نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 49

الثلاثاء 04 أيار 2021

الى متى الحرب الأهلية اللبنانية الباردة ؟

مقال سياسي

عصام نعمان

لا غلوّ في القول إن لبنان يعيش وضعاً سوريالياً ، بمعنى مزيج عجيب غريب من التناقضات والتفاعلات والإنقسامات والإشتباكات والتسويات والفضائح والصعود والهبوط والتقدّم والتراجع ما يعجز المرء معه على اعطائه توصيفاً دقيقاً. مع ذلك ، وجدتُ بعد طول عناء ان التوصيف الأقرب الى الصحة هو انه في حال حرب أهلية باردة.

عانى لبنان حروباً اهلية ساخنة مراتٍ عدّة كانت تدوم اسابيع او اشهر او بضع سنوات . اما الحرب الأهلية الباردة فإنها حال مستدامة . لماذا ؟

لأن ظاهرة التعددية في لبنان عميقة ، معقدة ، ومرهقة. آخر حروبه الأهلية الساخنة إندلعت سنة 1975 ولم تهدأ إلاّ بعد إقرار وفرض تنفيذ

إتفاق الوفاق الوطني (الطائف) سنة 1990. الحرب الأهلية الباردة الراهنة إندلعت سنة 2005 بعد إغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري وظلّت متواصلة بدرجات متفاوتة من الحدّة الى ان بلغت إحدى أعلى ذراها بإندلاع الإنتفاضة الشعبية في 17 تشرين الاول/ اكتوبر سنة 2019 التي ما انفكّت تفوروتغور الى يومنا هذا .

هل من بصيص نور في آخر نفق الإشتباكات المتمادية ؟

ثمة صعوبة بالغة في التكهّن لأسباب عدّة ابرزها ثلاثة :

أولها ، كثرةُ اللاعبين المحليين الناجمة عن التعددية العميقة والمرهقة التي سبقت الإشارة اليها .

ثانيها ، تناقضُ المصالح والمطامح التي تمور في عقول اللاعبين المتصارعين وفي أعصابهم .

ثالثها ، تجددُ الحرب العالمية الباردة بين كبار اللاعبين الدوليين ، خصوصاً بين الولايات المتحدة ودول الإتحاد الاوروبي من جهة وروسيا والصين من جهة اخرى ، وإنعكاس تداعيات هذه الحرب على صراعاتٍ سياسية وحروب أهلية أشعلها لاعبون إقليميون كبار كإيران وتركيا و"اسرائيل"، وإمتدت تداعياتها الى دول مجاورة تعاني هي الأخرى حروباً أهلية باردة ، كالعراق وسوريا ولبنان ، وحتى الكيان الصهيوني ايضاً .

أهمُ الحروب الباردة تلك المندلعة بين الولايات المتحدة ومعها "اسرائيل" ودول الإتحاد الاوروبي من جهة، وإيران ومن ورائها حركات المقاومة في بلدان المشرق العربي ، كما روسيا من جهةٍ اخرى.

لئن تبدو إدارة الرئيس الاميركي جو بايدن جادة في العودة الى الإتفاق النووي إلاّ انها حريصة ايضاً على محاولة إنتزاع بعض التنازلات من ايران بشأن معدلات تخصيب اليورانيوم ، وتحجيم صناعة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى ، وكذلك دعمها اللوجستي لحلفائها الإقليميين ولاسيما سوريا وحركات المقاومة في لبنان وفلسطين المحتلة ، كل ذلك بقصد ان تصون اميركا أمن الكيان الصهيوني العدواني وتضمن تفوّقه العسكري والتكنولوجي على جميع جيرانه واعدائه في الإقليم.

ايران ترفض التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة قبل مبادرة واشنطن الى رفع (بمعنى إلغاء) عقوباتها عن طهران . كما ترفض ايران البحث في أي مسائل اخرى في أيّ مفاوضات مقبلة بإستثناء اجراءات العودة الى الإتفاق النووي وإلتزام احكامه. الى ذلك ، ترفض ايران أيّ مساومة او مقايضة بشأن دعمها حركات المقاومة سياسياً ولوجستياً .

بالعودة الى الوضع السوريالي في لبنان ، نجد انه من الصعوبة بمكان التوافق على تسوية مقبولة من اللاعبين الدوليين والإقليميين والمحليين قبل توصّل اميركا وايران الى إتفاق او تسوية بشأن المسائل الخلافية بينهما. ذلك ان اللاعبين المحليين يعلمون جيداً ان واشنطن ، كما طهران ، حريصتان على ألاّ يمسّ تفاهمهما وجود ومصالح حلفائهما المحليين ، ناهيك عن "اسرائيل" التي تتخوّف كثيراً من تعاظم قدرات المقاومة في لبنان وقطاع غزة من جهة ، وتتبرم من تزايد شروط لبنان لضمان حقوقه في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بينهما من جهة اخرى.

الى ذلك ، ثمة إحتمال بالغ الخطورة يكتنف وضع لبنان السوريالي بل وحدته الوطنية والسياسية . فقد توالت الإنفجارات والصدامات والفضائح السياسية والإقتصادية والقضائية على نحوٍ بات يُشكل خطراً على البلاد والعباد.

آخر الفضائح القضائية المدوّية قيام النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان السيدة غادة عون ، رغم قرار المدعي العام لدى محكمة التمييز بكف يدها (!) عن التحقيق في الجرائم المالية ، بمداهمة شخصية مرتين خلال اقل من 48 ساعة لمقر شركةٍ للصيرفة وكسر بابه الحديدي وخلع الأدراج وحصولها تالياً على ملفات ومستندات ومعلومات تتعلق بتحويل مبالغ ضخمة من الدولارات الاميركية بصورة مخالفة للقانون على ما يبدوالى مصارف في الخارج الامر الذي حمل وزيرة العدل ماري كلود نجم على إحالة القضية بكل أطرافها وأبعادها على ادارة التفتيش القضائي للتحقيق بعدما اعترفت بأن القضاء بات مهترئاً وان عليه القيام بإنتفاضة لإصلاح نفسه .

كل هذه الإنفجارات والصدامات والفضائح قد تفضي الى فوضى شاملة والى تفكيك ما تبقّى من هيكلية الدولة الهرمة التي ينخرها الفساد على جميع المستويات ، والى قيام بعض الاحزاب السياسية القوية اهلياً والمقتدرة إقتصادياً وعسكرياً بالسيطرة على مناطق تتمتع فيها بأرجحية شعبية وأمنية وازنة ما يؤدي تالياً الى تحويل لبنان الى جمهورية كونفدرالية تغطّي تقسيماً سياسياً وجغرافياً قابلاً للإستمرار.

      والمؤسف ان القوى الوطنية والتقدمية العابرة للطوائف والمناطق والطبقات لم تتمكن بعد من تعبئة صفوفها في إطار جبهة او إئتلاف وطني عريض ذي رؤية وبرنامج متكاملين لبناء كتلة شعبية وازنة تشكّل نقيضاً وبديلاً من الشبكة الحاكمة والمتحكمة التي تكاد تُجهز على وحدة البلاد ومصير العباد.


الكاتب

عصام نعمان


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك