نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 67

الثلاثاء 01 تشرين الثاني 2022

هل تسمح هيكلية الاقتصاد اللبناني بالاستفادة من استخراج الغاز؟

من الصحافة اخترنا لكم

جاسم عجاقة

جريدة الديار – 13 تشرين الأول 2022

المتلازمة الهولندية أو المرض الهولندي هي عبارة تُستخدم للتعبير عن الآثار السلبية لاعتماد الاقتصاد على المداخيل الريعية. ففي العام 1950، تم اكتشاف الغاز في بحر الشمال في جرونينجن (هولندا) وهو ما دفع السلطات إلى توزيع جزء من هذا الريع من خارج الماكينة الاقتصادية على المواطنين، وهو ما تسبّب بتراجع الصناعة في البلاد. أضف إلى ذلك، فإن دخول كميات كبيرة من العملة الصعبة إلى هولندا آنذاك، أدّى إلى تقوية العملة الهولندية وبالتالي أصبحت صادرات هولندا أقل تنافسية في الوقت الذي ارتفعت فيه الواردات نتيجة ارتفاع القدرة الشرائية في ظل انخفاض النشاط الاقتصادي. مصطلح «المتلازمة الهولندية» تم ّاستخدامه لاحقًا لوصف حالة فنزويلا وبعض المناطق الفرنسية والنرويج.

خلاصة هذه المقدّمة هي أنه عندما يسيطر استغلال الموارد الطبيعية على الماكينة الاقتصادية، وعندما يتم اكتساب مداخيل من خارج الدورة الاقتصادية، يدخل الاقتصاد في حالة من المرض الهولندي. للتذكير فإن كل طاقة أحفوريه هي عرضة للنضوب وبالتالي لا يُمكن التعويل على استدامة هذه الثروة.

الخيار الأخر للاستفادة من الثروة الغازية هي من خلال إدخال الماكينة الاقتصادية في صلب عملية الاستخراج. فمن المعروف أن أي بلد نفطي يعمد إلى شبك أواصل اقتصاده في عملية استخراج الغاز والنفط سواء كان من قطاعات داعمة لعملية الاستخراج (مثل صناعة الأنابيب أو قطع غيار لأدوات يتم استخدامها في عملية الاستخراج) أو قطاعات خدماتية تؤمّن خدمات تشغيلية لعملية الاستخراج (مثل الفنادق أو عمليات النقل بالهليكوبتر، أو الإنترنت أو الطرقات...)، أو قطاعات موازية لعملية الاستخراج (مثل صناعة البتروكيماويات...).

في الواقع عملية الشبك هذه، تسمح بتكبير حجم الاقتصاد بسرعة موازية لعملية الاستخراج من خلال قناتين:

القناة الأولى – عمل الماكينة الاقتصادية لدعم استخراج النفط والغاز يجلب حكمًا استثمارات جديدة، وهو ما يعني نموا اقتصاديا حتميا.

القناة الثانية – من باب استثمار قسم من عائدات الصندوق السيادي في الاقتصاد المحلّي.

أهمية عملية الشبك هذه تكمن في أنها تسمح ببناء اقتصاد متين ومتنوّع ومستدام حيث يُمكن توجيه قسم من الاستثمارات إلى قطاعات واعدة لا علاقة لها بالضرورة بالقطاع النفطي على مثال الصناعة الرقمية أو صناعة السيارات (الكهربائية؟) أو غيرها.

مما تقدم نرى أن حكومة الرئيس ميقاتي أمام استحقاق مهم على هذا الصعيد. فأي خيار ستأخذ؟ بالطبع الجواب الرسمي سيكون الخيار الثاني أي شبك الاقتصاد اللبناني بعملية الاستخراج. لكن عملية الشبك لا يُمكن أن تتم من دون إصلاحات اقتصادية، ومالية، ونقدية، وقانونية، وإدارية. هذه الإصلاحات التي لطالما طالب بها المجتمع الدولي لوضع الاقتصاد اللبناني على مسار التعافي السليم والأكيد، تتعثّر أمام الصراع السياسي المحتدم في لبنان.

فهل من المنطقي أن العام 2018 شهد ثمانية أشهر من تصريف الأعمال، وشهد العام 2019، ثلاثة أشهر من تصريف الأعمال بالإضافة إلى شهر تعطيل بسبب حادثة قبرشمون. كما شهد العام 2020، خمسة أشهر من تصريف الأعمال، وتسعة أشهر في العام 2021. وها نحن في مرحلة تصريف أعمال منذ انتخابات أيار الماضية!

إذًا كيف لأي حكومة أن تقوم بإصلاحات إذ لم يكن هناك من ثبات سياسي يضمن لها استمرارية أقلّه ثلاث سنوات لتطبيق الإصلاحات. ولعل الإصلاح الأول الواجب اتخاذه على هذا المستوى هو تعديل آلية أخذ القرارات (أقلّه القرارات الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية) لإعفائها من الصراعات السياسية التي تُعطّلها عن غير وجه حق!

الإصلاحات المطلوبة كثيرة بدايتها مع رفع اليدّ السياسية عن القطاعات الاقتصادية من باب الهيئات الناظمة الواجب تطعيمها بشخصيات من المجتمع المدني ومن جمعيات رقابية. ومن ثم هناك الإصلاحات الاقتصادية التي تبدأ مع قانون فعّال للتنافسية بين التجار حيث ان لبنان يخالف دستوره منذ أكثر من ثلاثة عقود مع احتكارات تضرب كافة القطاعات بتواطؤ واضح من قبل أصحاب النفوذ. الشركة بين القطاعين العام والخاص يجب أن تكون عنوان المرحلة المقبلة مع إدارة المرافق العامة (خصوصًا الحيوية منها) من قبل القطاع الخاص (من دون خصخصة). أيضًا يجب تسهيل الاستثمارات بشكل شفاف وواضح للأجانب وللبنانيين من خلال استعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني وبعمله القضائي والمالي والمصرفي. وبالتالي فإن إعادة هيكلة المصارف – الشريان الحيوي للاقتصاد – من أهم وأكثر الإصلاحات تأثيرًا في الثقة.

ولا يُمكن نسيان القطاع العام الذي يُعتبر بابًا للزعامات في لبنان حيث ان التوظيف في هذا القطاع من خارج الأطر القانونية (مجلس الخدمة المدنية) جعل من هذا القطاع المستهدف الأول في شروط صندوق النقد الدولي. أضف إلى ذلك تراجع كبير في قدرة الدولة على تمويل الكلفة التشغيلية لمرافقها العامة.

ويبقى القضاء هو لب الثقة ومن دونه لا يُمكن الثقة بالاقتصاد اللبناني حيث يُعتبر القضاء الضامن الأول للّعبة الاقتصادية ومن دونه لا يُمكن للمستثمرين الأجانب الاستثمار في لبنان. وتنقسم أبعاد استقلال الجسم القضائي إلى قسمين:

الأول – إستقلال القضاة في اتخاذ القرارات وهذا يشمل قرارات غير منحازة، الأمن الوظيفي، الأمن المالي (التعويضات والتقديمات)، نظام التقاعد، التعليم والأبحاث المستمرّة، الأخلاق ومعايير السلوك، والمساءلة.

الثاني – الاستقلال المؤسساتي للسلطة القضائية ويشمل إدارة الجسم القضائي من قبل القضاة، إدارة المحاكم، تعيين القضاة، تعيين القضايا للقضاة، تحديد مواعيد جلسات الاستماع، توزيع قاعات المحكمة وإدارة الموظفين الإداريين، فحص سلوك القضاة، طرد القضاة، إدارة العلاقات الإدارية والمؤسساتية مع السلطات التشريعية والتنفيذية.

عمليًا الإصلاحات مطلوبة سواء كان هناك استخراج للغاز أم لا، وسواء كان هناك اتفاق مع صندوق النقد أم لا. فلماذا التأخير إذًا في القيام بهذه الإصلاحات وهي أصبحت معروفة؟

ما تمّ إنجازه من ترسيم للحدود البحرية هو أمر مهمّ جدًا للبنان – عقبة أساسية تمّت إزالتها، لكن على الرغم من أهمية هذا الحدث، فإنه غير كاف. من هذا المنطلق فإنّ عملية استخراج النفط والغاز في لبنان، لا يُمكنها أن تكون سليمة بغياب الصندوق السيادي وبدون إصلاحات جوهرية ستكون الوسيلة السليمة لتوجيه المداخيل للإنماء والرخاء. وبدون هذه الإصلاحات فإنّ الأجيال المستقبَلية لن تستطيع الاستفادة من هذه الثروة الآيلة إلى النضوب. فإذا لم نترك لهم ماكينة اقتصادية قويّة ومتنوّعة، ماذا سنترك لهم؟


الكاتب

جاسم عجاقة


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك