نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 86

الخميس 30 أيار 2024

غاز شرق المتوسط

دراسة اقتصادية

وليد خدوري

انطلقت مرحلة الاستكشافات والانتاج الغازي في شرق المتوسط في مياه البحر الابيض المتوسط في مصر خلال الربع الاخير للقرن العشرين. وكان السبب الرئيسي حاجة مصر الى وقود اخر يدعم النفط، اذ ان انتاج النفط كان ولا يزال أقل من الاستهلاك الداخلي.

واجهت مصر في اوائل الثمانينات أزمة توجب حلها. اذ ان انتاج النفط المصري كان، ولا يزال، أقل من الطلب المحلي على النفط. اذ تراوح انتاج النفط في مصر حوالي 700,000 برميل يوميا تقريبا، بينما كان ولا يزال الاستهلاك حوالي 800 ألف برميل يومياتقريبا. من ثم الحاجة المستمرة لاستيراد النفط.

اقترحت السلطات البترولية المصرية، ووافقت الحكومة، في اوائل الثمانينات، اعتبار الاكتشاف الغازي ، بمثابة قيمة الاكتشاف النفطي وتعويض الشركات على هذا الاساس. فقد كان يتم اغلاق فوهة البئر الغازي حتى اواخر السبعينات لعدم توفر اقتصاديات الغاز في مصرحتى اواخر عقد السبعينات .

من ناحية اخرى، تأخر انطلاق الصناعة الغازية الشرق اوسطية لعدة اسباب جيواستراتيجية:

- الصراع العربي الاسرائيلي وما رافقه من مقاطعة عربية على الشركات البترولية التي تعمل في اسرائيل.

-

- نشوب الحروب في الاراضي المحاذية لشرق المتوسط تقريبا مرة كل عقد من الزمن خلال النصف الثاني من القرن العشرين، الأمر الذي لم يشجع الشركات العالمية الاستثمار في المنطقة، بالذات لتوفر فرص بترولية واعدة كثيرة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، ناهيك عن مناطق موعودة في انحاء اخرى من العالم.

-

- تبنت معظم الدول الغربية طيلة مدة هذا الصراع مواقفا سياسية معادية للعرب رغم اعتمادهم على نفوط الشرق الاوسط . وتبين هذا الخلاف خلال حرب اكتوبر 1973، عندما زودت الولايات المتحدة ودولا غربية اخرى اسرائيل بالسلاح أثناء الحرب ، كما هو الحال في معركة غزة مؤخرا.

-

تبني السياسة الخارجية التركية منذ عقد السبعينات استراتيجية مواجهة مع زميلتها العضو في حلف الاطلسي، اليونان ، وجارتها جمهورية قبرص التي بادرت أنقرة الى احتلال الجزء الشمالي من الجمهورية في نزاع عام 1974.

أدى الصراع التركي- اليوناني/القبرصي الى اضافة نزاع اخر في شرق المتوسط. وساعد هذا النزاع في اثارة خلافا داخل الحلف الاطلسي لكونه صراعا ما بين عضوين في الحلف العسكري الغربي. وصراعا مع قبرص الدولة العضو في الاتحاد الاوروبي.

ساعد الخلاف التركي-اليوناني الى اشعال واستمرارية النزعة التركية المتشددة وغريمتها النزعة اليونانية، حيث تركت بصمات هاتين النزعتين بصماتهما في النزاعات ما بين الطرفين حول الحدود البحرية، الخلاف الموروث منذ فترة الخلافة العثمانية. وكذلك الخلاف السيادي حول بعض الجزر الصغيرة ما بين الدولتين. وقد امتدت هذه الخلافات مؤخرا للجزء الشمالي الشرقي من ليبيا وحتى الساحل الشمالي الغربي لمصر ، مما زاد من الخلافات ما بين الدولتين الكبريين في شرق المتوسط.

يتوجب الاشارة هنا، ان تجارة الغاز العالمية كانت لا تزال محدودة حتى عقد السبعينات. فقد كانت الدول الكبرى (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ) يعتمدان اساسا على الانتاج الغازي المحلي وشبكات الغاز المحلية. اما اوروبا، فقد اتفقت في منتصف الثمانينات مع الاتحاد السوفياتي على استيراد الغاز بالانابيب الطويلة المدى من حقول غرب سيبريا. واليابان استوردت الغاز المسال من اندونيسيا، ثم مع استنزاف الحقول الاندونيسية ، بدأت تستورد الغاز المسال من ابوظبي ثم "حقل الشمال" القطري. وشكل تصدير الغاز المسال الجزائري من مصنع في غرب الجزائر الى السوق البريطانية في منتصف الستينات ، بعيد الاستقلال، اولى شحنات لتصدير الغاز المسال عالميا . وقد بادرت السعودية منذ اوائل الربع الاخير للقرن العشرين تبني سياسة تجميع الغاز المصاحب.

تشجعت الشركات العاملة في مصر، على ضوء تساوي التعامل في القيمة ما بين اكتشاف الغاز والنفط الى التركيز اكثر من ذي قبل على اكتشاف الغاز. وبالفعل تم العثور في باديء الأمر على حقول غازية في "دلتا النيل". ثم تم الاهتمام بالاستكشاف في مياه البحر الابيض المتوسط، بالاضافة الى خليج السويس ، الصحراء الشرقية ، الصحراء الغربية، ودلتا النيل . الا انه اصبح واضحا بعد دراسات جيولوجية واكتشافات ضخمة من قبل الشركات البترولية الكبرى، ان المنطقة الغازية الموعودة هي المنطقة البحرية في البحر الابيض المتوسط ، شمال الاسكندرية وبور سعيد.

كانت الاكتشافات الاولية في البحر الابيض مشجعة. لكن استمرت تواجه مصر المشكلة المزمنة : الازدياد السريع والعالي للطاقة (نفط وغاز) . ومن ثم، بادرت مصر استعمال الواح الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

بادرت "هيئة المسح الجيولوجي الامريكية" ، التابعة لوزارة الداخلية الامريكية في نهاية القرن العشرين ، القيام بدراسة عالمية حول الاحواض البترولية الموعودة في العالم، والتي يمكن ان توفر احتياطات بترولية (نفط وغاز) اضافية .

 قامت هذه الدراسة على مراجعة جيولوجية المناطق المعنية والدراسات الجيولوجية المنشورة . وشملت الدراسة ، ما سمته "حوض ليفانت" وهو يشمل المنطقة البحرية المحاذية لساحل شرق المتوسط من صحراء النقب الى شمال سوريا.

كما اعتبرت الدراسة ان "حوض ليفانت" محاطا من الجنوب والجنوب الغربي ب "طبقة دلتا النيل"

وشمالا، " فالق طرطوس"

قدرت الدراسة ان حجم "حوض ليفانت" يبلغ تقريبا 83 ألف كيلومتر مربع.

كما قدرت الدراسة ان المعدل المحتمل للاحتياطي النفطي الممكن استخراجه يتراوح ما بين 483 الى 3,759 مليار برميل من النفط الخام و ما بين 50,087 الى 227,430 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

أثار التقرير اهتماما ملحوظا في دول شرق المتوسط، حيث كانت بعضها بصدد تشريع قوانين بترولية ومناقشتها في البرلمانات، لبنان وقبرص، والبعض بادر بتشييد شبكة وطنية للغاز للاستفادة من الاكتشافات التي تم تحقيها، اولا مصر ومن ثم اسرائيل. والبعض الاخر بادر بالاتصال مع الشركات الدولية ، اسرائيل والسلطة الفلسطينية وتركيا للمساعدة في المسح السزمي. اما مصر ، فقد كانت في مرحلة متقدمة عندئذ، اذ كانت تشيد شبكة داخلية للغاز.

تبنت مصر في الر بع الاخير من القرن العشرين برنامجا على مدى عدة عقود لتغذية محطات الكهرباء بالغاز ، وكذلك مصانع الحديد والصلب والبتروكيماويات ، بالاضافة الى امداد شبكات الغاز الى بعض ضواحي القاهرة والاسكندرية. من ثم الحاجة الماسة لزيادة الاعلان عن مناقصات الاستكشاف. لزيادة الاحتياطي الغازي لمؤامة ازدياد الاستهلاك الغازي.

وكانت الفرصة الكبرى اكتشاف حقل "زهر" في شهر اب (اغسطس) 2015 بالقرب من الحدود الشمالية للمنطقة الاقتصادية الخالصة المحاذية للحدود الجنوبية البحرية القبرصية. (انظر الخريطة).

حقل زهر

اكتشفت شركة "ايني" في عام 2015 حقل "زهر" باحتياطي غازي مقداره 30 ترليون قدم مكعب، مما شكل أضخم حقل غازي في مصر، بل وفي البحر الابيض المتوسط.

وصفت "ايني" أهمية الاكتشاف العملاق في حينه، كالاتي:

"يستطيع حقل زهر تلبية الطلب الداخلي للغاز في مصر لعقود مقبلة. وفي نفس الوقت يمنح الفرصة لمصر في تشييد البنى التحتية لتصبح مركزا اقليميا مهما لصناعة الغاز المسال، القطاع البترولي المتزايد الأهمية لتأمين امدادات الطاقة. من ثم، ومن خلال هذا المشروع تستطيع مصر التأكيد على دورها الرئيسي ، ليس فقط لشركة ايني، اذ لعبت مصر دورا استراتيجيا للشركة منذ تأسيسها، ولكن ايضا لتأمين الامدادات لصناعة الطاقة العالمية".

تم تطوير حقل "زهر" في وقت قياسي، اذ بدأ الانتاج في عام 2017، بعد سنتين من الاكتشاف.

تم التخطيط والعمل لكي يصبح حقل "زهر" عماد الحقول المصرية الغازية. لكن، كان من المتوقع ايضا اكتشاف حقول عملاقة اخرى في المستقبل المنظور لتحقيق استدامة التوازن ما بين الاستهلاك المتزايد سنويا والانتاج الغازي.

بدأت تصدر معلومات مؤخرا (اوائل عقد العشرينيات) عن انخفاض احتياطي وانتاج "زهر".

تدل المعلومات الاخيرة عن انخفاض انتاج "ايني" الغازي في مصر الى 1.2 مليار قدم مكعب يوميا في الربع الاول لعام 2023 .

وقد تم تخفيض الطاقة الانتاجية لحقل "زهر" الى 1.9 ثم مؤخرا 1.2 مليار قدم مكعب يوميا مقابل الطاقة الانتاجية السابقة 3.2 مليار قدم مكعب يوميا .

على ضوء هذه التطورات المهمة، بدأت "ايني" تعطي اولوية لتطوير وربط حقولها القبرصية.

لكن في نفس الوقت، بدأت تدل نتائج شركة "شل" في حفر اول ثلاث ابار في حقل "خوفو" البحري المصري ، امكانية هذا الحقل الجديد تعويض انخفاض الاحتياطي في "زهر" بحلول عام 2024. ويتوقع، انه حتى في حال كون نتائج حقل "خوفو" متواضعة، اذ ان الارقام النهائية غير متوفرة حتى حفر ستة ابار متفق عليها، فان لدى "شل" حقول قريبة يمكن ربطها وتطويرها بسرعة بحيث تزيد انتاجها مع حقل "خوفو"، مما سيزود مصر بطاقة اضافية مهمة خلال عام 2024.

***جميع هذه المعلومات من نشرة "ميس" للاخبار الاسبوعية، بالذات لتطورات حقل "زهر" والسنوية والفصلية لدول شرق المتوسط "هيئة المسح الجيولوجي الامريكية".

تبؤات مصر بعد اكتشاف "زهر" المنزلة الاولى لأحتياطات الغاز في دول شرق المتوسط، وذلك بارتفاع الاحتياطي الغازي في 2022 الى 63.30 ترليون قدم مكعب.

الاكتشافات الغازية في اسرائيل

تبعت اسرائيل مصر مباشرة في الاستكشاف البحري في شرق المتوسط، واكتشفت الحقول الاولى في المنطقة الجنوبية للمياه الاسرائيلية، بالقرب من مياه غزة وعسقلان واشدود.

وكان من اول الحقول المكتشفة حقل "ماري-ب" الذي لعب دورا مهما في بداية مرحلة انتقال اسرائيل الى الغاز، بحيث أخذ يغذي عددا كبيرا من محطات الكهرباء ، وتشير أحدث المعلومات أن احتياطيات "ماري-ب" قد استنزفت تقريبا.

اعتمدت اسرائيل منذ منتصف الثمانينات على سياسة استكشافية مختلفة في مناطقها البحرية الشمالية، عن تلك في الجنوب، فاعتمدت على اعطاء دور مهم لشركات عالمية، مثل شركة "نوبل" الامريكية ، بالشراكة مع شركات بترولية اسرائيلية (ديليك) وغيرها.

استطاعت "نوبل" اكتشاف حقلين ضخمين "لفيتان" و"تامار"في المياه المواجهة "حيفا" ، مما رفع الاحتياطي الغازي الاسرائيلي الى 6.22 ترليون قدم مكعب ، الأمر الذي يدل على التفوق الكبير لاحتياطات مصر على الاحتياطي الاسرائيلي، بل ايضا تفوق حجم الاحتياطي المصري على مجمل بقية الاحتياطات في دول شرق المتوسط.

لكن ، طبعا، تكمن مشكلة مصر، في الزيادة السنوية لعدد سكانها (نحو 112 مليون نسمة) ولاعتمادها المتزايد ايضا في استهلاك الغاز محليا . تشكل هذه المعظلة التواجب على مصر التوازن ما بين الحاجة لتلبية الطلب المحلي والتصدير مع المعدل الانتاجي السنوي.

طورت اسرائيل صناعتها الغازية في مجالات عدة. فقد حولت الاغلبية الساحقة من محطاتها الكهربائية الى التغذية بالغاز ، باستثناء محطة "اشكول" الاكبر في البلاد، حيث لا تزال تحرق الفحم، لأسباب أمنية، في حال حصول عطب او تهديد للشبكة. كما تستعمل اسرائيل حاليا الغاز لتغذية جميع محطات تحلية المياه.

طرأ تغيير سريع ومفاجيء في اسرائيل بعد اكتشاف الحقول الضخمة في المياه الشمالية مقابل "حيفا".

اذ انصب الاهتمام الاسرائيلي في باديء الأمر الى التصدير للسوق الاوروبية عبر الانابيب البحرية الطويلة المدى . ورغم ان المسؤولين الاسرائيليين لا زالوا يتفاوضون مع المسؤولين الاوروبيين والاتراك لمد الانابيب البحرية، الا ان هذه المفاوضات لا تزال عالقة بعد عقد من الزمن دون نتائج ملموسة.

وأصدرت اسرائيل خريطة للبلوكات التي ستعرضها لاستثمار الشركات الدولية. ومما يلفت النظر ان قطع 1، 2، 3 في اقصى الشمال تتتجاوز على البلوكات اللبنانية الموعودة والمطروح بعضها للشركات الدولية ، قطع 8، 9، 10. طبعا أدى هذا التجاوز على البلوكات اللبنانية الى التأخير في الاستثمار في البلوكات اللبنانية الموعودة، بالذات بلوك 9. ولكن يتضح ان الاتفاقية اللبنانية-الاسرائيلية الحدودية التي تفاوضت وتوسطة الولايات المتحدة مع الطرفين حولها أدت، فيما أدت اليه، الى تغيير حدود البلوكات الاسرائيلية، بحيث لا تتجاوز على الحدود اللبنانية.

"التطبيع" مع الدول العربية

كانت الفرصة سانحة للوصول الى "التطبيع" المنشود امريكيا واسرائيليا. فمصر بحاجة ماسة لحل مشكلتها المزمنة بتأمين امدادات الطاقة اللازمة للسوق المحلي، من ثم،فان الامدادات الاسرائيلية التي تصدر الى مصر نحو مليارقدم مكعب يوميا من حقل "تامار" تستعمل للتصدير بعد نكريرها الى "غاز مسال" عوضا عن امدادات مصرية التي تبقى للسوق المحلي. وبالنسبة للاردن، فكانت تستورد النفط الخام من العراق في العهد السابق بحسومات عالية جدا . والان بدلا من استعمال "الفيول اويل" باسعار السوق العالية اخذت تستعمل الغاز من اسرائيل (الذي يكلف أقل من اسعار "الفيول اويل" وأنظف بيئيا لتغذية محطات الكهرباء الاردنية.

في نفس الوقت، استطاعت اسرائيل تأمين سوقين اقليميين لغازها بتكاليف غير باهظة ،خطوط انابيب قصيرة المدى، بدلا من التصدير عبر شبكة انابيب الى اوروبا تكلف مليارات الدولارات.

من الملفت للنظر، ان اسرائيل لم تبادر لحد الان الولوج في صناعة تسييل الغاز، لأسباب متعددة، الحذر من تشييد الخزانات على الساحل بالقرب من مدن صناعية (حيفا)، خوفا من امكانية تفجيرها،اذ ان ميناء حيفا هو مركز تفريغ معظم الامدادات الغازية من الحقول الشمالية البحرية.

ويتوقع ان تستمر المشاريع الداخلية والتصديرية الاسرائيلية على نمطها الحالي، استعمال الغاز في محطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه، بالاضافة الى التصدير لمصر والاردن ، وذلك لاستغلال معظم الطاقات الانتاجية المتوفرة حاليا . وطبعا ممكن ان يتغير هذا الامر، في حال تحقيق اكتشافات ضخمة جديدة . وتدل الامدادات من الحقل الجديد "كاريش" والحقلين االصغيرين المجاورين له في اقصى المياه الشمالية ، انه قد تم ارسل الانتاج عبر خط انابيب قصير المدى الى "حيفا"، بدلا من تصديرها.

ونظرا، للخلافات الحادة ما بين الاحزاب في الكنيست، حاولت البعض منها النيل من الحكومة والشركات العاملة ، بطرح مطالب شعبوية برفض مطالب الشركات الاجنبية تعديل الاتفاقات لكي تستطيع الشركات تصدير كميات غازية اكبر . كما رفض الكنيست مطالب الشركات بزيادة اسعار الغاز المحلية. وقد أضربت الشركات لفترة قصيرة مهددة بالانسحاب، الا انها تراجعت عن ذلك بعد تحقيق معظم مطالبها.

حقل غزة مارين

اكتشفت شركة "بريتش غاز" حقل "غزة مارين" في بحر غزة عام 1999. يتألف الاستكشاف من حقلين "غزة مارين ا" و"غزة مارين ب" باحتياطي مقاره 1.5 ترليون قدم مكعب. ويقدر ان هذا الاحتياطي كافيا لاستهلاك غزة على مدى عقد ونصف العقد من الزمن، ولكن يعتبر حجم الاحتياطي ضئيلا جدا لاغراض تصديرية.

يتوقع ان يشكل حقل "غزة مارين" اولوية في المفوضات حول غزة في فترة ما بعد الحرب. ورغم صغر حجم احتياطي الحقل، الا انه يعتبر مصدرا اقتصاديا مهما للقطاع،وذلك في ضوء العدد القليل من المصادر الاقتصادية الاخرى المتوفرة لغزة كالصادرات الزراعية .

واجه تطوير حقل "غزة مارين" الذي تم اكتشافه في عام 1999، تحديات عدة. فبحسب القسم الاقتصادي من اتفاقية "اوسلو" بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، تتولى سلطة "المصادر الطبيعية" للسلطة الفلسطينية في رام الله مسؤولية اختيار وتحديد الشركات البترولية المسؤولة عن الاكتشاف، التطوير والانتاج في بحر غزة، الا انه تكمن لدى اسرائيل المسؤولية الامنية على بحر غزة.

وقد اختارت السلطة في رام الله شركة "بريتش غاز" بالتعاون مع شركة "اتحاد المقاولين" الفلسطينية والمسجلة في اثينا لمسؤولية الاكتشاف. وقد تم اختيار الشركتين في عام 1999، واكتشف الحقل في العام التالي ، حيث تم الاحتفال بتدشين الحقل من قبل الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس شركة "بريتش غاز".

الا ان الحقل واجه صعوبات وتحديات عدة. فقد فرضت الحكومات الاسرائيلية صعوبات تعجيزية عدة لايقاف او تطوير الحقل. مثلا:

 فرض الحصار على الملاحة في بحر غزة، مما منع تطوير الحقل. ومن ثم القرار الحكومي لاستقطاع كميات من امدادات الغاز المتجهة من الحقل لمصفاة غزة بتسليم الغاز لكونسورتيوم تم تشكيله من الشركات الاسرائيلية البترولية الصغيرة هدفه تسويق الغاز المستقطع في السوق الاسرائيلي، الامر الذي تم رفضه من الجانب الفلسطيني والشركة المطورة للحقل "بريتش غاز" وشريكتها شركة "اتحاد المقاولين" لأن طلب استقطاع غاز من حقل غزة للسوق الاسرائيلية أمر غير وارد في اتفاقية اوسلو. من ثم، انسحبت "بريش غاز" من المشروع.

اشترت شركة "شل" اصول شركة "بريتش غاز" العالمية، ومنها "غزة مارين" . وبعد فترة من سلسلة حواجز فرضتها السلطات الاسرائيلية، مثل ضرورة فتح حساب خاص تحت اشراف السلطة الاسرائيلية لوضع الريع الغازي فيه، وعدم امكانية التصرف به دون الحصول على الموافقة الاسرائيلية، توقف العمل وقررت "شل" الانسحاب. فالاستثمار في حقل "غزة مارين" صغير جدا لشركة عملاقة، وامكانية العمل صعبة جدا.

على اثره، اختارت "سلطة المصادر الفلسطينية " في رام الله شركة مصرية عامة متخصصة بتطوير الحقول وشركة "اتحاد المقاولين" لتطوير الحقل في حزيران(يونيو) 2023 لكن نشوب معركة غزة في اوائل شهر تشرين الأول (اكتوبر) 2023 منع العمل حتى الان، ناهيك عن استمرار قرار فرض الحصار الاسرائيلي على بحر غزة، مما أدى الى عدم البدء بالعمل.

اجتمع خلال النصف الاول من عام 2023، قبيل معركة غزة، وفد عالي المستوى من السوق الاوروبية المشتركة مع السلطات البترولية في مصر، اسرائيل والسلطة الفلسطينية- كل على انفراد . لم تتضح الصورة تماما فيما اذا تم التوصل الى تفاهم لتصدير الغاز الى السوق الاوروبية (بعد الحصار الذي فرضته الاقطار الاوروبية على البترول الروسي ، بالذات بصورة مشتركة. ولم نسمع عن اي تطورات حول هذا الامر، خصوصا مع نشوب معركة غزة.

من المعروف ان هناك استعدادا لدى الجزائر وقطر زيادة كمياتهما من الصادرات الغازية الى اوروبا، بعد المقاطعة الاوروبية لروسيا اثر حرب اوكرانيا.

صدر بيان اعلامي عن مكتب رئيس الوزراء نتينياهو ،قبيل نشوب حرب غزة ،يعلن فيه عن الموافقة على اختيار الشركتين المصرية والفلسطينية المشار اليهما اعلاه، مما اثار البلبلة حول دور الحكومة الاسرائيلية فعلا في تطوير الحقل.

أثار اعلان مكتب نتينياهو قبيل الحرب الاشاعات واللغط حول دور حقل "غزة مارين" في حرب غزة". الا ان التطورات منذ اندلاع الحرب لاتشير الى دور للحقل في الحرب.

من ثم، يبقى مصير الحقل الغازي الوحيد في فلسطين معلقا الى ان يتبين مصير قطاع غزة بعد الحرب. ويتوجب الذكر، ان الخلافات حول الحقل لا تقتصر على تلك بين السلطة الفلسطينية واسرائيل،

اذ ان الخلافات حول الحقل هي جزء من الخلافات ما بين حركة "فتح" و "حماس"، الأمر الذي سيتوجب التوصل الى حل له، مع بقية الخلافات حول غزة.

الاستنتاجات

من الواضح، ان محور تطورات غاز شرق المتوسط، تركز على دول ثلاث: مصر، حيث الاهتمام بالتوسع في استعمال الغاز محليا.

تركيا، التي حاولت الدمج ما بين سياستها الغازية والتاكيد على مصالحها وسياساتها في البحر المتوسط ومحاولة الاستثمار في المياه المجاورة للمنطقة المحتلة لقبرص ، ناهيك عن اثارة الخلافات السياسية الموروثة منذ عهد السلطنة في المناطق الغربية، حول الجزر الواقعة بينها وبين اليونان، وجنوبا الى ليبيا والحدود المصرية -الليبية. وقد أخفقت تركيا لحد الان في النجاح بسياساتها هذه. لكنها في نفس الوقت، فقد أخفقت أنقرة في اكتشاف حقل واحد في شرق المتوسط.

 وبدلا عن ذلك، ركزت على الاستكشاف في مياه البحر الاسود. ورغم ان تركيا تستورد الغاز من ايران عبر خط انابيب يمتد بين البلدين، فتعتمد تركيا ايضا واساسا على استيراد الغاز المسال لمحطة لتسييل الغاز مطلة على البحر الاسود، وتعمل على توسيعها. ويتم استيراد الغاز المسال من شركة "سونتراك " الجزائرية، ونيجيريا. كما اكتشفت تركيا حقلا غازيا ضخما في المياه التركية غرب البحر الاسود، ويتوقع ان تلعب امدادات هذا الحقل الجديد دورا مهما في دعم صناعة الغاز التركية.

تعمل تركيا على دعم دورها "بلد ترانزيت"للغاز بين الدول المطلة على بحر قزوين من جهة واوربا من جهة اخرى، بالاضافة الى بلد ترانزيت للغاز بين روسيا واوروبا عبر شبكات انابيب الترانزيت. كما هناك مفاوضات تجري منذ سنوات حول امكانية تصدير الغاز من اقليم كردستان العراق الى اوروبا، لكن دون اتفاق نهائي حتى الان.

سيتوجب الانتظار الى ان تتضح الصورة في غزة بعد المعركة، نظرا لأهمية الحقل الاقتصادية لغزة او للدولة الفلسطينية في حال تأسيسها.

ما هي بعض التجارب الممكن استتناجها حول صناعة غاز شرق المتوسط:

ضرورة أعطاء الأهمية اللازمة لتغذية الاسواق المحلية بالغاز المحلي. هناك مجالا واسعا للاستفادة من الغاز في تقليص التلوث المحلي، كما هناك حاجة ماسة لوضع حد للانقطاعات الكهربائية والخسارات الاقتصادية للصناعات المحلية ، ناهيك عن الاضرار الناجمة في اعتماد مدن كبرى في شرق المتوسط تعتمد على المولدات الحارقة للفيول اويل، وما تؤدي الى تلوث سرطاني للسكان.

ان التعاون الاقليمي بين دول المنطقة قد يكون ذات فائدة اكبر من مد الانابيب الطويلة المدى الى اوروبا.

تشير تجربة غاز شرق المتوسط ، ان تجربة "التطبيع الغازي" المفروضة، قد برهنت على اختلال اولوياتها. فالتطبيع مع اسرائيل يتوجب ان يتم من خلال التوصل الى حلول طويلة المدى ومعترف بها من قبل دول العالم، بالذات الدول الكبرى، ناهيك عن تأسيس الدولة الفلسطينية ومنح الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير.

وقبل ذلك ، وكما تبين في معركة غزة، انه لا يمكن احلال سلام دائم دون التعامل مع الفلسطينيين كشعب له حقوقه يتوجب اخذها بنظر الاعتبار .

 فحروب اوكرانيا وغزة في وقت واحد قد برهنت دون اي شك، وبالذات في عقر العواصم والجامعات الغربية الكبرى، انه لا يمكن الاستمرار لقرن اخر في هذا النزاع دون دفع اثمان باهظة، بالذات مع الاستعمال الواسع للاسلحة الفاتكة. فاستمرار الصراع العربي-الاسرائيلي دون نتائج ايجابية حاسمة للطرفين سيبقي على هذا النزاع وحروبه، ومن ثم "قصر النظر" و"اخفاق" سياسة "التطبيع" ، دون اعطاء حق تقرير المصير للفلسطينيين وتشييد الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية، شرق القدس وقطاع غزة .

وهنا لا بد الاشارة، ان الخلاف المستدام ما بين الدول العربية نفسها في التعامل مع القضية الفلسطينية منذ عام 1948 حتى اليوم،والخلافات ما بين الجماعات الفلسطينية، ومحاولة ايران لاستعمال الصراع مع اسرائيل لتوسيع نفوذها في المنطقة، وطبعا تطرف الحركة الصهيونية والنكبات على الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 حتى 2024 ما الا اوجه اخرى من استمرارية هذا الصراع.

فبدون تقريب وجهات النظر العربية سنبقى مهرولين في حلقة مفرغة.

اخيرا، يتوجب على الدول الغازية المنتجة في شرق المتوسط ان تولي اولوية لامكانية استهلاك الغاز محليا.

اذ ان سوء ادارة بعض دول المنطقة، وحتى غيرها من الدول المجاورة، تجد نفسها حاليا ضائعة بين نظامين للكهرباء: احدهما حكومي ، والثاني غير رسمي وفوضوي تديره المافيات. فانتشار الكهرباء فوضويا وغير رسميا قد أدى الى انتشار المولدات الكهربائية التي تحرق الفيول اويل. وتشير الدراسات العلمية المختصة بهذا الموضوع، ان فوضوية الكهرباء هذه ، ما هي الا ابادة جماعية للمواطنين لما تبثه هذه المولدات من انبعاثات كربونية، هذا ناهيك عن الفوضى في قطاع السيارات والمركبات التي لا يزال بعضها يستعمل الديزل في شوارع المدن المكتظة بالسكان والمركبات. من ثم، يتوجب دراسة امكانية استهلاك الغاز محليا، نظرا لانبعاثاته الكربونية المنخفضة، وبرغم الريع المالي الممكن الحصول عليه من التصدير، فأهمية وضرورة الاهتمام بالاثار البئيئية الايجابية للغاز هو امر ضروري في ظل الفوضى السياسية والاجتماعية في عدد من دول المنطقة.


الكاتب

وليد خدوري

مقالات أخرى للكاتب

العدد 63

الجمعة 01 تموز 2022

تدهور الطاقة في لبنان

وليد خدوري


يوما بعد يوم، يعاني لبنان من تدهور فاضح في قطاع الطاقة. ويأتي الجواب عادة في بيانات ترقيعية تتجاهل الواقع المر للبلاد.

العدد 60

الثلاثاء 29 آذار 2022

الاهداف المتوقعة والنتائج المترتبة على خطر النفط الروسي

وليد خدوري


أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن، إثر الغزو الروسي لأوكرٌانيا، حظراً مباشراً على استيراد النفط الخام، والمنتجات البترولية، والغاز المسال، والفحم من روسيا. لكن تستمر السوق الأوروبية المشتركة حذرة من الآثار الاقتصادية المترتبة على مقاطعة الأعضاء

العدد 58

السبت 29 كانون الثاني 2022

الطريق الى الطاقات المستدامة : المعطيات والتحديات

وليد خدوري


فتح اتفاق باريس 2015 آفاقاً واسعة لمكافحة التغير المناخي وللتحول من عصر الطاقة الهيدروكربونية إلى عالم الطاقات المستدامة لتصفير الانبعاثات بحلول منتصف القرن. وكما هو متوقع، فإن انتقالاً تاريخياً بهذا المستوى سيواجه عقبات، ويتوجب عليه تشريع قوانين وأنظمة جديدة، وهذا بالفعل ما يحدث الآن.

العدد 56

الخميس 02 كانون الأول 2021

ما بعد "كوب 26" للمناخ في غلاكسو

وليد خدوري


شارك نحو 40 ألف شخص في مؤتمر «كوب 26» في غلاسكو الذي استمر خلال الأسبوعين الأولين من شهر نوفمبر (تشرين الثاني). وسيعقد «كوب 27» في عام 2022 في مصر، و«كوب 28» في عام 2023 في الإمارات.


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك