نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 62

الخميس 02 حزيران 2022

كيف ستنتهي الحرب الروسية على أوكرانيا: عِبَرٌ من التاريخ

من الصحافة اخترنا لكم

رياض طبارة

جريدة النهار 10/5/2022

يشبّه البعض الحالة الروسية الأوكرانية بتلك التي كانت قائمة بين ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا قبل الحرب العالمية الثانية. فكما كانت ألمانيا تحت الحكم النازي تريد إستعادة الأراضي التي انتُزعت منها بعد الحرب العالمية الأولى، بدأً بتشيكوسلوفاكيا، تريد روسيا اليوم استعادة ما خسرته خلال سنين الإنهيار بعد تفكك الإتحاد السوفياتي، بدأً بأوكرانيا. أعلن هتلر سنة 1938 بأنه ينوي تحرير السوديتنلاند في شمال تشيكوسلوفاكيا الذي كانت تقطنه غالبية ناطقة بالالمانية، كما أعلن بوتين شباط الماضي استقلال مقاطعتي دونيتسك ولوهنسك، أي منطقة دونباس شرق أوكرانيا التي تقطنها غالبية ناطقة بالروسية. ولكن بدلاً من مواجهة هتلر وافقت الدول الفاعلة في أورويا يومها (إنجلترا، فرنسا وإيطاليا) على ضم السوديتنلاند لألمانيا وأجتمعت قاياداتها مع هتلر في ميونيخ في أيلول 1938 ووقّعت على هذا التنازل. عندها عاد تشامبرلن، رئيس وزاراء إنجلترا، إلى لندن منتصراً، وتوجه إلى الشعب الإنجليزي بالقول: أصدقائي، أعتقد أن السلام سيعم في وقتنا هذا. أنصحكم بأن تعودوا الى منازلكم وأن تناموا بارتياح في تخوتكم." ولكن بعد ستة أشهر استولى هتلر على كامل تشيكوسلوفاكيا، وبعدها بأقل من ستة أشهر، أي في أول أيلول سنة 1939، غزا هتلر بولندا وبدأت الحرب العالمية الثانية.

يستخلص عارضوا هذا التوازي التاريخي بأن تهدئة بوتين اليوم قد تشجعه على محاولة استعادة كل جمهوريات الإتحاد السوفياتي السابقة، التي تشمل دولاً أعضاء في تحالف الناتو، مما قد يسبب حرباً عالمية ثالثة. فبوتين قد احتل بعضاً من جورجيا (أبخازيا وجنوب أوسيتيا)، وأعلن استقلالهما سنة 2008 ثم استولى على شبه جزيرة القرم الأوكرانية سنة 2014 وقام بمساندة حرب انفصالية في منطقة دونباس شرق أوكرانيا، ولم يواجه أية ردة فعل قوية أو حاسمة من دول الغرب، ما شجعه على غزو أوكرانيا بكاملها بحسب وجهة النظر هذه. ولكن الرد الحاسم من غرب موحد هذه المرة، بشكل مساعدات عسكرية واقتصادية، أتى ليغرقه في أوحال كرواتيا ما سيضع حدا لطموحاته التوسعية. أما إمكانية أن تُنتج هذه المواجهة حرباً عالميةً ثالثة، خاصة بعد أن حركت روسيا انظمتها النووية ونبّه بوتين ووزير خارجيته مراراً من خطرها، فيعتقد أصحاب هذه النظرية أنها مستبعدة، ولو انها ليست مستحيلة.

من أجل تقييم مسار الحرب الروسية الأوكرانية لا بد من العودة إلى التاريخ الروسي ذاته. فمنذ تأسست الإمبراطورية الروسية بقيادة بطرس الكبيرسنة 1721 لم يتغير نظام الحكم فيها سوى مرتين، كلاهما بعد حربين فاشلتين. الأولى كانت حرب السنتين مع الأمبراطورية اليابانية التي خسرتها روسيا وانتهت سنة 1905 بمعاهدة بورتسموث (مدينة أميركية) برعاية الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت والتي اعتُبرت مُذلة للقيصر نقولا الثاني وللإمبراطورية الروسية بشكل عام. هذه الحرب الفاشلة كانت الشرارة التي أججت نار الثورة الروسية تلك السنة وأطلقت سلسلة أحداث انتهت سنة 1917 بسقوط النظام الملكي القيصري، بعد حكم دام قرنين، واستبداله بالنظام الشيوعي.. الحرب الفاشلة الثانية كانت حرب أفغانستان التي دامت تسع سنوات وانتهت في شباط 1989 بانسحاب مُذل للجيش السوفياتي. هذه الحرب شكلت الشرارة التي أودت بالنظام الشيوعي المتداعي سنة 1991 لصالح النظام الأوليغارشي الذي يحكمه فلاديمير بوتين منذ سنة 2000. لا شك أن بوتين، وهو لربما الرئيس الروسي الأكثر حساسية للتاريخ منذ لنين، أخذ العبرة من هاتين الحربين الفاشلتين وهي أن الفشل في حربه على أوكرانيا قد يتسبب بتغيير في النظام الروسي، اقله في رئاسة النظام، كما حصل في الماضي.

بالنسبة لبوتين سبب الحرب مع أوكرانيا هو، بالدرجة الأولى الأمن القومي الروسي. فخلال العقد الفاصل بين انهيار الإتحاد السوفياتي ومجيئ بوتين للحكم، اعتنم الغرب الفرصة لتوسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليشمل دول أوروبا الشرقية ودول البلقان. بيلاروسيا وأوكرانيا أصبحتا خط الدفاع الأول لروسيا في مواجهة الناتو ولذلك أصر بوتين على أن يكون النظامان فيهما مواليان لروسيا بشكل مطلق. في سنة 2014 حصل انقلاب دستوري في أوكرانيا أطاح برئيسها، فيكتور يانكوفيتس، الذي هرب إلى روسيا. بعد بضع سنوات من الفوضى وصل فولوديمير ليزنسكي إلى الحكم وطلب الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي والناتو. خسارة أوكرانيا يضع الناتوعلى بعد أقل من مئتي كيلومتر من العاصمة موسكو.

عبَرُ التاريخ وطبيعة بوتين تجعل من شبه المستحيل أن يقبل بوتين يسحب جيشه من أوكرانيا مذلولاً، كما حصل في حربي اليابان وأفغانستان، دون أن يحقق هذفه من غزو أوكرانيا، ليقدمه كـ "انتصار" لشعبه.

 ولكن هدف بوتين من الحرب مع أوكرانياً هدف متحرك يسمح بالـ"إنتصار" في حالات عدة. عندما بدأت الحرب كان هدف بوتين احتلال كييف خلال بضعة أيام واعتقال أو هروب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ثم عودة الرئيس الأوكراني أو شخص آخر موال لروسيا. عندما فشل الهجوم الروسي على كييف تحول الهدف إلى تقسيم أوكرانيا إلى شطرين، الشرقي والغربي، يحد بينهما نهر الدنيبر، أي على نسق شبه الجزيرة الكورية. ولكن بعد أكثر من شهرين ومعارك طاحنة لم يستطع الجيش الروسي من احتلال مدينة خاركيف المحاذية الاستراتيجية، ناهيك عن المناطق الواسعة بينها وبين النهر. عندها تحول الهدف مرة أخرى إلى منطقة دونباس،. وتسعى روسيا إلى احتلال الشاطئ الأوكراني الممتد من ماريوبول إلى القرم لتأمين طريق بينهما والسيطرة الكاملة على بحر أزوف المؤدّي الى البحر الأسود، ما سيعتبر أيضاً انتصاراً يقدمه بوتين إلى شعبه. فكما قال أحدهم (كاتب إنجليزي): "إذا أردت أن تتأكد من إصابة الهدف، أطلق أولاً وما تصيبه هو الهدف."

بالمقابل، أوكرانيا لا تستطيع أن تقبل خسارة قسم كبير من أراضيها، كما يردد باسمتمرار الرئيس الأوكراني. ألأهم من ذلك هو موقف الحلفاء الغربيين، وعلى رأسهم أميركا. فأميركا قد أرسلت لغاية اليوم، بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية، أسلحة تقدر بمليارات الدولارات وهي في تصاعد مستمر، كمّاً ونوعاً. والكونغرس الأميركي هو في طور الموافقة، بأغلبية ساحقة من الحزبين، على مساعدة لأوكرانيا تفوق الـ 33 مليار دولار. كما سيوافق الكونغرس على إحياء قانون "الإعارة والتأجير" لصالح أوكرانيا الذي يسمح للإدارة بارسال أسلحة، تُسدد أثمانها في وقت لاحق. مثل هذا القانون كان قد صدر مرة واحدة من قبل وذلك خلال الحرب العالمية الثانية بهدف الإسراع في تزويد إنجلترا والحلفاء (بما في ذلك الإتحاد السوفياتي) بالسلاح ويُعتبر أحد أسس نجاح ألحلفاء في صد الهجوم الألماني آنذاك. ما تريد أميركا أن تنجزه من هذه الحرب قاله بوضوح وزير دفاعها لويد أوستن في ختام زيارته لكييف مؤخراً: "نريد إضعاف روسيا إلى حد لا يسمح لها بفعل هذا النوع من الأشياء كما فعلت في غزو أوكرانيا." وشرح متابعاً أن هذا يعني ألا نسمح لروسيا أن تستعيد قدرتها سريعاً لإعادة إنتاج القوات والمعدات التي خسرتها في أوكرانيا.

هذه إذاً ستكون حرباً طويلة. العقوبات الغربية على روسيا موجعة ولكن بوتين سيتحملها حتى الرمق الأخير. العقوبات الروسية في مجال الطاقة، أو تهديداتها بتوسيع رقعة المواجهات، كما أوحت انفجارات ترنزيستريا (على حدود أوكرانيا الغربية الجنوبية حيث لموسكو قوة عسكرية صغيرة) أو التهديد باستعمال السلاح النووي، لن تردع الأميركيين وحلفائهم من مواصلة الحرب. روسيا أقل تحملاً لعامل الوقت ولذلك فإن ملاذها للإستعجال هو كسر إرادة الأوكرانيين على القتال من خلال تصعيد هجماتها على المدنيين ما يعني أن الحرب لن تكون طويلة فحسب بل شرسة أيضاً.

النتيجة الأخطر لحرب أوكرانيا هي الوصول في نهايتها إلى حالة حرب باردة بين الغرب وروسيا. مكونات الحرب الباردة هذه بدأت تظهر من الآن، منذ الأشهر الأولى للحرب القائمة.

أهم مكونات الحرب الباردة هو فصل الإقتصادات. أوروبا بدأت بالفعل بإجراءات تهدف إلى إنهاء اعتمادها على الغاز الروسي في المستقبل المنظور. الإستثمارات الأميركية في روسيا التي تبلغ قيمة أصولها حوالي مئة مليار دولار بدأت تتقلص بسرعة وكذلك الاستثمارات الأوروبية المقدرة أصولها بـ300 مليار دولار. وقد بدأت العقوبات الإنفصالية تتتالى في كل المجالات: المجال المالي والمصرفي، التبادل التجاريي حرية الطيران، احتجاز الاصول التابعة لروسيا وللأوليغارش الروس ويخوتهم، عقوبات ضد مئات الأشخاص بما في ذلك بوتين وعائلته وكبار المسؤولين وأسرهم، وصولاً إلى منع رياضيين روس من الإشتراك بمسابقات دولية ومنع حصول هذه المسابقات على الأراضي الروسية. بعض هذه العقوبات طويلة الأمد يصعب التراجع عنها، كالإنفصال الإقتصادي مثلاً، والبعض الآخر سيصبح كذلك كلما طالت الحرب.

الحرب الروسية الأوكرانية ليست كغيرها من الحروب المحلية، حتى الكبيرة منها كحرب فييتنام أو كوريا. قد لا تنتهي بحرب عالمية ثالثة كما يتخوف البعض ولكنها بلا شك ستحدث تغيرات في موازين القوى عالمياً، كما سيكون لها تداعيات استراتيجية طويلة الأمد على طبيعة العلاقات الدولية.


الكاتب

رياض طبارة

مقالات أخرى للكاتب

العدد 58

السبت 29 كانون الثاني 2022

بانتظار جودو: المفاوضات الأميركية الإيرانية

رياض طبارة


عندما تسلم دونالد ترمب الرئاسة الأميركية في كانون الثاني من سنة 2017، كانت تتحكم بأفكاره ثلاثة مبادئ رئيسية: الإنقلاب على أنجازات سلفه باراك أوباما، وتفكيك التحالفات المتعددة الأطراف كالاتحاد الأوروبي والناتو واستبدالها بتحالفات

العدد 57

الخميس 30 كانون الأول 2021

أميركا لا تنوي الانسحاب من الشرق الأوسط

رياض طبارة


بعد انسحاب أميركا الكارثي من أفغانستان في تشرين الأول الماضي، تعالت الأصوات بأن الرئيس الأميركي جو بايدن قرر الانسحاب من الشرق الأوسط للتركيز على الشرق الأقصى ومواجهة التوسع الصيني، الاقتصادي والعسكري، في تلك المنطقة. كتب توماس فريدمان في النيويورك تايمز يومها أن رسالة بايدن التي أرسلها من خلال هذا الإنسحاب إلى حلفاء أميركا العرب في الشرق الأوسط هي: "أنتم في المنزل لوحدكم. إذا كنتم تبحثون عنا فستجدونا في مضيق تايوان. أرسلوا لنا البترول. وداعا." فكرة انسحاب أميركا من الشرق الأوسط انتشرت أيضا في ا

العدد 51

الخميس 01 تموز 2021

The Palestinian's Dilemma: Resistance or moral persuasion

رياض طبارة


In his “Fareed Takes” of May 24, recorded, that is, in the middle of the latest confrontation between the Palestinians, led by Hamas, and Israel, Fareed Zakaria argued that the Palestinians of Gaza and the occupied

العدد 46

الإثنين 01 شباط 2021

The Lebanese conundrum

رياض طبارة


Lebanon is probably the only country in the world that is teetering on the brink of total collapse while, at the same time, is desperately resisting international efforts to save it. The scene is truly Kafkaesque: an


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك