نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 53

الخميس 02 أيلول 2021

إعادة تشكيل الدولة الحديثة: تغيّرت قواعد اللعبة السياسيّة!

مقال سياسي

رامي الريّس

مع دخول عددٍ من اللاعبين السياسيين والعسكريين من خارج نادي الدول القوميّة أو التقليديّة، تغيّرت طبيعة العلاقات الدوليّة، وتبدّلت بشكل جذري أشكال الصراع، وإتخذّت النزاعات منعطفاتٍ جديدة لا تقل خطورة عن الحروب الكلاسيكيّة، لا بل إنها قد تضاهيها في إتساع رقعتها ونتائجها ومفاعليها السلبيّة.

         بطيبعة الحال، ليست المنطقة العربيّة أو الشرق الأوسط بمعزل عن هذا التطور الدراماتيكي، لا بل هو في صميم هذه التحولات الاستراتيجيّة التي تعيد تشكيل المنطقة وفق عناصر ومعطياتٍ جديدة ووفق موازين قوى مغايرة عن الحقبات السابقة التي كانت تشكل الدول الوطنيّة أساس العلاقات الدوليّة ومرتكزها الأساسي.

         إستطراداً، يمكن القول بأن المنطقة العربيّة شهدت إستيلاد العشرات من تلك المنظمات التي تتصف بعددٍ من العناصر التكوينيّة الخطيرة. إنّها منظمات غالباً ما تكون مسلحة وتمتلك قدراتٍ عسكريّة قد تفوق إمكانيّات الدول التي وُلدت وترعرت ونمت فيها. إن طغيان العامل الأمني والعسكري على عمل هذه المنظمات يُشكل خرقاً للسيادة الوطنيّة للدول التي تنشط فيها حيث من المفترض أن تمارس الحكومات والهيئات الرسميّة حصريّاً وظيفة إحتكار السلاح وحماية الحدود والدفاع عن الأراضي.

كما أنّها هي منظمات تدين بالولاء إلى أنظمة ومحاور لها أجنداتها الخاصة، وهي لا تخفي ذلك، بل تجاهر به وتسعى إلى إشهاره في إطار إعتزازها بهذا الولاء حتى ولو كان على طرفي نقيض مع سياسات الدول التي تنتمي إليها جغرافيّاً ونظريّاً. بالتالي، فإن أي ولاءاتٍ عابرة للحدود من شأن تقويض ليس فقط السيادة الوطنيّة، إنما أيضاً النسيج المجتمعي الدقيق لا سيّما في الدول التي تتميّز بالتعدديّة والتنوّع.

صحيحٌ أن المد القومي وحركات التحرر الوطني ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها التي إزدهرت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي قد تراجعت بفعل نيل معظم الدول إستقلالها وتخلصها من الاحتلال والانتداب ومعظم أشكال الاستعمار (بإستثناء فلسطين)؛ إلا أن مستويات الانفتاح بين الدول وتوفير الشروط الملائمة لحريّة إنتقال الأفراد والبضائع كانت متفاوتة بين القارات.

في الوقت الذي تساقطت الحدود بين الدول الأوروبيّة تدريجيّاً، بقيت على حالها في أمكنة أخرى مثل أفريقيا مثلاً التي تواصلت معاناتها في التراجع والفقر والأمية والأوبئة وتزايدت أطماع الدول الكبرى بمواردها الطبيعيّة الثريّة التي تدافعت في سبيل إستغلالها بمنأى عن المصالح الفعليّة للسكان الأصليين.

أما على صعيد المنطقة العربيّة، فبقيت أشكال التعاون العربي المشترك دون المستوى المطلوب ودون توقعات الشعوب العربيّة ودون تحقيق المصلحة الإقتصاديّة الصرفة، ذلك أن التعاون الإقتصادي العربي- العربي فيه مصلحة أكيدة للأطراف العربيّة بمعزل عن الخلافات السياسيّة أو العقائديّة، حتى ولو أتى من موقع النقيض التام للعروبة. إن عناصر التقارب الإقتصادي كفيلة بأن تحقق تقدّماً ملحوظاً إلا أن غياب الإرادة السياسيّة العربيّة لم يؤد إلى قيام هذا التعاون فحسب، بل ذهب في الإتجاه المعاكس تماماً وهذا نقاش آخر يطول وليس موقعه المناسب في هذه المقالة.

إن عناصر الضعف المركزيّة هذه، يُضاف إليها غياب الديمقراطيّة والحريّات العامة التي تُصادر من قبل الأنظمة الديكتاتوريّة تحت شعارات زائفة وواهية، إنما أدّى ويؤدّي إلى نمو تلك المنظمات على ضفاف الدول المركزيّة مستغلة الإنقسامات السياسيّة والاجتماعيّة كما التراجع الاقتصادي وغياب الرؤية والبرامج الإنمائيّة.

من هنا، فإن إستمرار تلك المنظمات في التوسع الأفقي نحو الساحات العربيّة بات ينذر بعواقب وخيمة من شأنها أن تؤدّي إلى إهتزاز ركائز وبُنى النظام العربي (وليس المقصود هنا طبعاً الأنظمة الرسميّة) وأن يُفسح المجال تالياً إلى أن تتقدّم الدول غير العربيّة نحو المنطقة وتنفّذ سياساتها وأجنداتها ومخططاتها ومشاريعها التي تتناقض بتكوينها وتركيبتها وأهدافها مع الواقع العربي.

ثمّة حاجة ملحة أن تُعاد صياغة الأهداف في المنطقة العربيّة بما يتيح إستعادة التوازن الاقليمي المفقود لصالح الدول الأخرى التي تغلغلت في نفوذها التوسعي إلى مستويات غير مسبوقة وصارت تملك القدرة الكبيرة على تغيير موازين القوى وإختطاف القرار السياسي لتلك البلدان من خلال أدواتها وأذرعها وسحبها نحوها بعيداً عن مسارها التاريخي والتراثي والجغرافي والثقافي.

لبنان بطبيعة الحال ليس بمنأى عن كل هذه التطورات، لا بل هو في قلبها وعمقها، وسقوط النموذج اللبناني يعني سقوط المنطقة برمتها!


الكاتب

رامي الريّس


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك