العدد 37 - مقال سياسي: الطائفية السياسية داء لا دواء والمتاجرة بها تبقي لبنان رهينة للأهواء
مقال سياسي: الطائفية السياسية داء لا دواء والمتاجرة بها تبقي لبنان رهينة للأهواء
 من المعلوم نظرياً، واستناداً للنصوص الدستورية والقانونية، ان لبنان دولة ديموقراطية ذات نظام برلماني يعتبر النائب المنتخب على اساس طائفي نائباً عن الامة جمعاء. وعملياً، استناداُ الى الواقع، كما هي الممارسة الفعلية للحكم والسلطة والادارة، لبنان بلد حكمه طوائفي تنازعي، تتصارع فيه الطوائف على الحصص والمغانم، وتنخره الطائفية السياسية التي تشكل العائق الاكبر امام قيام دولة المواطنة والحداثة في لبنان.
لبنان، هذا البلد الصغير بمساحته وبعدد سكانه، تتقاسم العيش فيه ثماني عشرة طائفة معترف بها رسمياً، ولكل منها كيانه وقانونه الخاص للاحوال الشخصية، وحصته من قالب جبنة السلطة والادارة. ولبنان، بسبب وضعه هذا، هو الدولة الوحيدة في العالم التي لا تجرؤ على اجراء احصاء لسكانها خوفاً من مطالبة بعض الطوائف بزيادة حصتها من قالب الجبنة نتيجة لتزايد عدد ابناء هذه الطوائف.
هذا الواقع الفريد من نوعه والمستمر منذ قرون، كان حمل المعلم كمال جنبلاط على استخلاص الحقائق التالية عن التكوين اللبناني
اولاً: ان التكوين الطائفي السياسي يحول دون صيرورة الجماعة اللبنانية، وحدة وطنية حقيقية، وكياناً سياسياً موحداً وبالتالي شعباً ودولة.
ثانياً: لا وجود لشعب لبناني لأن كل طائفة دينية تنزع الى تشكيل تنظيم وتفكير سياسي مستقل عن سائر الطوائف، وترمي، من خلال ذلك، الى استخدام الدولة واجهزتها لصالحها، بدلاً من ان تسعى لتأمين مصلحة الشعب اللبناني ككل والوطن.
ثالثاً: ان شعب لبنان لا يزال في طور التكوين، ويمر بمخاض عسير. فهل تستمر تسيطر فكرة التجزئة الطائفية على شاكلة مجتمعات وكيانات سياسية دينية مستقلة بعضها عن بعض، ام تقوى وتنتشر وتتغلب فكرة الوحدة الوطنية فتتحول الطوائف الى عائلات روحية تراثية، ولا تبقى كيانات شعبية سياسية تتفاعل ضمن كيان الدولة الواحدة؟.
 
 رابعاً: التكريس الرسمي القائم في الدستور وفي التشريع القانوني، كما في الاعراف المتعامل بها في وظائف الدولة، وفي التمثيل النيابي للطائفية السياسية ، يحول دون نجاح محاولات توحيد الشعب اللبناني، وازالة التناقضات الرئيسية القائمة بين مكوناته لان النظام الرسمي للحكم هو الذي يكرس الطائفية السياسية المسؤولة وحدها عن تمزيق الوحدة اللبنانية
(كمال جنبلاط في كتابه "ثورة في عالم الانسان" ص. 89 – 93 طبعة 1987)
هذه الملاحظات تحدث عنها كمال جنبلاط في ستينات القرن الماضي، وحذر من مخاطرها على الوطن اللبناني والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم : ماذا تغير؟ التساؤلات المطروحة هي هي ، المعوقات المانعة اصبحت مع الوقت اقوى واشد واكثر خطورة. امور كثيرة تبدلت واحداث جسيمة حصلت، ولكنها مع الاسف، عقدت الامور وزادتها تفاقماً. وجعلت قضية تحقيق الوحدة الوطنية واقامة دولة المواطنة اكثر صعوبة.
هذه الحقائق المرّة تدفعنا الى طرح هذا السؤال البسيط اليوم على كل لبناني نفترض فيه الاخلاص لوطنه لبنان: اذا استمر الحال على ما هو عليه من مكافأة المرتشي وحماية السارق ومحاباة الخارجين على القانون وعلى الدولة، والتغطية على القاضي المرتكب والفاسد، ومسايرة المحازبين والازلام على حساب القانون والمصلحة العامة، بحجة الانتماء الى هذه الطائفة القادرة على ذلك او تلك، الا يؤدي ذلك الى استمرار الادارة والقضاء بؤراً للرشوة والفساد، في غياب المراقبة الجدية والمساءلة والملاحقة القضائية، وترك الاجهزة الرقابية تمارس عملها بحرية دون ضغوط عليها وتدخلات من ذوي الشأن الرسمي؟
في 22 ايلول 1962 كتب كمال جنبلاط في جريدة الانباء:
"ان ولاية الرئيس فؤاد شهاب جاءت اكثر من تبدل شخص وعهد. فهي، بفضل، ما تحلى به رئيس الجمهورية من شجاعة معنوية وروح اجتماعية تبغي خير الشعب قبل اي شيء اخر، وفي ما تجلى فيه من عدالة لا تفرق ولا تمبز ولا تحابي ولا تتعصب ولا تجامل..."
وتساءل: "هل سيتوفر لنا في المستقبل رئيس يستطيع ان يتابع هذه السياسة ويحقق هذا النهج ويتمرس بهذه الروح، وبهذا الحدب المحب والمخلص على الفئات الشعبية ايا كان لونها ومذهبها او حزبها ومكان سكنها؟"
هذا التساؤل لا يزال يبحث عن جواب. ومازلنا نحلم بهكذا رئيس يخرج لبنان من محنته ومعاناته، يترفع عن الاطماع والرغبات الشخصية والعائلية والحزبية والفئوية والطائفية، ويعمل لانقاذ لبنان من مرض الطائفية السياسية العضال، وبناء دولة المواطنة العادلة التي تساوي بين المواطنين فينال كل منهم حقه المشروع، ويقدم مختاراً على القيام بواجباته تجاه دولته الراعية للجميع.
ان الوحدة الوطنية التي هي لحمة الدولة الوطنية لا تتحقق بالتكاذب المشترك ، ولا بالتعصب المتبادل والمناكفات، ولا بالتكتل الطائفي لكل فئة من المواطنين في مواجهة الفئات الاخرى. ولا يمكن للقبول المذعن القسري بالتعايش المشترك في ظل نظام يقوم على الطائفية السياسية ان يسمى وحدة وطنية.
 
 الطائفية السياسية ذات الجذور الراسخة في لبنان هي التي افسدت نظام الحكم الديموقراطي وعطلت تطبيق الدستور على مختلف العهود الرئاسية.
الطائفية السياسية هي التي مزقت شمل الشعب اللبناني وجعلت منه مجموعات متعددة سياسياً على قدر ما تنتمي الى طوائف متنوعة. وهذا ما جعل لبنان اقرب الى اتحاد فدرالي طوائفي منه الى دولة ديموقراطية برلمانية موحدة سياسياً.
هذا ما رآه كمال جنبلاط في ستينات القرن الماضي وقال عنه:
""ان تطبيق قاعدة الطائفية السياسية في الدستور وفي الحكم وفي القوانين العامة هو الذي اقفل عملياً، وعلى مرّ العهود، الابواب في وجه ارباب الكفاءة السياسية والمعنوية والعلمية (جريدة الانباء في 12/2/1969).
وبمناسبة ما يدور اليوم على بعض الالسنة حول الطائفية السياسية، أكانت مارونية ، أم سنية، أم شيعية، عودة الى التاريخ لعلمنا ان فيه الكثير من العبر لمن يعتبر ، فنستلخص الدروس مما فعلته الطائفية السياسية بلبنان واللبنانيين. هذه قصة الطائفية السياسية :
معاناة لبنان من داء الطائفية السياسية الخبيث تعود بداياتها الى اربعينات القرن التاسع عشر. فبعد سقوط الامارة الشهابية فرض العثمانيون بالاتفاق مع الدول الاوروبية ذات المصالح في لبنان، نظاماً جديداً له على اسس طائفية سنة 1841 سمّوه نظام القائمقاميتين لحكم سنجق جبل لبنان، قائمقامية درزية في القسم الجنوبي من الجبل، وقائمقامية مارونية في قسمه الشمالي رغم وجود سكن طائفي متنوع في كلتي القائمقاميتين. فماذا كانت النتائج؟ اقتتال ومذابح طائفية نشبت سنة 1845 ، ووصلت الى ذروتها سنة 1860.
وبحجة انقاذ اللبنانيين ارتأت المجموعة الدولية ذاتها اخضاع لبنان الى نظام المتصرفية الذي كرّس الطائفية السياسية اساساً للحكم وللادارة، فاستمرت الخلافات والمناكفات والمخاوف التي دفعت بالكثيرين من اللبنانيين الى الهجرة فخسر لبنان ثلث سكانه .
ومع انتقال لبنان الى حكم الانتداب الفرنسي اعلن قيام دولة لبنان الكبير سنة 1920، ثم اعطي دستوراً حوّله الى جمهورية سنة 1926، مع تكريس الطائفية السياسية،وتغليب الطائفة المارونية على سائر الطوائف، فازداد التعصب الطائفي لدرجة دفعت الكثيرين من المسلمين لرفض الانتساب الى هكذا وطن مذهبي.
وعندما نال لبنان استقلاله سنة 1943 وعدّل دستوره، ابقى على الطائفية السياسية اساساً للحكم والسلطة وتوزيع المناصب والمهام مع ارجحية واضحة للطائفة المارونية، ومحاولة خجولة للتخفيف من وقعها بالاعلان عما سمي الميثاق الوطني للتعايش بين اللبنانيين. وبسبب النظام القائم على الطائفية السياسية وما رافقها من فساد وزبائنية وتفرقة وتمييز، انتهى العهد الاستقلالي الاول بثورة سنة 1952 البيضاء، والعهد الاستقلالي الثاني بثورة سنة 1958 الدامية.
 
 واما محاولة الرئيس فؤاد شهاب بناء الدولة الحديثة فقد عطلتها الطائفية السياسية رغم السعي لإلغاء الغبن واعتماد سياسة النصف بنصف في توزيع المناصب بين المسلمين والمسيحيين.
وفي العهود التي تلت استفحلت الطائفية السياسية وزادت قدرتها على توتير الاجواء ، والعصبية والانقسام، وانتهت الامور الى نشوب حرب اهلية مدمرة سنة 1975 ما زلنا الى اليوم نعاني من تداعياتها. ورغم محاولة الانقاذ التي ادت سنة 1989 الى اتفاق الطائف الذي تحول الى دستور جديد للبنان، وتضمن السبل الكفيلة بإخراج لبنان من محنة الانقسام الطائفي والمذهبي ، والعمل على مراحل لاقامة دولة الوحدة والمواطنة، فان ممارسة الحكم استمرت ولا تزال الى اليوم تتحدث عن الوحدة الوطنية ، وتتغنى بالعيش المشترك، وتمارس الطائفية السياسية وتتنازع على الحصص. واستمر اللبنانيون يعيشون في حالات صعبة ويعانون من التخلف والانقسام وفقدان الامل من قيام دولة عادلة تنقل لبنان الى الحداثة والعصرنة، وتضمن للشعب اللبناني، بكل فئاته ومكوناته العيش الكريم وتكافؤ الفرص وممارسة الديموقراطية في اوجهها الثلاثة
السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
كلمة اخيرة على شكل نداء: الداء الطائفي قاتل والدواء الشافي منه معروف. اخرجوا من عباءة الطائفية السياسية بالفعل لا بالقول، واوقفوا المتاجرة بحقوق الطوائف. عودوا الى الدستور واعملوا بصدق لاقامة الدولة المدنية العلمانية التي تحترم خصوصيات الجميع الدينية، وتكفل لهم العيش الكريم والعدالة الاجتماعية والمساواة امام القانون الموحد للجميع ولصالح الجميع، فهل من يسمع ويعتبر ويقدم على التغيير؟
ونقول مع كمال جنبلاط: ان التعصب الطائفي والعنصري هو الذي رفض التغيير، ومع ذلك فالتغيير سيحصل حكماً مهما تباطأ المسؤولون وغير المسؤولين في مباشرة تحقيقه.
(من مقال له في جرية الانباء بتاريخ 12/11/1975)