العدد 23 - الارهاب يدمرنا قبل تدمير الاخرين
الارهاب يدمرنا قبل تدمير الاخرين
 إرهاب تنظيم «القاعدة» في 11 أيلول (سبتمبر) 2001 لم يدمر الولايات المتحدة، ومثله ارهاب التنظيم في مدريد ولندن في السنوات التي تلت، وكذلك فإن الإرهاب الاخير الذي ارتكبه تنظيم «داعش» لن يدمر فرنسا، كما لم يدمر اسقاط طائرة سيناء المنكوبة روسيا نفسها. تأذت تلك الدول كلها بلا شك، وأسقط الارهاب ضحايا ابرياء من دون وجه حق، واستحق كل النعوت التي انتزعها عن جدارة، بكونه اجرامياً ووحشياً ورخيصاً. كل الإرهاب الذي توجه الى بلدان غربية بمسوغات الانتقام او الرد بالمثل او ما شاء له من مسوغات، لم يصل الى درجة إحداث خدش في بنية القوة العسكرية والاجمالية للغرب، لكنه «تألق» في تدمير الشرق. «عبقرية» ذلك الارهاب الخالي من العقل كانت توفير المسوغ لقوى سياسية ومشاريع اميركية متطرفة لإطلاق وحوش الحروب في المنطقة والعالم، فكانت افغانستان ثم العراق، الذي تناسلت من حربه كل الكوارث التي نعيشها الآن. الإرهاب الإسلاموي الغبي الذي انطلق (نحو ارض العدو البعيد) في نيويورك وعواصم العالم الغربي بدا كمراهق أرعن امتلك مسدساً فجأة، وصار يطلق النار في كل الاتجاهات، ومعها اطلق وحوش الحروب علينا. سقط العراق بسبب ارهاب نيويورك ثم دخل في عملية التفكك التي نشهد، ومعه انفتحت أمدية الفراغات السياسية والجغرافية والعسكرية مُستدعية «القاعديين» و»الزرقاويين» والمتعصبين بين السنّة، ليتحالفوا مع نظرائهم من المتعصبين من الشيعة، وليتنافس الطرفان في دفع العراق الى وحل الطائفية الدموية التي لا يعرف أحد متى يبرأ من نزيفها.

الارهاب الاسلاموي «القاعدي» ثم «الداعشي» دمر سورية أيضاً وأنهى ثورتها السلمية التي كان العالم كله يؤيدها ويصطف مع مطالبها في الحرية والكرامة. وهو ذاته كان قد تمدد الى اليمن ليتنافس مع متطرفي الحركة الحوثية في تدمير البلد، وإعاقة خروجه من مسار الاستبداد السياسي الى مسار الانتقال السلمي الربيعي، على رافعة ثورة شبابه المبهرة. وهكذا انتشرت رقعة السرطان وتسلل ارهابها الى ثورة ليبيا على القذافي فأحبطها من الداخل فأخاف الليبيين ومن يجاورهم من مآلات جغرافية ترتع فيها جماعات «داعش»، لتذبح المارين على شاطىء المتوسط تبعاً لدينهم، وتبعاً لولائهم لها او غيابه. في مستوى تدمير اقل وخلال العشرية التي نعيشها وما سبقها، ما من بلد عربي (وكثير من بلاد المسلمين) الا واكتوى بنار الارهاب الوحشي شمالا ويمينا. وقبل تلك العشرية او اكثر كاد ذات الارهاب ان يدمر الجزائر بعد ان أدخلها في مقتلة حرب أهلية استنزفت عقداً من السنين، ومعه مئات الالوف من الابرياء، وثروات البلد، ومستقبله.

بيد ان الشبح الاخطر من كل ذلك، الآن وراهناً، يقبع في حيرتنا إزاء التساؤل عن النقطة الزمنية التي نعيشها على وجه الدقة في منحنى توغل وتمدد الارهاب «الداعشي» الدموي: أنحن في البدايات، ام المنتصف، ام النهايات. حيرة ترهن مستقبلات بلدان عربية ومجتمعاتها للمجهول. يكفي ان نتأمل الرعب الكامن في هذا المجهول عندما نذكر انفسنا ان «داعش» يتحكم في حياة سبعة ملايين من الناس في الرقعة الجغرافية التي يسيطر عليها في سورية والعراق، والتأمل في ما يمكن ان يفعله التنظيم من غسل لدماغ عشرات الالوف من الصبية والمراهقين والشبان. كلما امتد حكم «داعش» على هؤلاء اتيحت له فسحة زمنية اطول كي يضاعف تجنيده لهم ويقولبهم الى «ذباحين» في ايديولوجيا العنف والدم التي لا تفهم الا القتل. لو استمر حكم «داعش» الى خمس سنوات قادمة فإن معنى ذلك ان جيلاً شاباً سينشأ في مناخ «الدعشنة» المُتخم، ولو فرضنا ان عشر معشار ذلك الجيل انخرط في القتل «الداعشي» فمعنى ذلك ان جيشاً من «الدواعش» قد تولي داخليا، تُناط به مهمة تدمير ما لم يتم تدميره من بلدان عربية واسلامية.
خلاصات ذلك كله يمكن تأملها على اكثر من وجه. الاول، هو ان الخسارات الفادحة والدمار الحقيقي جراء الارهاب الذي صار يتخذ المنطقة العربية مقراً له، تواجهه دول ومجتمعات وبلدان المنطقة. دولنا ومجتمعاتنا هي التي تتفكك وتنهار وتتحطم، وليس المجتمعات الغربية. وما يجب ان يرتبط بذلك مباشرة هو الكف عن احالة مسؤولية محاربة الارهاب والقضاء عليه على الغرب، وكأن هذه المشكلة مشكلة غربية وفقط. الطرف الاساسي والمركزي والرئيسي الذي يدمره الارهاب «الداعشي» وما سبقه هي الدول العربية، وهي التي صارت مهددة في وحدتها ومستقبلها، وبالتالي هي التي يجب ان تنتفض لمواجهة هذه الكارثة وتضعها على رأس اجنداتها. مسؤولية مواجهة ارهاب «داعش» هي مسؤولية عربية بالدرجة الاولى، ثم دولية وغربية بالدرجة الثانية.
 
 الوجه الثاني متعلق بالجدل والنقاش الذي لا ينتهي حول جذور الظاهرة الارهابية ومسبباتها والبيئات التي انتجتها، وهو جدل مهم وضروري لأن له علاقة مباشرة جداً بطرق مواجهتها. هذا الجدل قد ينتقل من مسار البحث الموضوعي المفيد الذي يقود الى فرض تعديل السياسات وخلق بيئات غير مؤاتية لنشوء الارهاب، الى مسار المناكفة السجالية التي تستهدف تسجيل النقاط وإدانة هذا الطرف أو ذاك أكثر من أي شيء. بإيجاز مُبتسر وربما مخل بالنقاش يمكن النظر الى الارهاب الحالي على انه نتاج ثلاث مجموعات من العوامل: الاولى خارجية ومتعلقة بالسياسات الغربية التدخلية والعسكرية منذ فرض إنشاء اسرائيل في المنطقة، مروراً بكل سياسات الحرب الباردة وتوظيف الاطراف الاسلاموية لخدمة هذا الطرف او ذاك، وصولاً الى «الجهاد ضد السوفيات» في افغانستان الاولى، ثم افغانستان الثانية وبعدها والعراق وما تبع ذلك من كوارث. الغرب مسؤول هنا مسؤولية مطلقة عن الخراب العالمي الذي تسبب فيه، وعليه يقع جزء كبير من المسؤولية في مواجهة ما نحن فيه. المجموعة الثانية من العوامل، داخلية ومتعلقة بفشل دولة ما بعد الاستقلال العربية في بناء مجتمعات واقتصادات قوية تحقق الحدود الدنيا من مطالب الشرائح الاعرض للشعب، وتوفر له الحد الادنى من الكرامة. وهو فشل قاد الى زيادة منسوب التطرف الايديولوجي الذي صبّ في نهاية الامر لصالح تيارات التعصب وجماعات الارهاب الديني التي استقوت بالخطاب الخلاصوي الديني. والمجموعة الثالثة من العوامل متعلقة بالتعليم والثقافة الاعلامية والاجتماعية التي اتجهت نحو المحافظة والسلفية في نصف القرن الماضي، بحيث ان الانظمة التعليمية للدول نفسها انتجت خصومها واعداءها بسبب تسلل الخطاب «الداعشي» الناعم فيها وفي المجال العام بشكل اجمالي.

معنى ذلك ان مجموعتين من العوامل تلك تنتمي الى «الداخل» ومعالجتها يجب ان تكون داخلية ولا علاقة للخارج بها علاقة وطيدة وقوية. والتكلس في التحليل عند مجموعة العوامل الاولى الخاصة بالخارج فقط معناه البحث عن تسويغ الكسل الفكري والسياسي، والخوف من مواجهة الذات، والعجز عن إيجاد حلول. نستطيع ان نداوم تكرار التحليل الذي يقول ان جذور الارهاب الاصولي تعود الى ما قامت به اميركا من تصنيع لما سُمّي بالمجاهدين الافغان خلال حربها ضد الاتحاد السوفياتي، ثم غزوها العراق وما افرزه من جماعات، وسوى ذلك كثير. بيد ان ذلك كله لن يحمي بلداننا من التدمير الحاصل فيها ان لم تنهض النخب الحاكمة، والنخب المثقفة، ومنظمات المجتمع المدني، وتيارات الاعتدال، وكل من يخشى على مستقبل هذه البلدان، لتحمل جزء من المسؤولية في مواجهة الارهاب «الداعشي» وكل ما له علاقة به.
وترتبط بذلك كله إنعكاسات الارهاب «الداعشي» المتوحش على الجاليات العربية والمسلمة في العالم، وعلى صورة الاسلام كدين والمسلمين كمجموعة بشرية صارت تُختزل بصورة الارهاب بسبب وطأة وبشاعة الجرائم المتتالية المنسوبة الى الدين والمنتسبين اليه. وهذا الامر بحد ذاته يحتاج الى توقف ونقاش منفصل، لكن يكفي القول هنا ان العنصرية التي يواجهها عرب ومسلمو الغرب ناتجة أيضاً عن سياسات التهميش الغربية الطويلة المدى التي لم تسهل عملية الادماج التدريجي لهذه الجاليات، وهي ناتجة ايضاً عن سياسات التهميش الذاتي التي اتبعتها الشرائح الاعرض من تلك الجاليات وعزلت نفسها بنفسها عن التيار العريض للمجتمعات الغربية، بدعوى المحافظة على الخصوصية الثقافية والتقاليد والدين وسوى ذلك. والخلاصة ان هذا التهميش المزدوج انتج مناخاً جاهزاً لاستقبال مزاج يميني كاره للأجانب واللاجئين، بخاصة عندما يسعره ارهاب «داعش» واخواته، ويتلقف ذلك كله إعلام شعبوي لا يعتاش إلا على الإثارة والتضخيم وخلق الاعداء.