نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
"بعضهم يستجدي الألم و يمتّع نفسه بالشقاء لكي يصل...
و لكن طريق الفرح هي أكمل و أجدى... كل شيء هو فرح... هو فرح

العدد 43

الثلاثاء 03 تشرين الثاني 2020

من الصحافة اخترنا لكم: الطائفية: جهل ، فساد فكري واغتراب ثقافي

انطوان مسرة

ننتقد المحاصصة والفساد وبذات الوقت تطالب هذه الطائفة أو تلك بحصة وموقع واستعادة حقوق،

ما يعني أننا مُبرمجون ايديولوجيًا على نمطية ذهنية أو بالأحرى فساد فكري، بدون مقاربة علمية ومنهجية وجديّة وعلاجية لمضمون وقواعد تطبيق المادة 95 من الدستور اللبناني.

ان البحث والانسياق في المطالبة عن مواقع واستعادة مواقع من قبل أي طائفة هو تبرير لممارسات في المحاصصة والزبائنية والهيمنة الفئوية. من منطلق ديمقراطي ودستوري ووطني ومصلحة عامة،

لا دفاع عن حقوق طائفة واستعادة حقوق طائفة...، إلا من منطلق مصلحة وطنية عامة وتطبيقًا لمعايير دستورية

ودفاعًا عن مبادئ عامة في المساواة والمشاركة الديمقراطية.

بدلاً من المطالبة بمواقع واستعادة مواقع، يتوجب الخروج عن هذا الاجترار والمطالبة الشاملة بتطبيق المبادئ البديهية في الدستور اللبناني وفي الممارسة الديمقراطية أيًا كانت طبيعة المجتمع!

 ليست "الطائفية" مفهومًا علميًا concept / notion ولا تصنيفًا حقوقيًا catégorie juridique. انه تعبير عام قبل سبعينيات القرن الماضي وقبل تطوّر الدراسات العالمية المقارنة حول الإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية. اثباتًا لذلك ورد في المادة 95 من الدستور اللبناني تعبير "طائفية"، ثم بعد أسطر، "الطائفية السياسية"، ما يعني ضرورة التوضيح. ويورد ميشال شيحا عبارة “confessionnalisme” بين مزدوجين

)Michel Chiha, Politique intérieure, Beyrouth, Trident, éd. 1964, 320 p., p. 79).

1. رياض الصلح: "تمهيدًا واعدادًا"!

 اثباتًا لحالة الاجترار والتكاذب والكسل الفكري والمخادعة... يتم تكرار ما ورد في البيان الوزاري الاستقلالي الأول في أيلول 1943 لرياض الصلح حول "الطائفية"، ولكن مع اختزال القسم الأهم! يقول رياض الصلح حرفيًا مكررًا عبارتي "تمهيد واعداد":

 " إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان. وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة باذن الله. ومن الطبيعي أن تحقيق ذلك يحتاج الى تمهيد وإعداد في مختلف النواحي، وسنعمل جميعًا بالتعاون، تمهيدًا وإعدادًا، حتى لا تبقى نفس إلا وتطمئن كل الاطمئنان إلى تحقيق هذا الإصلاح القومي الخطير.

 "وما يقال في القاعدة الطائفية، يقال مثله في القاعدة الإقليمية التي إذا اشتدت تجعل من الوطن الواحد أوطانًا متعددة."

 ما الذي حصل في عهود احتلال الجيش السوري والاحتلال بالوكالة اليوم ايرانيًا والمتعاونين في الداخل؟ تم تطييف كل مفاصل الدولة والإدارات العامة لجعل أي تطوّر مستقبلي في التطبيق مستحيلاً! كأنه بين "الطائفية" و"اللاطائفية" هوة شاسعة ولا تدرج، "تمهيدًا واعدادًا"، حسب البيان الوزاري الأول سنة 1943 و"حتى لا تبقى نفس الا وتطمئن كل الاطمئنان".

 يعاني اللبنانيون من برمجة أيديولوجية أو اغتراب ثقافي aliénation في ما يتعلق بالمنظومة الدستورية اللبنانية. اثباتًا لذلك عندما خصّصت جلستين في تعليم القانون الدستوري اللبناني في احدى كليات الحقوق حول المادة 95 من الدستور وقاعدة التمييز الإيجابي discrimination positive / affirmative action أو الكوتا، انطلاقًا من الدراسات المقارنة في أكثر من أربعين بلدًا، نقل إليّ الطلاب عن مدير الفرع: علّمهم قانون دستوري! وفي الثمانينيات كتبت مقالاً حول الموضوع في النهار فصدر رد لأحد المثقفين الايديولوجيين: "أنطوان مسرّه عطّار الطائفية!" لا تريدون الدراسة العلمية للمادة 95 من الدستور... خذوا اذا محاصصة!

 المفهوم العلمي، تشخيصيًا ومعالجة، هو قاعدة التمييز الإيجابي أو الكوتا discrimination positive quota / affirmative action. الكوتا معروفة في ما يختص بالنساء وهي تخضع لقواعد ناظمة. هدف قاعدة التمييز الإيجابي: أولاً تجنّب العزل الدائم لأن الديمقراطية تندرج في سياق من المشاركة، وثانيًا توفير الأمان النفسي sécurisation psychologique بعدم الاقصاء عن المشاركة الديمقراطية والمساواة.

2. مشكلة عربية أساسًا!

"الطائفية" في المفهوم المتداول هي مشكلة عربية أساسًا، حيث في كل بلد عربي مشاكل مساواة ومشاركة بدرجات متفاوتة. وفي الأيديولوجية الصهيونية تم تجاهل التعددية بالتهجير وتوطيد هوية دينية في مساحة جغرافية! عندما تتحقق المشاركة والمساواة في المجتمعات العربية وفي المنطقة، يزول كثير من العوائق لبنانيًا.

المنظومة الدستورية اللبنانية منذ 1926، نصًا وروحًا، هي من انتاج عباقرة قبل تطوّر الدراسات المقارنة منذ سبعينيات القرن الماضي. اما الممارسة فهي الأسوأ عالميًا.

 ورد تسمية السلطة التنفيذية في دستور لبنان بأنها سلطة "إجرائية"، أي حسب لسان العرب: "جعل الأمور تجري". ليس للحكومة في لبنان وفي أي بلد في العالم صفة تمثيلية بالمعنى الانتخابي. وورد في المادة 95 تمثيل الطوائف، وليس قوى سياسية وأحجام واحتكار مواقع... وورد في المادة 95 عدم تخصيص أي موقع لطائفة. ووردت شروط الكفاءة والمصلحة العامة (المادة 12، المادة 95...).

3. السيادة أولاً اذا أردنا التطوير

يتطوّر تطبيق قاعدة التمييز الإيجابي بفضل تعميم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمع. لم يكن الوضع مؤاتيًا منذ 1920، وتطوّر بشكل كامل لغاية اليوم، حيث تتوفر كفاءات عالية في كل الطوائف بدون استثناء. لكن يتم تطبيق القاعدة بأسوأ الممارسات الزبائنية، عملاً بمقولة أحد السياسيين: "طالما ان النظام طائفيًا نريد حصتنا!"

 لم يتذمر مرة الرئيس فؤاد شهاب من قاعدة التخصيص الإيجابي واختار أعلى الكفاءات من كل الطوائف. كانت الشكوى من آكلة الجبنة fromagistes ومن الذهنية السياسية السائدة.

 لا يطالب الناس عمليًا بالمساواة، بل بالحق بالمساواة. ان تطبيق قاعدة التخصيص الإيجابي بشكل مغلق، مع احتكار مراكز لطوائف، يولد ادراكًا بعدم المساواة والغبن. ويعمّم تطبيق قاعدة التمييز الإيجابي خارج معايير الكفاءة والمصلحة العامة الممارسات الزبائنية وتفقد بالتالي الإدارة صفتها كخدمة عامة. وعلى العكس يؤدي التقيّد بالمعايير الديمقراطية في التمييز الإيجابي إلى تخطي القاعدة اذ لا يهمني اذا كان أي مدير عام من هذه الطائفة أو تلك اذا كان كفؤًا ويُطبق القانون على الجميع بدون تمييز "فئوي".

يؤدي تطبيق قاعدة التمييز الإيجابي، استنادًا الى المعايير الناظمة لها، الى تخطيها ومرونتها تدريجيًا لأنه يوفر الأمان النفسي ولصالح الجميع. أما التمادي في التطبيق الاحتكاري والمغلق فيؤدي الى انتشار الزبائنية وفساد الإدارة وفشل الدولة وانعدام الثقة بين المؤسسات والمواطنين.

كيف تتطور وتطبّق قاعدة التمييز الإيجابي؟ يتم التطبيق على المستوى الكلي وليس في كل مرحلة تعيين حصرًا، ومع استثناء المراكز العليا ذات الطابع التقني العالي: الجامعة اللبنانية، المصرف المركزي...،

وعدم تخصيص أي مركز لطائفة... واعتماد الكفاءة والمصلحة العامة واعتماد آليات موثوقة في التعيينات...

 دولة الحق هي التي في كل الحالات تحقق الأمان النفسي. في الهند تم خلال أكثر من ثلاثين سنة تأليف حوالي عشرين لجنة لدراسة كيفية تطبيق قاعدة التمييز الإيجابي لصالح طبقة ما يُسمى "المنبوذين" intouchables مع التقيّد بمبادئ الكفاءة والمصلحة العامة

(Christophe Jaffrelot, Inde: La démocratie par la caste, 1885-2005, Fayard, 2005,

594 p.).

 المعضلة الأساسية في لبنان اليوم هي السيادة، أي الدولة التي تتمتع بكامل الصفات الملكية

 (rex, regis, roi) fonctions régaliennes، أبرزها احتكار القوة المنظمة، أي جيش واحد لا جيشان، واحتكار العلاقات الدبلوماسية في "لبنان عربي الهوية والانتماء" (مقدمة الدستور).

 عندما تتحقق السيادة، التي توفر الأمان النفسي للجميع، بدون فرض تغييرات وممارسات بقوة السلاح وباب عال، يمكن اجراء تغييرات هي كلها رديفة بالنسبة إلى السيادة. ما يُطرح من قضايا رديفة يخفي استراتيجية هيمنة خارجية مع تحالف فئوي خارجي.


الكاتب

انطوان مسرة


شريط أخبار تويتر

شريط أخبار الفايسبوك