نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 55

الثلاثاء 02 تشرين الثاني 2021

"معاً نستردّ الدولة"... المبادرة الحلّ*

دراسة قانونية

النقيب ملحم خلف

أنا مواطنٌ- كسائر المواطنين- غاضبٌ مقهورٌ مُعذَّب؛ كلّنا نسمع أنين وجع اللبنانيين ؛ كلّنا نشعر بهدير غضبهم، وقد وصل صراخ وجعهم الى كلّ أصقاع الأرض...

يومَ يفشل المعنيون في إخراجنا من الأزمات، وإنقاذ ما تبقّى مِن وطن وجمهورية وإنسانية؛

يومَ تُهمّش مطالب الناس المُحقِّة، في إعادة تكوين السلطة والعبور الى الدولة: دولة القانون، دولة العدالة، دولة الحقّ والحقوق، دولة الإنسان؛

يومَ تُحوَّل دولة لبنان الكبير مِن دولة مشاركة في صوغ شرعة حقوق الإنسان الى دولة بوليسية أمنية منتهِكة كلّ أنواع حقوق الإنسان، ومُمتهِنة كلّ انواع الترهيب والتخويف والوعيد؛

يومَ يُعطَّل عمل القضاء ويُعرقَل الولوج للعدالة وتُحوَّل أروقة قصور العدل والمحاكم الى مذبحة لاستقلالية القضاء، والى مهزلة الانحراف في تطبيق القوانين والاستنكاف عن إحقاق الحقوق؛

يومَ تعود لغة الانتقام واستيفاء الحقّ بالذات وشريعة الغاب وعدالة القبائل؛

يَومَ يُضطهد القاضي النزيه الكفوء الباحث عن الحقيقة وحامي الحقوق؛

يومَ يُهدَر مستقبل الناس وتضيع مدّخراتهم وودائعهم في المصارف، ويُمنَع التدقيق المالي الجنائي، ويُعجَز تواطؤاً عن مكافحة الفساد، ويُخفَق في تسيير كلّ القطاعات وفي تأمين الحدّ الأدنى من العيش الكريم؛

يومَ تُفجَّر العاصمة بيروت وأجساد الأبرياء بأكبر جريمة مُركّبة في تاريخ الوطن، ولا يرفّ جفن، وتتعثّر مسارات القضية وتُطمس الحقائق وتُغتال العدالة؛

يومَ يصل الوضع الى ما نحن عليه، لينفجر في وجه الأبرياء على الطرقات، في متاجر المواد الغذائية، في الصيدليات، في المصارف، في محطات الوقود؛

يومَ تُرفَض كلّ المبادرات للخروج مِن الأزمة الأخلاقية التي أُوقِعَت بها البلاد؛

يومَ ندخل زمن البؤس والذّل والتفرّد والاستغلال والسقوط؛

يومَ يُلَوَّح بالحروب والتقاتل والفوضى؛

يوَم يفشل المعنيّون في تأليف حكومة على قدر طموحات الناس، بل يتمّ استيلاد حكومة قيصيرياً، بعد 13 شهراً من الفراغ، أُسسُها مبنية على المُحاصصات والزبائنيَّات والاستِقطابات.

يومها، اعلموا جيداً أنّ لبنان الرسالة في عمقه الحضاريّ مستهدف.

ونحن أبناء هذه القضية معنيون بتحريرها من مخالب الظلام، لنعيد بعضاً من نورها المخطوف في لحظة صمودٍ، تمهيداً لشعلةٍ يتوهّج من خلالها لبنان الرسالة مجدداً.

اللحظة الراهنة مأسوية.

اللحظة الراهنة تستنزفنا.

اللحظة الراهنة تُراهن على يأسنا وقبولنا بقوى الأمر الواقع على كلّ الأصعدة.

لكنّ اللحظة التاريخية تنتظر تحركاً منّا على مستوى القضية النبيلة التي ننتمي إليها.

اللحظة التارخيّة تترقّب أنْ نُحاسب المرتكبين المجرمين في نهج قضائي لا تشوبه مزاجيات واستنسابيات واستزلامات واستقواءات وتطويعات وترهيبات وإغواءات.

اللحظة التاريخية واعدة.

نحن أمام وقفة ضميرٍ لنعلن أننا لسنا في انكفاءٍ عن الشأن العام من بابه القيميّ، بل نحن في مواجهةٍ مفتوحة.

استهداف المنظومة الحاكمة للثوابت التاريخية التي قام عليها لبنان على مدى مئة عام، يضعنا أمام خيار تاريخي في ترحيل أركان هذه المنظومة عبر إعادة تكوين السلطة لاسترداد الدولة.

إعادة تكوين السلطة بشروط أنّها الراعية لحقوق الشعب اللبنانيّ بأمانة الإنسان وأمنه. هنا في إعادة تكوين السلطة لاسترداد الدولة، معادلة دقيقة يجب أنْ نتحمل مسؤوليتها الجسيمة دون تردّد بالتعاون مع كلّ القوى المجتمعية الحيّة.

لا مكان للتردّد، وتدوير الزوايا.

لا مكان للخوف في هذه المواجهة المفتوحة بين من يريد للبنان أنْ يحيا في وجه من يستأسد في فكفكة أوصال العقد الاجتماعي الجامع.

نحن صمّمنا على النضال لأجل إنقاذ لبنان الرسالة.

ولأنّ اللُّبنانيّات واللُّبنانيّين في حالة من اللّا أفُق، والدَّولة في انهيارٍ كارثيّ، كان لا بُدَّ من مبادرة إنقاذيَّة وطنيَّة أساسُها استرداد الدَّولة بإعادة تكوين السُّلطة في مسار دستوريّ ديموقراطيّ سلميّ غير عنفيّ. فكانت المبادرة الإنقاذية الوطنية "معــاً نســــتردُّ الدَّولـة"، لنقابات المهن الحرة والعائلات الروحية والجامعات والفاعليّات الاقتصادية والهيئات العمالية بمساندة قوى مجتمعية، التي أُعلن عنها في 23 تشرين الثاني 2020، لمناسبة استقلال 2020 في قصــــــــــــر عدل بيروت، قاعة الخُطى الضائعة.

انطلقت في العام الماضي من نقابة المحامين في بيروت، وعُرضت في نقابة المحرّرين وتحصَّنت بورشة عمل لنقابات المهن الحرَّة في نقابة المحامين في طرابلس، وتوسَّع تحصينها بالموازاة مع الجامعات، واستكمل تحصينها مع العائلات الروحيَّة كافة والفاعليَّات الاقتصاديَّة والهيئات العماليَّة، لتواكب من ثمَّ من قوى مجتمعيَّة في التأكيد أنَّها ديناميَّة مفتوحة للجميع. قاربت الأزمة بكلّ انفتاحٍ على كلّ المكوّنات دون أيّ إقصاءٍ لأحد، ورسمت خطوط خارطة طريق عملية سهلة التنفيذ لاسترداد الدولة وإعادة تكوين السلطة، على مرحلتين، نُعيد نشر مضمونها:

في المرحلة الأولى:

إلحاحية تشكيل حكومة، فاعلة، هادفة، عادلة، موثوق بها من مستقلين متخصّصين بصلاحيّات تشريعيَّة محدودة ومحدَّدة ضمن مهلة زمنيَّة محدَّدة على أن يكون في سُلَّم أولويَّاتها:

أولاً: إقرار بدء تنفيذ خطَّة إنقاذيَّة ماليَّة- اقتصاديّة- اجتماعيَّة تقُوم على الأُسس التَّالية:

أ- تعزيز الحماية الاجتماعية للشعب اللُّبناني بإقامة شبكة أمان اجتماعية على مستويات أربعة: التربية، الصحّة، الغذاء والشيخوخة.

ب- تحقيق العدالة في قضيَّة تفجير مرفأ بيروت.

ج- تنفيذ خطة وطنية لمكافحة جائحة كورونا ومفاعيلها والحدّ من انتشارها، والتنسيق في ما بين وزارات الصحة، التربية والداخلية، ونقابتي الأطباء في بيروت وطرابلس، ونقابة الممرضات والممرضين، ونقابة المعالجين الفيزيائيين، وتوحيد الرؤية والخطوات الضرورية في مواجهة هذه الجائحة.

د- إطلاق مسار الإصلاحات الفورية البنيويَّة والقطاعيَّة واتّخاذ التدابير الآيلة إلى إقامة نهج جديد لمناهضة كلّ أشكال الفساد في الحياة العامة، وعلى سبيل المثال:

•مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعيّة.

•مواجهة أزمة الكهرباء وتحلُّل البنى التحتيَّة.

•وقف الهدر.

•إقرار قانون استقلاليَّة القضاء.

•تحصين وتفعيل التدقيق الجنائي في كلّ المؤسسات العامة والمصالح المستقِّلة في القِطاع العام، بما فيها مصرف لبنان.

•إصلاح مسار إتمام المناقصات في القِطاع العام.

•صون الحريّات الفرديّة والعامة وحريّة الإعلام.

ثانياً- في إعادة تكوين السُّلطة:

أ- تنطلق بإقرار قانون مجلس شيوخ بحسب ما ورد في الدُستور، وذلك لتوفير ضمانات للعائلات الرُوحيَّة اللُّبنانيَّة من ناحِية، وتنقِيَة الانتخِابات النيابيّة من القَيْد الطَّائفيّ والمذهبيّ من ناحية أخرى، بما يوائم بين حماية الخصوصيَّات الطائفيَّة والمذهبية بالمعنى الحضاري ويفتح السبيل نحو جمهوريّة المواطنة. (وقد تمّ الانتهاء من مشروع متكامل تمّ وضعه من قبل أخصائيين جامعيين).

ب- إقرار قانون انتخابي خارج القيد الطائفي، على أن يتمّ تعميق النقاش في هذا التحوُّل، بما يُطمئن اللبنانيين إلى أنَّ خصوصيَّاتهم الطائفية والمذهبيّة مصونة لكنْ ضمن سقف المواطنة الفاعلة. (قيد الدراسة).

ج- إجراءُ انتِخابات نيابيَّة وانتِخابات مجلس الشُيوخ في اليَوْمِ نفسه.

إنَّ المرحلة الأولى هذه تؤمَّن تشكيل سلطة نظام المَجْلِسين بما يُعيد الانتظام العام إلى تطبيق مندرجات الدُّستور في خطوة مؤسِّسة نحو دولة المواطنة وجمهوريَّة الإنسان.

في المرحلة الثانية:

قيام مجلس نيابيّ منتخب خارج القيد الطَّائفي والمذهبيّ وإنشاء مجلس الشيوخ في المرحلة الإنقاذيَّة الأولى يؤمِّن تشكيل حكومة جديدة تتوّلى ثلاث مهمَّات أساسية:

أولاً- استكمال تحصين تطبيق الإصلاحات البنيويَّة والقِطاعيَّة مع تدعيم الخطَّة الإنقاذيَّة الماليَّة–الاقتصاديَّة- الاجتماعيَّة المُلِحَّة.

ثانياً- إنفاذ اللاَّمركزيَّة الإداريَّة مع إنشاء صندوق وطني تعاضُدي تنمويّ ما بين المناطق من ضمن سياسة عامَّة متكامِلَة تُبقي روابط وحدة الوطن.

ثالثاً- إقرار قانون أحزاب على قاعدة وطنية غير طائفية.

إنَّ هاتين المرحلتين تؤمنان استعادة بنيان الدولة وتسمحان، من خلال قيام مؤسساتها، بإعادة تكوين السّلطة على قواعد دستوريّة ديموقراطيّة سلميّة تستقيم معها الحياة العامة، وتؤسّسان لخيارات استراتيجية برؤية وطنية جامعة واضحة على كلّ المستويات، لنُنْهض معا وطن "العيش الواحد" المبني على التعاضد مع كُلّ ما تحمله هذه الرَّمزيَّة من سِمات فاعِلة في الوجدان العالميّ.

إنّ مبادئ هذه المبادرة، بقدر ما هي تطبيقٌ لمندرجات الدستور ومقرونة بخطواتٍ عمليّة واضحة المعالم وسهلة التنفيذ، فإنها بالقدر نفسه على حجم أوجاع الناس وآمالهم.

وإنّ مبادئ هذه المبادرة تبقى مفتوحةً للنقاش البناء بما يطمئن كلّ الهواجس، فلا مسلّمات إلا إنقاذ لبنان والعيش الواحد فيه. أمّا المطلوب فواحد: أصحاب الإرادات الصلبة لتنفيذها!

من المصيري، في لحظتنا هذه، أنْ نعود الى هذه المبادرة، وأنْ نناقش مضمونها، في الوقت الداهم، لتحسينها على المستويات كافة، وأنْ نقوم بتحصينها من خلال نشر تبنيها من أكبر عددٍ من الناس ومن القوى المجتمعية الحيّة، وأنْ نسعى بشتّى الطرق لفرضها على المعنيين.

"معاً نستردّ الدولة" هي المبادرة الحلّ.

*نشرت ايضاً في جريدة النهار بتاريخ 11/10/2021


الكاتب

النقيب ملحم خلف


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك