العدد 41 - الهدم والبناء
الهدم والبناء
 منذ كان الانسان وهو يبني بيد ويهدم بيد، وحتى اليوم ما هدم فاستراح من البناء ، ولا بنى فاستراح من الهدم: فلا بناؤه يثبت، ولا هدمه يدوم. ويا ليته كان في مستطاعي او مستطاع اي انسان ان يحصي لكم كل ما بناه الانسان من مدن وحصون وقرى، قبل التاريخ ، وبعده، وكل ما شاده من حضارات، وشيده من ممالك. وكل ما خلفه من آلهة واديان، وابتدعه من علوم وفنون، وكل ما استنبطه من فلسفات ومعتقدات وشرائع واوضاع، ثم انقلب عليها او انقلبت عليه، اذن لأيقنتم ان مدنية تعيشون في ظلها الان ليست سوى بنيان متداع شيّد على انقاض مدنيات تداعت وانهارت من زمان، وان لا بد لهذا البنيان من الانهيار. فالاسس التي شيّد عليها ليست بأثبت من اسس اسلافه، ويا لهول ساعة الانهيار.
انها ساعة قد تدوم قرناً وقد تدوم دهراً، ولكنها لن تنقضي قبل ان تنقضي على اوهام الانسان بأن في قدرته ان يبني ما يدوم مما لا يدوم، وما يثبت مما لا ثبوت له، وان يجني من البغضاء محبة، ويستنظر من شفرة السيف سلاماً، وان يسعد بشفاء غيره، وان يلجأ من الموت الى ملاجئ يحفرها في التراب بالرفش والمعول، وان ينعتق من عبوديته لجاره قبل انعتاقه من عبوديته لنفسه.
لقد قام الناس اليوم، عن رضى وغير رضى، عن وعي، وعن غير وعي، يهدمون بعنف لا مثيل له في التاريخ ما انفقوا الاجيال الطوال في بنيانه وتحصينه، وتهيم ارواحهم من جحيم الى جحيم نادبة ما كان، حانقة على القدر، مخبولة بحب الانتقام، والاخذ بالثأر. فيا ويل النادبين اذ ماذا عساهم يندبون؟
ايندبون معاهد أقاموها للعلم فكانت اعشاشاً للجهل؟
ام يندبون قصوراً شيدوها للعدل، وها هو ذا العدل لا يزال تائهاً في الفيافي والقفار.
ام يندبون الحرية ، وها هي الحرية ما تنفك تقرع قلوبهم وليس من يفتح لها الباب. فقلوب الناس مرصوفة بحب الاثرة والمجد الباطل والاستسلام لكل اصناف من المخاوف والشهوات؟
ام يندبون السلم والرخاء، وهم حتى الساعة ما عرفوا طعم السلم الصحيح، لا في قلوبهم ولا في افكارهم؟
ويا ويل اولي النقمة والثورة اذ ممن عساهم ينتقمون، وممن يثأرون الا من انفسهم؟ أحبلت النقمة بغير النقمة؟ ام ولد الثأر الا من الثأر؟