نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 66

الثلاثاء 04 تشرين الأول 2022

"ثورة التكنولوجيا" تغيّر وجوه الحياة ومستقبل الانسان والحضارة

ملح الارض

عباس خلف

ان ما يميز الانسان عن سائر المخلوقات امتلاكه العقل والقدرة على التفكير والبحث والتقرير والابتكار والانجاز. وبفضل هذه المزايا استطاع ، عبر العصور، ان يبني الحضارات ويحقق التقدم والتطور في مختلف المجالات. وقام بثورات فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية وعلمية ، احدثت تغييرات بنيوية بدّلت مظاهر ومضامين شؤون الحياة . وتمثلت ابرز تجلياتها في الثلث الاخير من القرن العشرين بثورة التكنولوجيا التي انطلقت ولا زالت مستمرة بتسارع لا مثيل له في تاريخ البشرية . هذه الثورة يتأكد مع الوقت انها الاكثر فاعلية وتأثيراً على مختلف وجوه الحياة، بالنسبة للفرد وللمجتمع ولمستقبل الانسان والحضارة .

المعلم كمال جنبلاط، صاحب الرؤية المستقبلية عايش بدايات هذه الثورة وكان سباقاً في التنبيه من مخاطرها على الانسان وحضارته ومصيره. وعبّر عن ذلك صراحة في بيانه الرئاسي الذي القاه في المؤتمر السنوي للحزب التقدمي الاشتراكي سنة 1973. ومما قاله نقتطف ما يلي :

"ان القصد من الاجتماع البشري ومن الحضارة ، هو توفير لون من الوان اطمئنان الانسان وسعادته ، فيجب ان تظل الواسطة والاداة الى ذلك واسطة واداة لا اكثر، فلا تصبح الاداة مصدراً للطغيان على الفرد وعلى المجتمع ، فتتحكم المادية والالية في حياة الانسان ، فيفقد من جراء ذلك كل سرور وغبطة في الحياة. فسعادة الانسان لا تتم الا بممارسة القيم المعنوية والروحية التي تشكل تراثه الحقيقي على وجه الارض. "

(المصدر : كتاب كمال جنبلاط "البيانات الرئاسية " ص. 381)

من المؤكد ان هذه الثورة المتواصلة تحقق قفزات لا مثيل لها في تاريخ الحضارة والتطور والتقدم. فهي ، بفضل منجزاتها المتنوعة حققت العولمة وحولت العالم الى قرية عالمية والغت في مجال الاتصال والتواصل عنصري الزمن والمسافة ، وضرورة الانتقال من مكان الى آخر للاجتماع مع الاخرين والتحاور ولإبرام العقود والاتفاقات والصفقات ، فوسائل التكنولوجيا تتيح انجازها عن بعد.

والتعليم لم يعد يستلزم الانتقال الى المدرسة او الجامعة للتعلم حضوريا ً، بل بات يتم في حالات كثيرة عن بعد ، بفضل وسائل التواصل الالكترونية التي اثبتت نجاحها عالمياً في الدول المتقدمة ابّان موجات تفشي وباء كورونا . والامثلة متشابهة بالنسبة لسائر النشاطات والمعاملات من عقد الندوات والمجالس والمؤتمرات والمقابلات وغيرها من الشؤون .

هذا كله صحيح ومهم، ولكن الصحيح ايضا ان هذه الثورة العلمية المميزة بانجازاتها التقنية لها تداعيات سلبية مثيرة للقلق على مستوى الفرد والعائلة والمجتمع في الحاضر وفي المستقبل بالنسبة للتصرفات الفردية والاجتماعية كما بالنسبة لدور الانسان في العمل في مختلف المجالات حيث ترتسم معالم صراع بين الانسان والالة .

وفيما يأتي نماذج عن مخاطر التكنولوجيا في عدد من من المجالات :

1- في مجال التربية والتعليم

انسانية الانسان وقيمته المعنوية يكتسبها من خلال التربية والتعليم . فالتربية على حسن التصرف تبدأ في المنزل العائلي وتستكمل في المدرسة، والموجّه والمرشد في الجامعة. هذه القدرات والكفايات والمهارات يكتسبها التلميذ ، عن طريق التفاعل والنقاش وتبادل الافكار والارشادات. وهذه كلها لم تعد متوفرة مع التعليم عن بعد عبر الوسائط التكنولوجية ، حيث اصبح التلميذ او الطالب مجرد "متلقي " للمعلومات الجاهزة ليقبلها كما هي دون ان تتاح له فرص النقاش والسؤال والبحث عن المعلومة، واتخاذ القرار الصواب . اما التربية فتدنّت نسبة الاهتمام بها. وهذا له تأثير سيئ للغاية على مسلك الفرد في مرحلة تكوين شخصيته الاجتماعية وعلى مستقبل دوره كمواطن في العمل وفي المجتمع. ولعل اخطر ما في هذه التداعيات فقدان مهارة التواصل والتخاطب والمناقشة مع الاخرين .

وتزايد الميل للعزلة لدى الجيل الجديد ، والجلوس لساعات طويلة امام الوسيلة الالكترونية ، وكأنهم عبيد لها "روبوتات" تنفّذ ما تفرضه الالة عليهم ، فتتحكم بتصرفاتهم اليومية وتبعدهم عن سائر افراد العائلة ، وعن الاصحاب فيفقدون الحس الاجتماعي ودورهم في المجتمع ، ومسؤولياتهم الاجتماعية والوطنية ، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الشخص وعلى المجتمع وعلى الوطن ومستقبل البشرية .

2- في مجال الاعمال في مختلف القطاعات

المعادلة في هذا المجال معكوسة ، فمع كل تقدم يسجل في قدرة التكنولوجيا ، يقابله تراجع في دور الانسان. وهنا الغلبة واضحة لصالح الالة . فكلما تطورت الالة وتحدّثت ، تزداد قدراتها على العمل والانتاج، فيفضلها ارباب الاعمال في مختلف القطاعات على الانسان ، فتحل محله في العمل ، فهي لا تمرض، ولا تتغيب ولا تضرب ، ولا تطالب بتقديمات اجتماعية او صحية او تعليمية ولا تصرّ على عطلات سنوية مدفوعة . الاتجاه هنا هو لإحلال الروبوت محل الانسان في صراع مكشوف على البقاء والاستمرار. النخبة العلمية والتقنية تحتفظ بدورها في مجال الاعمال ، وسائر الاخرين يتحولون الى مجرد مستهلكين لما تنتجه الالة الالكترونية ، فمن اين لهم القدرة على الاستهلاك وشراء منتوجات التكنولوجيا، وهم عاطلون عن العمل بلا اجور ومداخيل مادية. العالم يتجه الى العيش تحت وطأة حلقة مفرغة ، الانسان هو الحلقة الاضعف فيها ، فأي مصير ينتظره الانسان في المستقبل ؟


الكاتب

عباس خلف

مقالات أخرى للكاتب

العدد 69

الخميس 29 كانون الأول 2022

هل لا زالت التسوية ممكنة في لبنان ؟

عباس خلف


"اننا نتوجه من المسؤولين اللبنانيين ان يتركوا جانباً امور نجاحهم او فشلهم في الانتخابات، وان يترفعوا عن طموحاتهم الشخصية ، لينظروا الى مصلحة المواطن بعد المعاناة التي حلت به في هذا العهد من تفاهة الحكم وضعف السلطة وانحطاط القيم وتصاعد العصبية المذهبية والطائفية والانقسامات." (كمال جنبلاط في بيانه الرئاسي سنة 1974 للجمعية العامة للحزب التقدمي الاشتراكي)

العدد 68

الخميس 01 كانون الأول 2022

اي مستقبل للبنان بعد هجرة الشباب والكفاءات؟

عباس خلف


"نحن ندرك فداحة الاوضاع وخطورتها على حاضر اللبنانيين ومستقبل اجيالهم ، وعلى الكيان والوجود كدولة. وما من احد ينكر ذلك ، او يعلم الى اين تتجه الامور وسط فشل عام وعجز كامل عن اتخاذ ما يلزم من تدابير لانقاذ لبنان واللبنانيين من المعاناة والانهيار وربما الزوال."

العدد 67

الثلاثاء 01 تشرين الثاني 2022

ازمة التربية والتعليم في لبنان... هل لا زالت الحلول لها ممكنة؟

عباس خلف


يمر التعليم الحديث بأزمة كبرى ، ليس هنا في لبنان فقط، بل في العالم اجمع ، نتيجة للتطورات التي احدثتها تطبيقات التكنولوجيا الحديثة قي حياة الانسان ، والتبدلات التي طرأت على مسار الحضارة . فالتأثيرات غير


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك