نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 54

الخميس 30 أيلول 2021

مناقشة اولية لمشاريع الفدرالية المقترحة

دراسة

محمد شيا

  يتوجب أولاً القول أن لا مشاريع نهائية مطروحة للقدرالية في لبنان، بل أفكار ومسودات عدّة، أعلنت بطرق مختلفة، وعليه فسأتناول أفكار بعضها فقط.

من السهل، بل المفهوم، أن يندفع المرء اليوم إلى تبنّي خيار الفدرالية شكلاً للإنتظام الدستوري والسياسي للبنان. فصورة لبنان الحالية مختلفة تماماً عن صورة لبنان الكبير كما تخيّلها الأباء المؤسسون سنة 1920، وربما قبل ذلك أيضاً. فقد حلم أولئك بلبنان رسالة تنوع ديني بأفق حضاري إنساني، في وسعها أن تكون نموذجاً لبلدان أخرى في الشرق بعيداً عن الأصوليات الدينية ونزعات التطرف الطائفي والتعصب المذهبي، في وطن حقيقي نظّر له ميشال شيحا ويوسف السودا وآخرون.

لكن لبنان منذ فترة، وخصوصاً الآن، ليس رسالة تنوع ثقافي وديني، بل عنوان لفشل الدولة، وربما الأصح: فشل النظامين العربي والدولي، ويدفع لبنان ثمن ذلك.

لبنان منذ اتفاقية القاهرة سنة 1969، إلى اليوم، مع الأسف، هو غير لبنان التأسيس والمؤسسين. فحين قبلت السلطة في لبنان يومذاك التخلي عن مسؤوليتها على جزء من أرضها الوطنية، إنما كانت تفتتح تدريجاً سلسلة طويلة من حالات التخلي عن مسؤولياتها في كل باب تقريباً، وآخرها التخلي منذ 1990 عن مسؤولية قرار الحرب والسلم، وتسليمه – قسراً مرة ونفاقاً مرة أخرى – لجهة إقليمية أولاً ثم لجهة أهلية محلية مرة ثانية، غير مدركة ، أو ربما مدركة، أن مآل ذلك تدمير وجود الدولة وهيبتها وإمكانية قيامها بوظائفها، وصولاً إلى الفوضى واحتمال تدمير وحدة الوطن بالذات، من خلال جعلها مجرد ورقة في سوق المفاوضات والصفقات الإقليمية والدولية.

                                           II

من باب الإنصاف القول إذاً، أن خلف طلب الفدرالية في لبنان اليوم، (ودعاته مسيحيون في معظمهم) عامل رئيسي، معلن أو غير معلن، وهو:

حماية الخصوصيات والتوازنات الدينية والثقافية التي باتت مهددة من (أ) الأكثريات الطائفية والمذهبية الجديدة في لبنان، و(ب)، مناخ التخلف والتعصب والتشدد والرجعية الذي يغلب على صورة "الآخر" منذ فترة، كما لو أن الصهيونية قد نجحت حقاً في جرّنا إلى موقعها الأصولي، المتعصّب، والخطِر.

 لكن، وبالرغم من مشروعية المخاوف تلك، إلا أنها إنما تستند في الحقيقة إلى وقائع مؤقتة في الأغلب، فرضتها ظروف إقليمية قسراً على اللبنانيين جميعاً، والمؤقت، كما يقول علماء القانون، لا يصلح قاعدة للتشريع.

أمر ثان متصل بالأول شديد الاتصال وأشد خطورة. إذ أن الدعوة إلى الفدرالية منذ بضعة عقود وإلى يومنا هذا لا تنطلق من مقدمات إصلاحية، عقلانية، حضارية، إنسانية ومواطنية جامعة، محورها الإنسان كغاية مطلقة، وتعزيز روح المواطنة وحقوق الإنسان للبنانيين، أفراداً وأقليات، والإسهام أخيراً على أفضل صورة في قيام لبنان المستقبل، ليعمّ ازدهاره كل اللبنانيين (لا فئة واحدة منهم)، وكل المناطق (وليس منطقة دون سواها). بخلاف ذلك، مقترح الفدرالية اليوم، هو أقرب إلى ردّ فعل، إنفعالي، منه إلى المقترح العقلاني الذي يمكن الدفاع عنه.

بمفردات أكثر وضوحاً، إن أخطر ما في دعوات الفدرلة السائدة الآن، هو منطلقاتها "الطائفية" حصراً، باعتراف أصحابها، وبالبنط العريض. هذه "الخطيئة" المثبتة، تذهب برأيي بكل مبررات الفدرالية (المفترضة) التي يجهد أصحابها في التبشير بها.

في السياق عينه، إن أظهر مخاطر الدعوات الفدرالية - الطائفية (وفق ما نراه ونسمعه اليوم) هي أنها تنزلق بسرعة إلى دعوات تقسيمية صريحة. لا شيء يحول دون ذلك، وبخاصة تحت إمعان "الآخر" في انتهاك التوازنات التي قام على أساسها الكيان اللبناني الحديث. لكن نتاجات العملية تلك ستكون، بوضوح، من النوع الذي رأيناه طوال حقبة 1975-1990، وربما بعدها، وعنوانه الفوضى والاقتتال العبثي، ليس مع الاخر فقط، بل داخل "الكانتون" المقترح نفسه.

أعمق من ذلك، وفي الأصل، فالمنطق العام لدعاة الفدرلة يحيل بوضوح إلى منهج استشراقي، سطحي، وخادع، ملخّصه أن الشرق، ولبنان، هو أديان وطوائف لا أكثر. على قاعدة هذا المنطق الاستشراقي (التبسيطي ولكن الخبيث) يدعو البعض اليوم علانية إلى قيام فدرالية، تتضمن كيانات مناطقية موازية للمكوّنات الطائفية الغالبة فيها؛ وجُعلت خارطة الكيانات أربعة: مسيحي، درزي، سني، وشيعي.

لكن المنطق هذا لا يجيب على سؤال بديهي: هل لبنان والشرق كذلك، كما تخيّله الأنثربولوجيون المنظّرون المروّجون لشرعية الانتداب والاستعمار عموماً نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ، (ومنهم الأب لامنس) هو حقاً أديان وطوائف ومذاهب فقط، لا أكثر؟ أين التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للبنان والمنطقة الذي كتبه إيليا حريق (وغيره من المؤرخين الموسوعيين) في ألاف الصفحات؟ وفوق ذلك، أين الصراعات الأفقية داخل الطوائف والمذاهب نفسها: المدينة\الأرياف، الأغنياء\الفقراء، المثقفون\العوام، النساء\الرجال، النخب الاقطاعية\ سائر الجمهور، رجال الدين\العلمانيون، وغيرها الكثير. هل يعقل اختزال ثقافة اللبنانيين الممتدة لقرن ونصف القرن من التنوير (أقلّه منذ "مدرسة" المعلّم بطرس البستاني سنة 1863) إلى مجرد انقسامات عامودية موروثة، طائفية ومذهبية؟

بل من حق المراقب أن يسأل، من وجهة عملية تماماً، عن مدى صلاحية "الطائفية" (التي استفحلت منذ 1991 بفعل المنظومة الحاكمة الفاسدة والتدخل الخارجي الفض) كي تكون قاعدة التشريع "للفدرالية" المقترحة للبنان، خصوصاً بعدما ذاق اللبنانيون، كل اللبنانيين، مآلها وثمارها المسمومة، بل الكارثية؟

وإذا سلمنا جدلاً بالمنطق الطائفي، هل حقاً نحن في لبنان طوائف، أم مذاهب أيضاً، وفق المنطق نفسه؟ وفي ذلك ما فيه من من تذرر بكل المعايير، تذرر لا تستطيع أية فدرالية\طائفية مقترحة تمثيله؛ وهو سبب ارتباكات الخرائط المطروحة بخفة ما بعدها خفة.

التذرر (الطبيعي) ذاك لا يستوعبه غير وطن حديث، تعددي، ذي نظام سياسي ديمقراطي، يشدّ بنيه بعضهم إلى بعض الدخولُ معاً في المستقبل، لا نبش الماضي في عملية هي أقرب إلى الهذيان النفسي المرضي منها إلى السياسة.

                                        II

مقابل التبسيط المستغرب الذي يظهره دعاةُ الفدرالية، هناك جبل من الدراسات والأبحاث التي انجزها مفكرون لبنانيون منذ عشرينيات القرن الماضي وإلى هذه اللحظة– ومعظمهم مسيحيون- خرجت جميعها بخلاصة واحدة:

الطائفية هي مرض الكيان اللبناني، منذ صممه الفرنسيون على قياس مصالحهم؛ هو المشكلة، الآفة المدمرة، بل السرطان الذي تكفل بتدمير كل إمكانية للوحدة الوطنية الحقيقية بين اللبنانيين منذ مئة سنة، فكيف تكون الآن، مع مقترح الفدرلة، الدواء والمدخل لمعالجة مشاكلنا؟

أكتفي من جبل دراسات تفكيك الطائفية وكل خطاب مستند إليها، ببعض ما كتبه المرحوم جوزيف مغيزل في الموضوع حيث عرّى إدخالنا الطائفية معياراً في تسيير أمور دولتنا وحياتنا العامة، يقول:

"...لقد حان الوقت لأن نمر من الموقف المؤقت العقيم، من التجربة الفاشلة، من النظام العاجز: عنيت النظام الطائفي، إلى الموقف النهائي السليم، إلى النظام الوطني الصحيح الذي يضمن لنا كأشخاص مواطنين حقوقنا الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

إن النظام الطائفي لم ولن يحلّ أيّاً من معضلاتنا وأزماتنا، لا بل هو يسهم في خلقها وتعقيدها." (العروبة والطائفية، ص 56-57)

ويخلص مغيزل من ذلك إلى استنتاج أخير:

"وحده النظام الوطني العلماني المتحرر يلبي حاجات حياتنا ويعطي جهودنا ثمارها المرجوة. ولنقل مع رياض الصلح: ’إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في لبنان.’"

                 من البيان الوزاري لأول حكومة لبناني استقلالية، بتاريخ 25 أيلول 1943.

ولأن النتائج هي دائما من نوع المقدمات، فلا عجبَ أن تنتهي أية فدرالية ذات قواعد طائفية نظاماً سياسياً فاسداً لدى الجميع، يهيمن عليها إذذاك تحالف الأقوياء: رجال المال والسلاح والدين. وبسببٍ من هذه المقدمات الطائفية عينها، انتهت التجربة الحضارية اللبنانية الحديثة بعد مئة سنة إلى فشل ذريع نعيشه اليوم، بل إلى كارثة:

أحزاب ممثلة للطوائف، جمعيات ثقافية كل منها معنيٌ بنشر خطاب طائفته، بل أندية رياضية بعدد الطوائف والمذاهب مشحونة بالروح الطائفية لا الرياضية، إلى حد أن مبارة رياضية بين ناديين في كرة السلة من بيئتين طائفيتين مختلفتين كان كفيلاً أن يضع العاصمة على شفا حرب أهلية.

وعليه، يصبح السؤال الموجّه إلى أصحاب المشاريع الفدرالية مشروعاً: هل نستنسخ للبنان أفضل التجربة الأصلية الطائفية الفاشلة (نظرياً وعملياً) في تجارب فرعية من النوع نفسه؟ وما الذي يتوقع أن تقدّمه من جديد أفضل مما ذقنا من تجاربها المرّة السابقة، والمتكررة.

أكرر، مع جوزف مغيزل ومئات المفكرين اللبنانيين، مسيحيون قبل المسلمين، أن العلة بل السرطان إنما هو تحديداً في المدخل الطائفي المدمّر الذي بتنا نفهم نظامنا السياسي من خلاله، فذهب بكل مزايا الليبرالية والديمقراطية، ركيزتا نظامنا السياسي، إلى غير رجعة، وإلى ما وصلنا إليه اليوم.

الطائفية، هي المرض؛ والدِينُ نفسه إنما وجُد لجعل البشر على مثال السماء، لا للتحوّل إلى نظام سياسي على الأرض، أو اساساً للنظم السياسية، كل نظام سياسي – وإلاّ ما الذي يميّزنا من أصحاب الدعوات الدينية والطائفية العنصرية الإقصائية المتعصبة؟

وعليه، ووفق القاعدة أعلاه، ويجب أن لا نختلف حولها، لا يستطيع المراقب إلا الملاحظة، ولنكن صريحين، أن الكيانات الفدرالية المقترحة والموزّعة على أساس الانتماء الديني أو الطائفي ستكون، إذا نشأت، كيانات طائفية صريحة، وخطوة كبيرة إلى الوراء.

                                            III

هل هذا ما يريده دعاة الفدرالية اليوم؟

هل لبنان الطائفي الذي سينشأ مع الفدرالية، شئنا أم أبينا، هو لبنان الذي نروّج له في ثقافتنا اللبنانية يومياً: لبنان فخرالدين الثاني، لبنان العيش الواحد، لبنان التنوع والانفتاح والتسامح؟ لبنان الرسالة الحضارية التي أنارت بعضاً من الشرق في ليل السلطنة العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر؟

في اعتقادي، واعتقاد الكثيرين، أن "لبنان الفدرالي"، لبنان – الطوائف، لا يشبه في شيء لبنان الذي نعرفه وكانت صورته مثالاً للعرب للاقتداء به.

ومن وجهة عملية، وفي حساب النتائج المحتملة الأكثر سوءاً، في اعتقادي واعتقاد الكثيرين فإن التنافس\الصراع المفتوح بين الكيانات الأربعة المقترحة سيكون احتمالاً مرجّحاً، وعندها أيُ سلمٍ نرجو؟ وعن أي استقرارٍ نبحث من خلال تقسيم لبنان الموحّد في الدستور والواقع إلى كيانات طائفية متنافسة متباغضة وربما متقاتلة في عالمٍ راهن هو أقرب إلى الفوضى وغير مستعد للتدخل لحماية أي كان خارج أوروبا؟

هذه محاكمة في السياسة والنظرية لفرضية الفدرالية ومآلاتها المحتملة في لبنان.

إلا أنه لدينا، أكثر من ذلك، تجربة تاريخية واقعية، يمكن القياس عليها واستنتاج نجاح الفدرالية أو فشلها - هي نظام القائمقاميتين في جبل لبنان بين 1842 و1860- غير البعيدة عن تصوّر الفدرالية اليوم.

هل نجحت التجربة تلك بأي معيار من المعايير؟ هل منعت جولات العنف اللاحقة المعروفة؟ هل جلبت الازدهار والاستقرار والديمقراطية لمواطنيها؟ أم أن مواطنيها في القائمقاميتين كانوا بالعكس رعايا خاضعين للهيئات الدينية المسيطرة من جهة، وفلاحين بل أقناناً و خدماً من جهة ثانية لدى الإقطاع الزراعي، والمالي المستجد، الأجنبي قبل المحلي، في القائمقاميتين؟

لن أتوسّع في الإجابات، لأنها جلية ومعروفة؛ إذ مارس الإقطاع المتحالف مع الصيارفة، الذين بدأوا غزو لبنان مطلع القرن التاسع عشر تحت إغراء الاستثمار في استخراج دود القز لصناعة الحرير الأوروبية، والفرنسية قبل سواها، أبشع أنواع الاستبداد الاجتماعي والشخصي؛ ولم يتورع التحالف ذاك (رجال الدين، الإقطاع، رجال المال) عن تحويل الحراك الاجتماعي المطلبي للفلاحين داخل كل قائمقامية (العاميات) إلى صراع طائفي مفتوح مع القائمقامية المقابلة، وليدفع بالفلاحين في القائمقاميتين إلى حرب أهلية طاحنة، لا تخصّهم، حصدت ألاف الضحايا عدا كوارثها الاقتصادية وتداعياتها النفسية التي لم يبرأ منها لبنان إلى اليوم. أكثر من ذلك، يجمع المؤرخون أن إنجازات بيروت وجبل لبنان الحديثة إنما تحققت في عهد المتصرفية، أي في خلال حقبة الوحدة لا القائمقاميات ولا التقسيم.

لن يتغيّر الأمر كثيراً في الكانونات المقترحة. فهي لن تكون تحت سلطة المثقفين وأساتذة الجامعات ورجال القانون، كما يعتقد المتفائلون؛ بل ستكون (الكانتونات الأربعة) تحديداً تحت هيمنة الثلاثي المتحالف: الهيئات الدينية، رجال المال، والأحزاب المسلحة (التي حلّت الآن محل الإقطاعي المهيمن) وذات الخبرة في السيطرة على المرافق العامة.

هل هذا ما نريده من النظام الفدرالي المقترح للبنان: خطوة نفسية - وهمية واحدة إلى أمام، مقابل عشر خطوات فعلية إلى الوراء.

يبقى أخيراً موضوع واحد في حساب الخسائر المؤكدة:

كيف يتخلى دعاة الفدرلة اليوم عن الدور اللبناني، بل المسيحي، التنويري في الشرق؟ لقد لمعت أسماء الأباء المؤسسين في القرن التاسع عشر لا لأنهم كانوا دعاة كانتونات مسيحية بل لأنهم رفعوا راية الاستقلال في وجه السيطرة العثمانية، وراية العروبة في وجه التتريك، ودفع بعضهم حياته ثمناً لذلك. ولمعت، مع إنشاء الكيان اللبناني الحديث، أسماء أباء مؤسسين آخرين – من مثل البطرك الحويك، يوسف السودا، وميشال شيحا، وبشارة الخوري، نصري المعلوف، وآخرين – ممن رفضوا حتى نصائح الفرنسيين باستقلال جزئي، أو "لبنان صغير"، لا تدخل فيه الأطراف؟ هل يتبرأ دعاة الفدرلة اليوم، أو ينتفضون، على من صنع مجد لبنان بتقديمهم للشرق، وربما للعالم، نقيضاً للعنصرية الصهيونية ولكل عنصرية، أي الوجه الحضاري الإنساني الليبرالي الديمقراطي الذي يجب أن يكون عليه الشرق/ شرق عربي حضاري، يقوده شعار المعلّم بطرس البستاني – ومدرسته الوطنية "الدين لله والوطن للجميع"، وحديثاً مع غير شخصية وطنية جامعة، من المطران غريغوار حداد والمطران جورج خضر (وغيرهما كُثُر).

أدرك أولئك جميعاً أن الطائفية في السياسة اختراع تركي-غربي مشترك، ظهر أول ما ظهر في "نظام الملل العثماني" أواسط خمسينيات القرن التاسع عشر، وأن شعبنا كان بريئاً من ذلك طوال ألف سنة من العيش المشترك في ظل حكّام عقلاء، بدليل أن نصف قرى لبنان وبلداته فيها تنوع ديني ومذهبي، فأي تنظيم فدرالي معقد يستطيع أن يتعامل مع لبنان متنوع حتى العظم، صغير المساحة، متداخل السكان، وذو ثقافة واحدة ولغة أولى واحدة – أسهم مسيحيو النهضة قبل سواهم في إعادة اكتشافه وآدابها.

هذه أسئلة برسم الدعاة المبسّطين لفكرة الفدرالية في لبنان اليوم، مع التفهّم الكامل لحّسن نواياهم وتبرّمهم مما آل إليه حالُ الوطن.

أما البديل للفدرالية فيبقى المشروع الوطني الديمقراطي التعددي، واللامركزية الموسعة (على مستوى المحافظة لا الكانتونات الطائفية) على المستوى الآني المباشر القابل للتطبيق، وقد أنجز الوزيران المشرّعات خالد قباني وزياد بارود خطوات عملية متقدمة في تفصيل ذلك.

في كلمة ختامية واحدة، كل مقترح لفدرالية مستندة إلى توزيع طائفي هو باختصار: خطوة في المجهول، ومغامرة غير محسوبة النتائج.


الكاتب

محمد شيا


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك