جنبلاط وبمناسبة منح جائزة كمال جنبلاط للعام 2016، حول موضوع "بناء الدولة المدنية في لبنان"، نظمت الرابطة احتفالا عند الساعة السادسة من مساء يوم الثلاثاء الموافق 15 آذار 2016، في قاعة احتفالات جامعة هايكازيان، حضره حشد من الاصدقاء والمهتمين، تقدمهم الاستاذ تيمور جنبلاط ممثلاً رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وممثل شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ غاندي مكارم. كما شارك في الاحتفال الوزير رشيد درباس والوزراء السابقون: د. صلاح سلمان، عادل حمية، د. عدنان السيد حسين رئيس الجامعة اللبنانية، والنواب مروان حمادة، فؤاد السعد، هنري حلو، امين وهبي، انطوان سعد، والنائب السبابق د. صلاح حنين، وامين عام الحزب التقدمي الاشتراكي الاستاذ ظافر ناصر، وممثلو النقابات والهيئات الروحية والاجتماعية.
تخلل الاحتفال عرض لقطات من الفيلم الوثائقي الذي انتجته الرابطة "كمال جنبلاط: الشاهد والشهادة". واعلان نتائج الترشيح لجائزة كمال جنبلاط، ومنح الجائزة الى مثلث الرحمات المطران غريغوار حداد التي تسلمها باسمه الاب الدكتور ميشال سبع مدير مجلة آفاق ، وتلا ذلك عرض فيلم وثائقي قصير عن المطران غريغوار حداد.
 
 وفيما يلي نصوص الكلمات التي ألقيت في الاحتفال :

- كلمة الاستاذ عباس خلف:

الاصدقاء والصديقات،
السادة الوزراء الحاليين والسابقين
السادة النواب الحاليين والسابقين
ارحب بكم واشكركم على تلبيتكم دعوتنا للمشاركة في هذا اللقاء الذي نحتفل فيه بمناسبتين تعنيان لنا الكثير، مناسبة ذكرى استشهاد المعلم كمال جنبلاط، ومناسبة الاعلان عن اسم الفائز بجائزة كمال جنبلاط للمرشح الذي تتوفر فيه الشروط وتميز بعطائه الفكري التنويري الذي يؤمن بأن الخلاص من الطائفية السياسية يكون في مجتمع ديموقراطي علماني يجمع بين الديموقراطية السياسية والديموقراطية الاجتماعية .مجتمع تُلغى فيه الطائفية السياسية ويفصل الدين عن الدولة، ويخضع مواطنوه الى قانون مدني موحد للاحوال الشخصية، تتحقق فيه العدالة والمساواة امام القانون والذي يكفل الحقوق الانسانية المشروعة في العلم والعمل وتكافؤ الفرص.
في اكتمال العام السادس على تأسيس رابطة اصدقاء كمال جنبلاط ، اود ان اقدم جردة حساب في حضرة روح المعلم وامام اصدقائه الكرام، علّ ذلك يكون حافزاً لنا لمتابعة مسيرة العمل والانجاز بنفس الزخم والتصميم والايمان.

في بيان اطلاق الرابطة في 8 آذار 2010، اعلنت الهيئة التأسيسية برنامج عمل تضمن اثنا عشر بنداً وهدفاً يتوجب العمل على تحقيقها، بدءاً "برصد الابحاث العلمية الاكاديمية التي تناولت حياة وافكار كمال جنبلاط" الى البند الثاني عشر وهو "المتابعة الحثيثة مع بلدية بيروت لتسمية شارع رئيسي بإسم كمال جنبلاط". تجدر الاشارة هنا ان الرابطة تمكّنت من انجاز احد عشر بنداً، ثم اضافت هدفاً في غاية الاهمية لم يكن وارداً في البرنامج الاصلي، وهو انتاج فيلم وثائقي طويل عن كمال جنبلاط، انجز فعلاً وعرض في الصيف الماضي في اربع صالات سينمائية في بيروت ولفترة ثمانية اسابيع متواصلة، كما تم عرضه في عروض خاصة في عدة مناطق لبنانية، كما عُرض في ابو ظبي واستراليا والولايات المتحدة الاميركية والمملكة الاردنية الهاشمية والمملكة المغربية وجمهورية مصر العربية.
ويطيب لي اليوم ان اعلن ان فيلم "كمال جنبلاط الشاهد والشهادة" سوف يعرض في "معهد العالم العربي" في باريس في الثالث عشر من ايار القادم، وقد تم ذلك بمسعى شخصي كريم من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الاستاذ وليد جنبلاط، الذي اوجه له تحية محبة وتقدير على دعمه المتواصل للرابطة. ولا يخفى ان عرض هذا الوثائقي في معهد العالم العربي المعروف عالمياً بمستواه الرفيع وبكونه منبراً عالمياً محترماً، يشكل انجازاً ذا شأن في مسيرة تعريف العالم على شخصية كمال جنبلاط الاستثنائية وفكره التحديثي في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة والروحانيات. ويحضرني هنا قول الكاتب المتخصص في العلوم السياسية ذو المكانة العالمية المرموقة موريس دوفيرجيه، عقب استشهاد المعلم: "ان كمال جنبلاط هو آخر رجل دولة في العالم العربي ".
 
 ايها الاخوة والاخوات،
اسمحوا لي بهذه المناسبة ان اخاطب معلمي ورفيقي وصديقي الذي عايشته طيلة ربع قرن من النضال، لأقول له: نفتقدك اليوم وكل يوم، نفتقد آرائك النيّرة التي ترسم حلولاً لكل ما يواجه وطننا لبنان وامتنا العربية من مشاكل وازمات. نفتقدك وانت تقود مسيرة النضال من اجل غدٍ مشرق ووطن حر وشعب سعيد. يا من علمتنا ومنذ التقينا تحت راية الحزب التقدمي الاشتراكي مطلع سنة 1953، وكنت لا تزال في عنفوان الشباب، بأن النضال يجب ان يمارس يمنطق يقول :" ان عبور جسر الموت هو الحياة". كمال جنبلاط في ذلك التاريخ، وبالضبط في 14 آذار 1953، وبمناسبة ذكرى شهداء الباروك، قال: " تتوالى الاحداث والتبدلات السياسية على لبنان، وفي كل عام لا نزال ولا يزال الشعب اللبناني يذكر الشهداء الابرار الذين سقطوا منا في ساحة الباروك فكانوا القربان على مذبح الوطن، وكانوا طلائع القافلة التي انطلقت بالشعب في سبيل حياة لا تتخوف من التحرر ومن التقدم ومن الانطلاق . وكانوا النذير الاول بقرب نهاية عهد الطغاة والمفسدين في لبنان. انني انحني بكل خشوع امام ذكرى الراحلين، واناشد اخواني ورفاقي اللبنانيين ان يكملوا الطريق الذي شققناه وان يناضلوا في السبيل الذي ناضلنا، وان يدركوا ان الحرية هي في العطاء لا في الاخذ، وان الحياة هي للظافرين في نفوسهم، وان التضحية مجال من مجالات تحقيق امكانيات الذات. رسالتنا رسالة البطولة والتضحية. ولذا يشرفني ويلذّ لي في هذه المناسبة ان اذكّر الرفاق والانصار بأن نضالنا لم ينته ولن ينتهي...."

بهذا الكلام الرؤيوي خاطبنا ولهذا الدور الريادي دعانا، وكان سبّاقاً على طريق الشهادة. لقد ظنّ القتلة المستبدون انهم باغتياله سيغتالون فكره ونضاله، فلا النضال توقف ولا الفكر طواه النسيان. وها نحن في رابطة اصدقاء كمال جنبلاط نخاطبه حيث هو في عليائه، بأننا على خطاه سائرون ولفكره ناشرون، وللدعوة لاصلاحاته متابعون. يحزّ في نفوسنا ما اصبح عليه بلدنا من تقهقر وضياع وعجز وانقسام يغذيه الفساد في السلطة واعتماد سياسة المحاصصة التي تنهش في كيان الوطن بحماية الطائفية والمذهبية السياسية المدمرة.
ومن هنا كان اختيارنا هذا العام موضوع "بناء الدولة المدنية في لبنان" مجالاً لجائزة كمال جنبلاط ، لاننا وعلى غرار ما كان توصل اليه المعلم قبل استشهاده، على يقين ان لا خلاص للبنان من المعاناة التي اصابت منه كل المفاصل وكل المستويات، الاّ بالغاء الطائفية السياسية واعتماد النظام المدني العلماني الديموقراطي الذي ينقل اللبنانيين من التعصب والتخلف والانقسام الى الوحدة والتقدم والحداثة والانفتاح.
اسمحوا لي اخيراً ان اتوجه بالشكر لحضرة الصديق رئيس جامعة هايكازيان القس الدكتور بول هايدوستيان الذي استضافنا في جامعته العامرة، متمنياً للجامعة دوام التقدم والنجاح.
 
- كلمة المحامية غادة جنبلاط:
في مسيرته النضالية اضاف كمال جنبلاط الى تاريخ الكفاح من اجل العدالة والديموقراطية وتوعية الشعوب لمصيرها وحقها في الحياة الكريمة ما يستحق ان يسمى ثورة في عالم الانسان. كان من القلة المتميزة من رجالات التاريخ الذين نقلوا رؤاهم في الفلسفة والدين والسياسة والإصلاح من النظرية الى ارض الواقع لتكون رافعة وازنة للشعوب في تصليب ارادتها لإقامة وطن حر وشعب سعيد.
وتقديراً منا نحن في رابطة اصدقاء كمال جنبلاط لمكانة المعلم ولدوره الرائد في النضال من اجل الدفاع عن القضايا الانسانية، والتزاماً بمتابعة مسيرته رأت الرابطة ان تكرّس حضوره فكراً ونضالاً عبر انشاء جائزة تحمل اسمه تمنح كل عامين لعمل فكري او عملاني يحاكي القيم الانسانية التي آمن بها المعلم وناضل من اجل تحقيقها.
وان قناعتنا بأهمية هذا الحدث املت بأن يتزامن مع تاريخ السادس عشر من آذار ذكرى استشهاد المعلم لنؤكد بان حضوره سيبقى مترسخاً فيناعلماً وثقافة ونضالاً ونهجاً انسانياً عصياً على التغييب.
للجائزة مجالات اربعة: جائزة كمال جنبلاط لحقوق الانسان ، للاعمال الفكرية، لحماية البيئة وللصحة والغذاء. وهذا العام وسّعنا مجال الجائزة لتشمل موضوع بناء الدولة المدنية في لبنان.

اما لماذا اختيار موضوع بناء الدولة المدنية في لبنان؟
فلأن لبنان يعيش ازمةً تكاد تكون وجودية ، فراغاً وفساداً في المؤسسات، تدهوراً اقتصاديّاً يلامس حد الانهيار، تشرذماً طائفيًّا وتحريضاً مذهبياً ونفخاً في نار الفتنة .
رئاسة الجمهورية شاغرة ، مجلس النواب معطلٌ ومجلس الوزراء عاجز عن التقرير بفعل تضارب المصالح والتهافت على تقاسم الحصص والمغانم، المرافق العامة مقصّرة في توفير خدماتها، فلا كهرباء ولا معالجة لتراكم النفايات، ولا امن مستتبّ ، ولا حدود للصفقات والارتكابات ولا رقابة ولا محاسبة.
كل ذلك في ظل هجمة تكفيرية وتطرف مذهبي متنقل بين العواصم العربية والاسلامية محاولاً طمس حضاراتٍ بنيت بالعقول النيّرة والسواعد الجبارة .
ازاء هذا الواقع تقرر منح جائزة كمال جنبلاط الثالثة للعام 2015 – 2016 في مجال بناء الدولة المدنية في لبنان ، بعد ان خصصت الجائزة في العام 2012 لحماية حقوق الانسان في العالم العربي . وفي العام 2014 لحماية البيئة في لبنان وذلك تحريكاً للجمود المتعفن وللخروج من اوحال الانقسام والاقتتال وتذكيراً للبنانيين بأن خلاصهم مرهون بإقامة الدولة المدنية العلمانية الديموقراطية.
وتحفيزاً للأفراد والمؤسسات التي تقوم بإنجازات فكرية وعملانية متميزة في العمل من اجل بناء دولة مدنية في لبنان ، واستنهاضاً لجهود العبور من دولة الطوائف الى دولة مدنية علمانية ديموقراطية عادلة ، رأى فيها كمال جنبلاط الطريق الوحيد لانقاذ لبنان من آفة الطائفية السياسية التي اعتبرها عائقاً بوجه كل فرصة للتغيير التقدمي والتحديث المدني العصري، اذ رأى:
"ان المشكلة اللبنانية لا تحل إلا على اساس وطني ، ومنهج حازم تدرجيٍّ في آن واحد يوصل لبنان الى اقامة دولة تعتمد على العلمنة والاشتراكية ووحدة المجتمع اللبناني وصهره في البوتقة الوطنية الواحدة.
ان خلاص لبنان هو في مجاراة تيار التطور نحو مدنية الأنظمة ومدينة الدولة ... وعلينا ان نسلك هذه الطريق بالتفاؤل ، وبالتضحية وبالتفهُّم العميق بأن وقوفنا في وجه عجلة التطور والتحديث سيسحقنا ، ويقضي على كيان لبنان ذاته في النهاية .

في نظرة اشمل وفي العام 1960 كتب كمال جنبلاط :
" المعركة اضحت معركة الجماهير في كل مكان من بلاد العرب ، من اجل ان ترتفع اعلام القومية العربية العلمانية ، اعلام الدولة المدنية التي تخطت مفاهيم الطائفية السياسية وحواجز الاقطاع الديني والإستغلال الرأسمالي والطبقية الرخيصة ، لكي تلتقي بروح الدين الحقيقية، ولكي تجعل الروح المسيحية تتوحّد في روحية الإسلام ، ويتوحّد هو فيها ، فإذا شرقنا من جديد ، واحدٌ في هذا الولاء الوطني وهذا الإنصهار الشعبي المستند الى الروحية الإنسانية . فاللبنانية بدون نفح العروبة وروح الدولة ، ضيقٌ وانعزال، والعروبة بدون هذه الروح الانسانية التي تنعكس فيها حقيقةُ وحدة الإسلام والنصرانية الجوهرية عزلة وبوار".
ونحن اليوم ، على ضوء ما يواجهه لبنان من معاناة على مختلف الصعد، وما تتخبط به الدول العربية من فشل الأنظمة وقمعٍ للشعوب ، وانقساماتٍ بالغةِ الخطورة على الحاضر والمستقبل تغذيها روح التعصب الديني والطائفي والمذهبي والعرقي ، يتأكد لنا ، كم كان كمال جنبلاط على حق عندما ارتأى ان قيام الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية هو السبيل الى وحدة وطنية نموذجية يسودها العيش المشترك ووحدة المصير، هذا العيش وهذه الوحدة اللذين ضحى كمال جنبلاك بحياته للحفاظ عليهما وكان يؤمن :
" بأن الكيان اللبناني رغم العواصف التي تمر به يتأكد ويتثبت على الدوام في بصيرة جميع اللبنانيين ، وانه سيأتي اليوم الذي يدرك اللبنانيون فيه اكثر مما يدركون الآن انهم ابناء هذه الوحدة الحياتية، وحدة الاقتصاد والاجتماع وتشابك البيئة قبل ان يكونوا نصارى وسنّة ودروزاً وشيعة وسواها من المذاهب. وقد ينبلج اليوم الذي يترك فيه اللبنانيون للآخرة خلافاتهم واختلافاتِهم ويجتمعون على ما اتفقوا عليه من شؤون هذا الوطن الذي انشأه لهم وحققه واقع الزمان والمكان".

لذا، نحن مدعوون الان اكثر من اي وقت مضى الى نبذ اليأس، والتمسك بنظرة المعلم التفاؤلية وإيمانِه بأن لبنانَ وطن نفتديه لا وطن نرتجيه. فنعملُ سوياً على ان يكون هذا اليوم قريباً ، فنحطم قيود الطائفية البغيضة ونقضي على الفساد بكل اشكاله ونشيد ركائز الدولة المدنية العلمانية الديموقراطية العادلة بإرادة حرة وصبر وتصميم مرةً الى الأبد .
فنحقق حلم المعلم بان نجعل من لبنان نموذجاً للوحدة الوطنية في في منطقة العالم العربي بل في الشرق الأوسط كله.
الاعلان عن اسم الفائز بالجائزة
والان اسمحوا لي ان اعلن عن اسم الفائز بالجائزة وان انوه بالمشاركة الغنية في الترشح لنيل الجائزة .
واعلن ان لجنة التحكيم وهي لجنة متخصصة تضم عدداً من الباحثين والناشطين البارزين في مجال بناء الدولة المدنية في لبنان ، المشهود لهم بصواب الرأي والقول الفصل هم :
الدكتور صلاح حنين ، النائب الدكتور غسان مخيبر ، الدكتورة فاديا كيوان ، الدكتور رؤوف الغصيني ، الاعلامية السيدة نجاة شرف الدين ، والبروفسور شبلي ملاط .
فقد تسلموا ملفات الترشيح وانكبوا على درسها وتمحيصها بكل عناية واهتمام ، وجاءت آراؤهم مجمعة على اختيار الفائز .
عُرف عنه :
انه حالة، لبنانية بحتة ، انسانية بامتياز.
اوصله ايمانه الى علمانيته ، وقادته وطنيته الى مدنيته ، مقرراً ان "الديني" لا يتحقق إلا باحترام "الإنساني" ورفعته ، والى ان العلمانية لا تبعد احداً عن دينه ، ولا تشجع على الإلحاد ، بل تصهر ابناء مختلف الديانات في سياق "مدني" ومواطني" واحد. إنه المطران العلماني المدني .
الفائز بجائزة كمال جنبلاط لبناء الدولة المدنية في لبنان : المثلث الرحمات المطران غريغوار حداد عن عطاءاته الفكرية الريادية المميزة وعن نهجه في العمل من اجل اقامة دولة مدنية علمانية في لبنان.
كان المطران غريغوار حداد والمعلم كمال جنبلاط متشابهين في النهج والعمل ، وكانا متلاقيين في ان قيمة الدين تكمن في اعلاء شأن الانسان. وإذ رحلا في احلك الظروف ، فقد ضيّق غيابهما فسحة الامل.
 
 - كلمة البروفسور شبلي ملاط:
[شكر للجمعية، الزميلة الأستاذة غادة جنبلاط، والصديق الأمين سعيد الغزّ]
كلمة ألقيت بمناسبة تقديم جائزة كمال جنبلاط الى غريغوار حدّاد، بيروت، جامعة هايغازيان، 15 آذار 2016

في جيلٍ عرف الحرب الأهلية وهولَ أحداثها يتألق عددٌ مختار من اللبنانيين في ملتقى الذاكرة الجماعيّة، فتعتزّ بهم ملاذاً من اليأس والخجل الملازمَين لسؤالها عما اعترى المجتمع من جنون التعادي والتفاني. والسؤال في الذاكرة الجماعية لا يتوقّف طبعاً عند حروب لبنان الطويلة، حروب الآخرين في لبنان، وحروب لبنان على أرض الآخرين – هذا الشواذ الإضافي الذي نراه اليوم ممتداً الى قلب الجنون العاصف بسوريا. السؤال عما يعتري المجتمع من جنون في حقبات خاصة من تاريخه طرحه علينا أبو الطيب المتنبي في لغته الشعرية المتفوّقة منذ أكثر من ألف عام.
ومراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيها وأن نتفانى ،
في معرض قصيدة مطلعها اختصار التاريخ الإنساني:
كلّما أنبت الزمان قناةً ركّب المرء في القناة سنانا

فسموّ مُراد النفوس عن التعادي والتفاني لا يتوقف في الأيام المظلمة. في الظلمة دائماً نقاطُ نورٍ نتبصّرها لشديد تألّقها، بَلْ تزيد تألقاً كلّما اشتدت الظلمات حوْلَنا اسودادا.
هذا النور في الديجور تمثله في ذاكرتنا قلَّةٌ من الأشخاص الذين تسنّى لبعضنا حظّ مرافقتهم، أو حتى مُجَرّد التعرّف عليهم، ليطبعوا ذاكرتنا بتألقهم في رسالة رافضة للحرب وناقضة للعنف، رسالة هي مراد النفوس المترفّعة عن مواكبة واقع لا يمكن القبول به. مَثَلُ ومثال هذه النفوس الطاهرة في ديجور حروبنا الطويلة كمال جنبلاط وغريغوار حدّاد، تتعلق بهما ذاكرتنا لدفع الحرج من حلول الفاجعة على مجتمعنا، والتغلّب على اليأس الذي لا يَفْهم كيف كان ممكناً لزماننا أن يرضى بتركيب السنان على كلّ قناة أنبَتَها.
وإذا كان حَدْسنا يدلُّ قلبنا على كمال جنبلاط وغيرغوار حداد متألِّقَين بنورهما في الظلام، فلا بُدَّ من تساؤل أكثر عمقاً من الحدس لفهم هذا التلاقي بشخصيتين ترتاح اليهما نَفْسُنا ملاذاً لها من الحرج واليأس. وبعض الجواب على السؤال الصعب يأتي في تلاقي السّير الجامعة، ومنها عرضيّ جغرافي كنشأة غريغوار حدّاد في ضيعتنا العزيزة سوق الغرب وجوارها للشوف وعاليه، حيث كان العطاء الإجتماعي لهما مميَّزاً، ومنها ما كان ضرورياً لمـّا تتلاقى عليه الأرواح النبيلة لأنها تؤمن به في عقلها، وليس فقط في حدسها، فتسعى جاهدة الى تطبيقه في الواقع المعاش، وتطويره نشاطاً اجتماعياً عارماً.
والتلاقي بين كمال جنبلاط وغريغوار حدّاد متعدد ومتواتر وعميق، وقد سمعنا بعض فصوله المميّزة ممّن عرفهما عن كثب، صديقاً وجاراً ورفيقاً على درب الإصلاح، وفي مقدّمتهم حبيبنا الفاضل، وهو من وتيرتهما ومدرستهما السامية، الأستاذ عباس خلف الذي تعتز رابطة أصدقاء كمال جنبلاط بإشرافه عليها.
أما ولئن انتقلنا من الحدس الى العقل، فعندي أننا أيضاً محظوظون بتراث عطاء يلتقيان فيه بكتابات ومعالجات عملية لخوض الإصلاح على أرض الواقع، أختار من بحرها الواسع نزراً سيراً من معطاء فكرهما وسيرتهما.
الموضوع الأول محورية روح الإنسان مرتكزاً للمجتمع. وفيما يتعدى الحرف، يكتب كمال جنبلاط في فصل عنوانه «روحية العالم الجديد»
إن الغاية الوحيدة لكل عمل ومؤسسة بشريين هي تفتّح كامل ومتناسق لمقدور الفرد (وإنني أفضل: لمقدور الإنسان فينا). وإن المجتمع في كلّ مؤسساته – ومنها السياسية – ليس في ذاته غاية بل وسيلة الى بناء الإنسان. فالدولة تقدّس أو تلعن، تخصّب مؤسساتها أو تعقّم، بقدر ما تخدم أو لا تخدم هذا الإنسان. (ص. 91)
ويكرّر، تعليقاً على تفضيله كلمة إنسان على كلمة فرد، «وقد آثرت إبدال كلمة الفرد بالإنسان تعمداً، لأن الفرد ليس له قيمة بحدّ ذاته ولا كيان إلا بالنسبة للإنسان.» (ص. 92)

أما غريغوار حداد، فعنده أنه لا نفع للإنسان إن ربح العالم، هذا العالم الزمني، وخسر نفسه. خسر ذاته الروحية والملكوت الروحي. بل في ذلك الخسارة الكبرى، ولكن لا يجوز للإنسان أن يخسر العالم، أن يحتقره، أن يخسر واحداً من أبناء هذا العالم، ليربح نفسه. أو أن يربح نفسه بدون أن يأبه للعالم. إذ أنه مُرسَلٌ الى هذا العالم لربحه، لخلاصه. (مجلة آفاق، 24: 1991، ص. 20)
ولأن الإنسان هو المبتدأ المشترك لجنبلاط وحدّاد، فهما مشتركان أيضاً في تفعيله في الإندفاع الإجتماعي، وسيرتهما في تطبيق هذا العمل في يوميات الناس عن طريق المبادرات الحيّة المستمرّة، والمتطلبة الجهد اليومي تنظيماً وأداءً، ولو بقي غريغوار حدّاد المطران بعيداً فيها عن السياسة، فيما خاض كمال جنبلاط السياسي معركته في الشأن التشريعي والتنفيذي نصرةً للفقير والمهمَّش.
هذا المشترك الإجتماعي التقى فيه الرجلان كلٌّ بما فرضته بيئته ونشأته عليه، أحدهما رجل دين امتعض منه من اعتبروه مُخلّاً بالواقع المترهل الظالم، والثاني سليل عائلة سياسية كبيرة امتعض وَسطه من مكارم أخلاقه وعطفه على الفلاح والفقير بممتلكاته.
أمّا الملتقى الثالث، فهو مناسبة هذه الجائزة، الدولة المدنية ، وهي مفهوم اشتركا في الإيمان به وبناء المجتمع المرادف له – وقد أسّس غريغوار حداد تيار المجتمع المدني نموذجاً للدولة المدنية واستباقاً لها.
أودّ أن أسطّر معكم هذا المفهوم المركّب – الدولة زائد المدنية - انطلاقاً من اهتمام الرجلين به والمطوّلات العلمية التي ترافقهما منذ أن أدخل سيّد الفلاسفة هيغل مفهوم المجتمع المدني في مقابل الدولة في منظومته الكبيرة. يطول الحديث طبعاً، ويتشعّب، إنما ما يشدني الى التركيز عليه مستفهماً هو ما تجلى في ثوراتنا العربية القريبة من نقل مفهوم «المدني» من المجتمع الى الدولة. فالمجتمع المدني تحصيل حاصل منذ هيغل كمفهوم من الحقيقة الماثلة أمامنا: هناك مجتمع مدني يمثل حاجات الناس وتنظيم حياتهم لسدّها وإنشاء التجمعات لتقديمها. (هيغل، في فلسفة القانون، 1821)
المجتمع المدني في هذه النظرة الفلسفية الشاملة إذاً حقيقة ملموسة بمقابل الدولة، كما أن الدولة حقيقة لا تكتمل إلا في مرآة المجتمع المدني المستقلّ عنها. هذه الثنائية أتقن التعبير الواضح عنها أعظم مفكر اشتراكي في نهاية القرن العشرين، معلّمي روبير فوسار الذي غادرنا العام المنصرم، وقد ثبّت حقيقتها الثنائية عبر العصور والحضارات: الدولة والمجتمع المدني مركّب ثنائي متكامل متداخل في التنظيم السياسي للمجتمع منذ بداية التاريخ البشري.
لماذا هذا التركيز إذاً على ما بات مفهوماً في طول العالم وعرضه؟ التركيز اليوم لأننا فوجئنا في أوائل عام 2011، في ثورة عربية عارمة أحببناها لطابعها السلّمي اللاعنفي، والصبوة الى اللاعنف مشتركة عند المحتفى بهما اليوم، جائزاً ومُجازاً، وفوجئنا أيضاً ببروز مصطلح جديدٍ على العالم، اشترك فيه الملايين من الناس مطالبين «بالدولة المدنية». لاحِظوا التوصيف المرتبط بالدولة، وليس بالمجتمع. أراد الناس الثائرون أن تتحول الدولة مما هي، فاسدةً وعاطلةً وقاسيةً وقاسرةً، الى دولة مدنية.
تفاجئنا «الدولة المدنية»مصطلحاً جديداً أفرزته ثورةٌ عارمة، فتفرض علينا أن نصغي الى شعبنا مجدداً والتأمل في مطلبه الثوري هذا. فما معنى أنّ الشعب يريد دولة مدنية؟
طبعاً تتعدد الإجابات، ونحن في أولها، ومنها بداهة في دول الإستبداد، طلبُ الناس أن تكون دولتهم مدنية مقابل الدولة الدينية، وأن تكون دولتهم مدنية مقابل الدولة العسكرية. الدولة المدنية في مصر، والثورة المصرية لا تزال لولب مفترق عام 2011، الثورة المصرية تصدّت لدولة يتحكم بمصيرها الجيش، ولذا أراد الثوار إعادتها الى المدنيين، كما أنها تصدّت، وهذا مهم جداً لقراءة صحيحة لما شدَّنا جميعاً في بدايات الثورة، أرادها الناس دولة مدنية مقابل الدولة الدينية، أكانت دولة رجال الدين كما تأصلت في إيران، أو الدولة الدينية كما كانت مهدّدة المصير من دون رجال الدين على نسق الجزائر المخطوفة ثورتها عام 1991 من جانب الحركة السياسية الدينية، أو كما كانت مهددّة في تونس أو في مصر من قبل الجماعات الدينية من الإخوان المسلمين وحتى الأوساط الأكثر تطرفاً فيها.
الدولة المدنية إذاً بمقابل الدولة المحكومة دينياً، والدولة المدنية إذاً بمقابل الدولة الأمنية.
تطور لافت في الفلسفة السياسية هذا الإنتقال من المجتمع المدني الى الدولة المدنية، معناها في ما خرج الناس مطالبين به من المحيط الى الخليج، بما فيه الخليج الفارسي، أن تقوم الدولة على المدنيين وليس على رجال الأمن، وعلى المدنيين وليس على رجال الدين.
هذا حديث يحتاج الى مطوّلات، راقني التوقف فيه هنا لما قدمه كلّ من كمال جنبلاط وغريغوار حداد من مصطلحٍ مستقبلي نعيشه في مراد نفوسنا بعد خمسين عاماً من إدخالهما المصطلح في قاموسنا، عندما كنا لا نزال جميعنا نتخبط في ضياع أهميته علينا. الدولة المدنية هي، بعد محورية الإنسان وأهمية تجلّيه إجتماعياً في المجتمع المدني، المشترك الثالث، وكأن فيه شيئاً من النبوّة، بين كمال جنبلاط وغريغوار حدّاد.
 
 - كلمة الاب الدكتور ميشال سبع:
رائد الفكر الاشتراكي على الساحة الاممية والعربية وليد بيك جنبلاط
رابطة اصدقاء كمال جنبلاط رئيساً واعضاء
رئيس الجامعة اللبنانية والفعاليات الفكرية والحضارية والسياسية
ايها الحضور الكريم
قد تكون من المفارقات ان يخسر مطران في كنيسته ويفوز لدى الموحدين، ربما كان مخطئاً اساساً في خيارات المكان والمساحة. لكن الاكيد ان المطران غريغوار حداد صديق القائد الشهيد كمال بيك جنبلاط كان ملتحماً معه بالفكر والتأمل بالانسان وساعيان معاً لتقديم الحياة الافضل لهذا الانسان.
وما كانت قناعة الرجلين وعملهما يمكن ان توصلهما لا الى الرحيل لان اعداء الكلمة هم انفسهم اعداء الحياة والانسان.
لا تزدهي التيجان الا على الرؤوس الفارغة لان الرؤوس المفكرة هي تيجان الشعوب.
ذات يوم جرى جدال بيننا في آفاق وبين المطران الراحل غريغوار كنا نريده ان يخوص المعترك السياسي، رفض وقال، يخوضها كمال جنبلاط وكل المؤسسين بالحزب معه هم معنا ونحن واياهم في فكر واحد، هو انساني، حضاري، روحي، لبناني، الاشتراكية وسيلة لتحقيق انسانية الانسان، كل انسان وكل الانسان، صلب امام الحق فلم يتخل يوماً عن فلسطين، هو الوحيد الذي التحقت به طائفته دون ان يكون رئيساً دينياً بل زعيماً ادارياً وسياسياً وفكرياً لذلك ان اردتم نضالاً سياسياً فالتحقوا به.
اجل، كان غريغوار يدرك تماماُ ان هيمنة المؤسسات الدينية المسيحية وغير المسيحية تمنع اي منتمٍ لها ان يكون حراً منها وعندما حاول هو اجبرته على الانسحاب منها.
الاحبار المسيحيون يقولون انهم مع العلمانية لكنهم لا يصرحون بذلك خوفاً من الصدام مع المشايخ المسلمين هذه النغمة المستهجنة هي عند الجميع اليوم، الكل يخشى من الفتنة والانقسام وهم جميعاً يعملون من اجلها ويعيشون واقعها.
ان الروح الصلبة وحدها تحدد خياراتها وتعلنها دون خوف ومن لا يخاف الموت لا يخشى الحياة.,
وهم يخشون الحياة لذا يخافون من الموت.
المؤمن الحقيقي بالانسان الكوني يتجاوز كل هذه الالاعيب بالكلمات والمواقف.
ان منح اصدقاء جنبلاط جائزتها لغريغوار وفكر غريغوار المتمثل في مجلة آفاق التي اختارها وفضلها على اسقفيته انما هي رد اعتبار انساني وروحي ولبناني واشتراكي له.
لذا، فنحن اذ نفخر بها وبكم نقول لكم ستكون هذه الجائزة دفعة قوية لاستمرار مجلته المهددة بالتوقف.
مرة ثانية، يفوز فكر غريغوار على مؤسسة الكنيسة بفضل الفكر الاشتراكي العلماني الحر.
شكراً