العدد 18 - • انسانيات: 1. ميخائيل نعيمه: المذاهب والمتمذهبون
• انسانيات: 1. ميخائيل نعيمه: المذاهب والمتمذهبون

"انتم من هذا العالم في بقعة صغيرة جرفت اليها الايام منذ القدم – وما تزال تجرف – كل ما اسود من رغبات القلب البشري وما ابيض ، وكل ما دب على الارض من افكار الناس، وخلق في الجو من اشواقهم فكم غاز غزاها فتملكته وما تملكها؟ وكم فاتح جاءها فطوته من قبل ان يحظى بمفتاحها. وكم من نبي شع نوره من جبينها. ورسول اذاع الحق بلسانها. فكأن القدرة التي جعلتها من الارض قلبها، ومن السماء قارورة طيبها، وما كونتها كذلك الا لتكون فتنة للغزاة والفاتحين، لعل ارواحهم تتضمخ بطيب روحها، وقلوبهم تتجمل بجمال قلبها. ولعلهم اذ ذاك يدركون ان السيف مفتاح الجحيم وليس مفتاح الجنة، وانها المدفع نذير الفناء لا بوق البقاء... هي بقعة قل ذهبها وكثرت مذاهبها. هذه البقعة التي تدعونها بلادكم.

هذه البقعة يكثر فيها اشباه العقلاء وما هم بالعقلاء... وهم يقولون ان المال سؤدد وسلطان، وقلة المال شقاء وخذلان. وهم لا يعرفون من الغنى غير الغنى بالفلس والدنيا، ولا من الفقر الا الفقر الى الدار والعقار . اما ان تكون لهم مذاهب تعلمهم ان الغنى بالشيء هو الاستغناء عنه، وان مكمن القوة في الفكر والخيال لا في الظهر والعضل، فكل ذلك عندهم هراء في هراء.

وهناك اشباه الحكماء يرون كثرة المذاهب كارثة فيلومون السماء التي جعلت هذه الارض منبتاً لشتى المذاهب حتى جعلتها منبتا للشقاء والنصال ومعقلا للخصام والنضال فتفرقت كلمتها ولانت شكيمتها ، وهانت قيمتها، فكانت موطئا لاقدام الفاتحين، والعوبة في ايدي الطامعين. وهؤلاء واثقون ومؤمنون بان جراثيم الشقاق والنزاع انما هي في المذاهب عينها لا في جهل المتمذهبين بها وهم عن فهمها قاصرون.

وهناك اشباه المصلحين الذين يرتأون توحيد المذاهب لاعتقادهم ان الناس اذا ما توحدت مذاهبهم توحدت قلبوهم وافكارهم،فجلت عنهم جيوش التعصب والضغينة وحلت محلها اجناد الوئام والسلام، وهم في ما يسعون اليه واهمون لان الله لو شاء ذلك لفعله من زمان.

واخيرا هناك اشباه المرشدين القائلون بنبذ التعصب وهم من المتعصبين، والكارزون بالتساهل وليسوا من المتساهلين، ولهم في ذلك شعار يكثرون من ترديده وهو "الدين لله والوطن للجميع." وكانوا "اصدق نطقاً" وابعد تأثيراً. لو انهم قالوا: "الوطن لله والله للجميع".
الا فتشوا مذاهبكم باخلاص تجدوا فيها السلام الذي اليه تطمحون والطمأنينة التي بها تحلمون او الحرية التي باسمها تترنمون."

(من كتاب البيادر، صفحة 16 – 25 - مقتطفات)
هناك اشباه الحكماء يرون كثرة المذاهب كارثة فيلومون السماء التي جعلت هذه الارض منبتاً لشتى المذاهب حتى جعلتها منبتا للشقاء والنصال ومعقلا للخصام والنضال فتفرقت كلمتها ولانت شكيمتها ، وهانت قيمتها، فكانت موطئا لاقدام الفاتحين، والعوبة في ايدي الطامعين.

هناك اشباه المرشدين القائلون بنبذ التعصب وهم من المتعصبين، والكارزون بالتساهل وليسوا من المتساهلين، ولهم في ذلك شعار يكثرون من ترديده وهو "الدين لله والوطن للجميع." وكانوا "اصدق نطقاً" وابعد تأثيراً. لو انهم قالوا: "الوطن لله والله للجميع".