نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 67

الثلاثاء 01 تشرين الثاني 2022

ازمة التربية والتعليم في لبنان... هل لا زالت الحلول لها ممكنة؟

ملح الارض

عباس خلف

"يمر التعليم الحديث بأزمة كبرى ، ليس هنا في لبنان فقط، بل في العالم اجمع ، نتيجة للتطورات التي احدثتها تطبيقات التكنولوجيا الحديثة قي حياة الانسان ، والتبدلات التي طرأت على مسار الحضارة . فالتأثيرات غير السليمة لتطبيق التكنولوجيا في حياة الانسان المعاصر، حيث اخذت تنتشر وتسيطر عناصر القلق واليأس والتخمة والانحلال الصحي والمعنوي والاجتماعي بشكل مفجع واسع لم يشهد له التاريخ مثيلا. ولابد ان نشهد انعكاسات لهذه الموجة الكارثة المادية على الحضارة ومستقبل الانسان."

(من رسالة وجهها المعلم كمال جنبلاط لطلاب الحزب التقدمي الاشتراكي في مؤتمرهم الخامس المنعقد بتاريخ 19/11/1972)

هذا الكلام للمعلم كمال جنبلاط يعود زمنياً لبداية انطلاق ثورة التكنولوجيا وفيه تحذير من مخاطر التطبيقات غير السليمة للتكنولوجيا الحديثة على الانسان والمجتمع وعلى مستقبل الحضارة . وما نبّه منه حصل وتتفاقم المخاطر مع الوقت . ولهذا ، تناولنا في مقالنا السابق من "ملح الارض" استعراض هذه المخاطر وضرورة البحث عن حلول لها. وفي مقالنا اليوم سنخصص البحث لأزمة التعليم المرتبطة بشكل مباشر بتطورات التكنولوجيا وتطبيقاتها وانعكاساتها ، مركّزين على التعليم والتربية في لبنان الذي يواجه في مطلع العام الدراسي الحالي ازمة غير مسبوقة في تاريخه.

هذه الازمة المتفاقمة سنة بعد سنة ، كان المعلم كمال جنبلاط ، صاحب الرؤية المستقبلية، قد حذّر منها ، ومن تداعياتها في دراسة له نشرها سنة 1973 تحت عنوان : "مشكلة التعليم وقضاياه في لبنان"، وردت في الصفحة 95 من كتابه "قضايا الشباب والتعليم "، نقتطف منها :

"لا يمكن الفصل بين مختلف القضايا التي تمثل النتيجة الحتمية للسياسة التعليمية في لبنان التي لا زالت تقوم على كل المستويات ، على الارتجال والترقيع ، وسياسة الوعود التي تفتقر الى الحس بالمسؤولية الوطنية والتربوية . مشكلة التعليم في لبنان لم يعد ممكناً معالجتها بإعطاء المسكنات، لانها تمسّ حياة اللبنانيين عامة، ومستقبل ابنائهم ووطنهم في الصميم . وقد تميزت قضايا التعليم بتكرار طرحها مع بداية كل عام دراسي ، ومحاولة ايجاد حلول آنية لها ، في غياب اية خطة تربوية وتعليمية متكاملة ذات ابعاد مستقبلية ."

قال كمال جنبلاط كلمته، وارفقها بخطة اصلاحية شاملة للتربية والتعليم في لبنان لم يؤخذ بها. واستمرت قضايا التربية والتعليم تعالج بالمسكنات الانية ، والمشكلات تتفاعل ، والتداعيات تتفاقم ، لتصل الى ما نعاني منه اليوم على صعيد التربية والتعليم . فالمشكلات التي بقيت بلا حلول عملية تحولت اليوم الى معضلات قد يصعب ايجاد حلول لها وسط الانهيار الكامل والشامل الذي يعاني منه لبنان في مختلف المجالات ، بسبب انكشاف الفشل على مستوى الحكم والحكومة والادارة .

معضلة التربية والتعليم اليوم مطلوب من وزارة التربية البحث عن حلول لها ، تتمثل : بالصعوبات المالية لتأمين التجهيز والرواتب وكلفة النقل والتنقل والتشغيل وارتفاع كلفة التعليم، والاقساط ، والكتب والقرطاسية. وعجز ادارات المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة عن تحمل الكلفة التشغيلية ، وعدم قدرة الاهل على تسديد الاقساط المرتفعة بسبب انهيار قيمة العملة اللبنانية وفقدان المداخيل لقيمتها ومصادرة المصارف لمدخراتهم . يضاف الى كل ذلك المعاناة الكبرى التي تواجهها الجامعة الوطنية اللبنانية. وتزداد المعضلة تفاقماً مع تعذّر تنظيم واعتماد التعليم الحضوري في هذه الظروف الصعبة ، مع انه الاضمن والانجح لكونه يحقق التفاعل والنقاش ويشجع على البحث والاستقصاء واكتساب الخبرة ، فيما التعليم عن بعد يفتقر لهذه المزايا ، ويقوم على التلقين فقط ، وعدم القدرة على المراقبة والتقييم الفعلي والتوجيه التربوي والاجتماعي والوطني. يضاف الى ذلك ان ادوات اعتماد التعلم عن بعد كلفته عالية جداً، ويعجز معظم اللبنانيين عن تحملها ، فيبقى العمل بها وقفاً على الاغنياء فقط ، وسرد المحاذير والموانع يطول.

ومن جديد نستذكر المعلم كمال جنبلاط ، وتحذيراته ومطالبه التي لو اخذ بها لما كنا نواجه ما يتعذر علينا اليوم ايجاد حلول له من معضلات في مجالي التربية والتعليم . ومما طالب به نذكر: "اذا لم تتخذ الدولة اللبنانية الحيطة في معالجة شؤون التربية والتعليم ، واخضاعها للتوجيه المناقبي والروحي والوطني الصحيح، سنشهد انهياراً شاملاً للمجتمع وللانسان وللحضارة . ولن يفيد اذ ذاك التلهي بنتاج التطبيقات العلمية الاخيرة ، والتسلح بمقدورات تطبيقات المدنية المادية لان الروح الانسانية تكون قد غادرت هذا العالم ، لتترك ابناءه فريسة للتناقض والتناحر والانانية والانطواء ، ومرتعاً للشقاء والضجر والضياع."

(من ندوة لكمال جنبلاط في "دار التربية والتعليم الاسلامية" في طرابلس بتاريخ 16/12/1965)

القطاع التربوي في لبنان هو اليوم في عين العاصفة ويستدعي الاسراع في البحث عن حلول ناجعة ، قد يكون من المتعذر تحقيقها في الظروف الراهنة . ولذا نتوجه الى القادة السياسيين ونواب الامة ، وندعوهم الى الاقدام دون تردد على انتخاب رئيس جديد للجمهورية تتوفر لديه القدرة على جمع كلمة اللبنانيين وانتاج حكومة جديدة تبادر فوراً للعمل بجدية وتصميم على انقاذ لبنان من معاناته، ووضع الخطة القابلة للتنفيذ في مختلف المجالات المتعثرة ، وعلى الاخص القطاع التربوي الذي يتوقف على النجاح في ايجاد حلول لمشاكله مستقبل الاجيال الطالعة ومستقبل الوطن .


الكاتب

عباس خلف

مقالات أخرى للكاتب

العدد 68

الخميس 01 كانون الأول 2022

اي مستقبل للبنان بعد هجرة الشباب والكفاءات؟

عباس خلف


"نحن ندرك فداحة الاوضاع وخطورتها على حاضر اللبنانيين ومستقبل اجيالهم ، وعلى الكيان والوجود كدولة. وما من احد ينكر ذلك ، او يعلم الى اين تتجه الامور وسط فشل عام وعجز كامل عن اتخاذ ما يلزم من تدابير لانقاذ لبنان واللبنانيين من المعاناة والانهيار وربما الزوال."

العدد 66

الثلاثاء 04 تشرين الأول 2022

"ثورة التكنولوجيا" تغيّر وجوه الحياة ومستقبل الانسان والحضارة

عباس خلف


ان ما يميز الانسان عن سائر المخلوقات امتلاكه العقل والقدرة على التفكير والبحث والتقرير والابتكار والانجاز. وبفضل هذه المزايا استطاع ، عبر العصور، ان يبني الحضارات ويحقق التقدم والتطور في مختلف المجالات. وقام بثورات فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية وعلمية ، احدثت تغييرات بنيوية بدّلت مظاهر ومضامين شؤون الحياة . وتمثلت ابرز تجلياتها في الثلث الاخير من القرن العشرين بثورة التكنولوجيا التي انطلقت ولا زالت مستمرة بتسارع لا مثيل له في تاريخ البشرية . هذه الثورة يتأكد مع الوقت انها الاكثر فاعلية وتأ

العدد 65

الثلاثاء 30 آب 2022

الغيوم تتلبد في سماء لبنان... والصراع المذهبي المتصاعد يعطّل الحوار

عباس خلف


"ان الازمة التي نعانيها هي في آن واحد، ازمة حكم وازمة سلطة ، وازمة قيادات سياسية ، جعلت من لبنان ساحة للمهاترات في كل المجالات. هذه الازمة لا يمكن ان تعالج الا اذا حاولنا اصلاح الاخطاء التي ارتكبت والتي ادت الى وقوعنا في المأزق الذي نحن فيه. وهذه الازمة لا تحلّ الا على اساس وطني لا طائفي، وبنهج حازم وتدرجي في آن. وخلاص لبنان لا يكون باستخدام العنف ايا كانت مبرراته."


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك