نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 59

السبت 26 شباط 2022

لبنان بلد مؤجل

يقظان التقي

حالة سياسية معقدة جدا !

دخل لبنان مع سرعة التطورات الدولية الاخيرة سواء ما يحدث على حدود اوكرانيا او ربطا بنتائج مؤتمر فيينا حول الملف النووي الايراني منعطفا انتظاريا غاية في الخطورة .

العالم في حروبه الباردة وبنزاعات جيوسياسية ماضوية ، او في حروبه الساخنة في مواجهة الاثار السلبية لجائحة كورونا على اقتصاديات العالم ، ويجتهد لتجنب اي شكل من اشكال الحرب الجديدة من جهة ، اوفي البحث عن حلول لمشاكل مجتمعاته الداخلية على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، بما يؤمن مصالح شعوبه في مجالات النمو والاستثمار والاستقرار الداخلي. اما لبنان فهو في حالة انتظارات لا تنتهي فصولا ، من لبنان مؤجل الى لبنان اخر ، ويخشى ان يخرج كدولة مستقلة عن الخارطة الجغرافية العالمية ، وهو يعطي العالم وعودا كاذبة في الاصلاح السياسي والمالي. مسودة حالة سياسية معقدة جدا يصعب تفكيكها .

وفي الوقت المطلوب منه مسارات واضحة محددة على الارض من مثل وقف تدهور العملة الوطنية وانقاذ ما تبقى من اقتصاده الوطني والشروع بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي لتعزيز التعافي الاقتصادي وترسيم خط طريق تعيد ثقة العالم والمؤسسات والصالونات الدولية به كبلد قابل للاستثمار ، اذ به يطلق مسيرات جوية تختلط فيها الاوراق الاقليمية وتتردد معها اسباب الحرب والردع وتزداد معها صورة الانقسامات الداخلية عشية الانتخابات النيابية المفترض ان تشكل حلقة تغيير سياسية بعد الاحتجاجات الشعبية الاخيرة في 17 تشرين2019.لكن كأن البلد وسياسيته على براعة في خلق الازمات واحدة تلو الاخرى لدرجة الانكشاف الكامل لمؤسساته ولسلطاته العاجزة عن احداث خرق ما يستعيد فيه اللبنانيون جزءا من ثقتهم المتلاشية في تحسن الاوضاع . فالانقسامات والنزاعات الداخلية والكيدية السياسية تطال كل العناوين في القضاء والامن والدبلوماسية والاقتصاد والادارة . "مرتا مرتا تهتمين بأمور كثيرة والمطلوب واحد .. " .. انقاذ البلد من جحيم صار امرا واقعا وغير مفاجئ نتيجة تراكمات واخفاقات ميزت العهد القوي في تبنيه سياسات لا تقيم الوزن الحقيقي في معالجتها احوال العامة من اللبنانيين المتروكين لقدرهم الاسود نهبا لتردي الاحوال في جميع المجالات . يضاف الى هذه المشهدية العبثية والمأساوية التكبيرية الوجودية في عكس اجواء الحرب المتمردة في البلد تحت وطأة وثقل سلاح حزب الله الذي يتصرف كدولة اقليمية داخل الدولة الوطنية مما يضرب عناصر الدولة حديثة النشاة ، من نوع الانقسامات حول ترسيم حدود الاقليم البحري والجوي والارضي ، وتوزع اللبنانيين جماعات وانتماءت متباعدة . حتى مفاهيم السيادة الحديثة يطاح بها يوميا لصالح مفاهيم مستحدثة في السيادة خارج كل تقاليد قام عليها لبنان وحافظ فيها على شكل من اشكال السيادة الوطنية في مراحل تاريخية عبرت مع الرئيس السابق الجنرال فؤاد شهاب او في برامج الاحزاب الوطنية والتقدمية ، او في ادب الدبلوما راهنا سيات اللبنانية الناشطة التي تعاني بدورها ازمة الانهيارات الكبرى.

لبنان اذا امام مشهدين :

 اتهيار العملية السياسية الداخلية واصبح الكل يعرف مدخلاتها ومخرجاتها والمؤثرات التي تعترض طموحات اللبنايين لبناء دولة حديثة خارج اطار القيود الطائفية والمذهبية.

- مشهد ثاني : مشهد خارجي مضطرب ، يمكن معه اضافة لبنان ا لى مصطلح الاقاليم المنشقة والجمهوريات الصغيرة والمناطق الانفصالية اليوم وهو واقع عبرت عنه ممرات تلك الازمات منذ العام 2005 مع اغتيال رئيس وزراءه رفيق الحريري الذي كان رهينة اشارات التعطيل وردات الفعل الاقليمية العنيفة والانتظارات المفتوحة تارة لمباحثات فينا النووية ، اوطورا المسارات المتعثرة في العراق وسوريا وحرب اليمن ، واخرى مرهونة بمسارات التطبيع العربي مع الاحتلال الاسرائيلي في اعلان واضح لموت المبادرة العربية التي اطلقت من بيروت العام 2002 وما لذلك من دلالات على تحجيم دور لبنان المستقبلي ولعبه اي دور في سياق الضمانات العربية التي كانت تجد فيه اخرمساحات التعددية العربية .

لبنان متروك عمليا في عجلة السباق بين دول منطقة الشرق الاوسط لتطبيع اوضاعها الداخلية في الحد الادنى من استقرار الاوضاع والانصراف الى الاستثمار لاسيما منها السباق بين تركيا واسرائيل للاستثمار في دول الخليج العربي ، على خط التحسب لايران بعد الاتفاق النووي ، وتتطلع اسرائيل الى استثمارات لصناعاتها العسكرية ، وتعقد امالا على زيارة الرئيس التركي الذي تعاني بلاده من ازمة مالية قاسية الى المملكة العربية السعودية عراب نهوض لبنان طوال عقود من السنين منذ خمسينات القرن الماضي . ويراهن الجانب التركي على توقيع جملة من الاتفاقات لمواجهة الصعوبات الاقتصادية والعودة مجددا الى اطروحة داود اوغلو "تركيا صفر مشاكل ".

دول المنطقة جميعها تغلب المصالح والسياسات الداخلية ومواجهة مرحلة من عدم الاستقرار ، بالمقابل يضع لبنان نفسه في قلب الصراع فيبحث عن سوق اخرى لصناعة مسيرات حربية يطلقها حزب الله في توقيت سيئ ، والتي من شأنها اشهار اعلان فشل سلطة الدولة على اراضيها وتمدد هذا الفشل على المناطق الاقتصادية البحرية وفي المجالات الجوية المفترض ان تكون تحت المراقبة الدولية ، ما يقفز بالبلد في المجهول ومعه مقررات المؤسسة القانونية الدولية وقراراتها الدولية ذات الصلة ومنها القرار 1701 .

تحول لبنان الصغير الى نقطة تقاطعات في التسويات المترابطة ، كما في النزاعات المترابطة ، وهو بالكاد يقوى على حل مشاكله الداخلية العالقة .

من الصعب تكهن مستقبل لبنان " كورودور " الازمات التي تمضي بوتائر متسارعة بعد التحرك الروسي على الحدود الاوكرانية واعترافه باستقلال الجمهوريتن الصغيرتين ذات الغالبية السكانية الروسية في اوكرانيا ، وبات ملحا مراقبة تأثير ما يجري على اماكن يشغلها الروسي في منطقة الشرق الاوسط وتحديدا في سوريا وانعكاس ذلك على لبنان وساحات اخرى مفنوحة على التصعيد في علاقات الغرب مع روسيا الاتحادية التي تعاني ازمة اقتصادية وارتفاعات في عدد الاصابات في كورونا ومسالة العقوبات تتجاوز فكرة الردع الى خسائر حرب باردة اقصادية تصيب شظايا ها المتجاورين اوروبا والشرق الاوسط معا . ماذا لو قررت سوريا حذو روسيا في التدخل لصالح مليون ونصف مليون لاجئ سوري في لبنان مرشحة اعدادهم للتزايد سنويا ؟ . كما من الصعب التكهن بنتائج مفاوضات فيينيا ومسالة التوصل الى اتفاق مرحلي مؤقت لسنتين وكيف ستتعاطى ايران مع دول المنطقة ومع لبنان بعد تسجيلها نجاح دبلوماسي باهر هو الثاني في غضون سنوات قليلة ومدى انعكاس ذلك على الاقاليم التي تنشط فيها ميليشياتها التي تشكل عنوانا لعدم الاستقرار الداخلي .

مسألة اخرى تستدعي المتابعة قرار المحكمة العراقية العليا تجميد دستور الحكم الذاتي في اقليم كردستان العراقي واثار ذلك على المنطقة ككل حيث يشكل القرار اشارة بالغة الحساسية تقف بوجه اشكال من ا لطموحات الفدرالية او الكونفدالية هنا او هناك ..

الخشية ان يعود لبنان ساحة صراع جديدة ومزيد من حالة اللااستقرار ومدحل ولجه لبنان على الارجح ولزمن طويل . ليست مصادفة ان تلتقي مجموعة تقارير دولية على ان لبنان تحول الى دولة فاشلة كما في افغانستان وليبيا واليمن وجنوب السودان.. !

ما يجري في الداخل ، الانتهاء من موضوع الموازنة والمفاوضات التي تجري مع وفد الصندوق الدولي وما يرافقها من ملاحقات وتحقيق جنائي ودعاوى وسلة ضريبية بامتياز لا تعدو كونها تفاصيل صغيرة في صحن ناتج قومي مفقود، له علاقة بكل مرتكزات النمو من امن واستقراروثقة اللبنانيين بدولتهم وثقة العالم وفرص عمل واستثمارات وعلاقات دولية تتشابك مع الاشقاء العرب والاصدقاء الدوليين في عالم تتشابك فيه القضايا الدولية اكثر واكثر ، ما يجري لعب خارج الصحن لاسيما ان المقررين هم الاشخاص انفسهم المسؤولون مباشرة او غير مباشرة عن السياسات الخاطئة التي جلعت 80% من اللبنايين فقراء ، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي من دون استراتيجية الى الان . هذا يفسر الكم النوعي من التقارير الغربية التي تجمع بان لبنان لم يقدم مخططا لوضع حد للانهيار بعد مرور سنتين ونصف السنة على ازمة السيولة التي حرمت اللبنانين من مدخراتهم .

هذا المناخ السياسي البائس يزيد من حجم الخسائر ويضع قيودا على اي تغيير سياسي قد تاتي به الانتخابات المقبلة وكثير من الاوهام تجري حولها . حجم الخسائر التي يتكبدها اللبنانيون لا يقاس بالميزان مع عملية انتخابية الكل يعد العدة فيها للتخلص من الاخر بدل الحوار، الكل مع الكل لانقاذ البلاد في الوقت الذي يحتاج فيه البيت اللبناني الى اشد انواع التماسك لمواجة المتغيرات الدولية والاقليمية .في الازمات هناك وقت للعمل و للتحسب والدبلوماسية الوقائية . لبنان يببيع العالم قصصا كاذبة وهمية مثل تاجر البندقية ! . فيما الواقع السياسي الدولي لم يترك مناسبة لتحفيز القيادات السياسية لانتاج سياسات معتدلة . اما بلاهة هاملت السياسي اللبناني لا تنتهي . يلعبون في حوضهم ويلهون على كراسيهم عن مآسي الناس في اكبر سياسة عقوبات داخلية تفرضها سلطة على مواطنيها واشد وطأة . كأنها السلطة صوت اعمى يعقد فرص الاستجابة . فيما تطرح دول العالم سياسات تحفيزية لمساعدة مواطنيها جراء ازمة كورونا والانكماش العام ، تطرح الحكومة اللبنانية موازنة ضريبية بامتياز من دون رؤيا تعزز السلم الاهلي .

في مقاربة مع العراق الذي يقع في نقاط تشابه عديدة مع لبنان اصبح العراق من اكبر المستفيدين من مبادرة الحزام /الطريق التي اطلقتها الصين ، حيث تعمق الصين علاقاتها الاقتصادية مع بلدان الشرق الاوسط من خلال عقود في الطاقة والنفط الثقيل وترميم البنى التحتية وتطوير حقول النفط بقيمة عقود تصل الى 10 مليارات دولار في تحول قوي في حقول الاستثمارات تتبعها عقود مع الدول العربية الششقيقة ولعب دور الوسيط بين ايران والمملكة العربية السعودية . فيما لبنان الى مزيد من التعنت والعزلة واهدر فرص التنقيب عن النفط على حدوده الجنوبية باتفاق اطار كان تحفظ عليه في واشنطن في عهد الرئيس ميشال سليمان منذ عشر سنوات مع الادارة الاميركية نفسها التي تتوسط لترسيم الحدود البحرية على خط 23 الذي اكتسب شهرة تسوية غريبة بنكهة كازينو مونت كارلو حيث اقلعت المبادرة لتسويقها عربيا واكثر .. وسط نزعة الصهر للتفلت من العقوبات الاميركية والطامح الى سدة الرئاسة . النتيجة خلطة سياسية وتوغلا في التيه و المصالح الصغيرة والانقسامات وفوضى التحالفات فوق الوصف وغير موجودة في الكتب . بلد يعيش على خطوط من التوتر العالي قابل للاشتعال. في وقت الكيان اللبناني ككل بحاجة الى تعزيز فرص قيام الدولة والتمسك بها اكثر من اي وقت مضى اذ لا بديل عنها في حل الازمات ومواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية والديموغرافية والاجتماعية والساسية ، هم قيام الدولة بواجباتها ازاء مواطنيها اولا على قدر كبير من التساوي بين الدول المتقدمة والدول الضعيفة ، كيف بحالة لبنان الذي يجاور فوضى مقبلة شرسة .

يقظان التقي اعلامي واستاذ جامعي


الكاتب

يقظان التقي

مقالات أخرى للكاتب

العدد 65

الثلاثاء 30 آب 2022

عودة النازحين السوريين تنتظر الحلول السياسية

يقظان التقي


تعود قضية اللاجئين السوريين في بلدان الجوار الى الواجهة ، وهذه المرة من الزاوية اللبنانية التي تعاني اشباعات في السجالات ، التي تجري بشأنها موسميا ، وبمحصلة تطوى على اللاشيء ، لجهة انحراف الملف عن أهدافه ، في ظل غياب الحلول السياسية . هي العودة الى المراوحة والشعبوية السياسية ، تضاف اليها معاناة العائلات السورية النازحة ، هربا من المجازر والتنكيل ، والممارسات التعسفية التي رافقت الحرب . يتحول الملف الى قنبلة على طاولة اللبنانيين اليومية ، الغارقة بالأزمات الداخلية ، ما يعزز التوترات التي تثير

العدد 54

الخميس 30 أيلول 2021

السياسة تعاسة كبيرة في لبنان

يقظان التقي


" السياسة تعاسة كبيرة في لبنان " ، خلاصة من كتاب التربوي الكبير منير ابو عسلي الذي يعرض لتجربة فؤاد شهاب في بناء المؤسسات ، والتربية من عوالمها الرئيسة والحساسة .


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك