العدد 36 - دراسة: العرب قبل الاسلام: تاريخ لم يعد مفقوداً
دراسة: العرب قبل الاسلام: تاريخ لم يعد مفقوداً
 منذ سنوات وأنا أتابع عن كثب العديد من الأبحاث المنشورة، التي تكشف النقاب عن تاريخ العرب قبل الإسلام، هذا الحقل المعرفي الذي ما زال كتاب العالم العراقي المرموق جواد علي يحتل مساحة كبيرة فيه، فالمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ليس موسوعة حفلت بالمعلومات، بل طرح علمي تحليلي عميق، ثبت بالزمن صحة استنتاجات جواد علي في كثير من النقاط الجدالية، لكن الآن البحوث تكاثرت إلى حد أن الإلمام بها بات صعباً، فحولية الأطلال التي تصدر في المملكة العربية السعودية أضافت الكثير، ثم سمنار الدراسات العربية الذي يعقد في المتحف البريطاني في صيف كل عام أضاف الكثير، والحفريات الأثرية في شبه الجزيرة العربية أضافت الكثير، غير أنني توقفت عند كتاب مترجم صدر مؤخراً عن دار جامعة الملك سعود عنوانه «العرب في العصور القديمة من الآشوريين إلى الأمويين» من تأليف يان ريتسو وترجمة عبد الله العبد الجبار والسيد جاد، أثار انتباهي ولفت نظري إلى مناقشات في الدوائر الأكاديمية في الغرب، لم نلتفت إليها كثيراً. بالنظر بدقة في مصادر ومراجع هذا الكتاب سنرى غياباً ملحوظاً للعديد من المصادر العربية والأبحاث التي صدرت لعلماء عرب، مثل كتابات عبد الرحمن الأنصاري عن الفاو وسليمان الذيب عن الأنباط والثموديين .. إلخ.
يذهب المؤلف إلى أن مصطلح «عرب» يشير إلى مجتمع من الناس الذين يتصفون بأنهم محاربون، ويعملون تحت إمرة بطل مؤله، وأنهم كانوا مرتبطين ارتباطاً وثيقاً باستخدام الجمل المستأنس، هذا التوصيف سرعان ما يخرجه المؤلف من التعميم على كل العرب إلى التخصيص، فالعرب في أوراق البردي في مصر البطلمية لا يرتبطون ارتباطاً مباشراً لا بالحرب ولا بالجمال، لنجده يعيد التوضيح بالأساس إلى مجتمع يمثل ملكية خاصة لبطل نصف مؤله، يقودهم بوصفهم قوات شرطية في أثناء احتفالات معينة تصور تجدد الحياة. وكان هذا المجتمع موجوداً في أماكن عديدة في بلاد العرب وفي المناطق الحدودية. وكانت العضوية تتم على أساس طقوس معينة للانضمام تشمل سهر لليل قص الشعر، كانت هذه الطقوس تتم في مكان يسمى هجر، وظل العرب مجتمعاً مغلقاً ومستقراً في قرى خاصة منتشرة بين الجماعات الأخرى المستقرة، أو مقيمين على الحدود بين الصحراء والأراضي المزروعة. وكانوا يراعون عدداً من المحرمات الخاصة التي تمنعهم من الإقامة في بيوت مشيدة على الحدود بين الصحراء والأراضي المزروعة، هنا هو افتراض أن كل العرب بدو يقيمون على أطراف المناطق الحضرية، والسؤال هنا ماذا عن يثرب والطائف؟ وكلاهما مناطق مارس فيها العرب الزراعة قبل الإسلام، هو هنا يحاول أن يجعل الأنباط هم المزارعين الذين لديهم حضارة زراعة، وهو أمر بلا شك كان يحتاج من بان ريتسو مزيداً من التدقيق.
 
 يرى بان ريتسو أن الجماعات العربية انجذبت إلى التاريخ العالمي بواسطة الأشوريين، حيث استخدم العرب كقوات مساعدة، ويشير أنه منذ عهد تيجلات بيليسر الثالث وما بعده جرت محاولات للسيطرة على المجتمعات العربية في بادية الشام، ولكن تم استخدامهم حراساً في الصحراء المصرية وقوات للشرطة في بلاد الرافدين، وحتى موظفين في الإدارة، وظهر العرب في أول مستوطنة حضارية في دومة نتيجة للاحتكاك مع الآشوريين. وقد استمرت عملية تكامل العرب مع النظام العسكري للإمبراطوريات الكبرى، وازداد إيقاعها مع الأخمينيين الذين أقاموا العرب حول إمبراطوريتهم. وبالإضافة إلى المنطقة الحدودية بين سورية ومصر، كان العرب أيضاً موجودين داخل مصر ذاتها، وفي منطقة جبال لبنان الشرقية وفي شمال الجزيرة. وقد لعبت هذه القبائل العربية دوراً مهماً في تاريخ الشرق الأوسط حتى انهيار المملكة السليوقية ووصول الرومان. وتمثل المرحلة من 500ق.م إلى 100 ق.م قمة ازدهار العرب في العصور القديمة، وبخاصة في سورية حيث قام العرب بدور مركزي في الصراع بين الورثة المباشرين للحكام الأخمينيين: السليوقيين والبطالمة. وكان المركز الرئيس للعرب هو المملكة العربية النبطية الواقعة بين فلسطين ومصر، التي تأست في الأصل في أواخر العصر الآشوري، واستمرت حتى القرن الأول الميلادي. وكان مركز هذا الكيان، بالإضافة إلى النبط المزارعين والتجار، هو قبيلة قيدار التي كان يقودها، وبدورها، ملك عربي. وبالإضافة إلى هذا المعقل للوجود العربي، كانت هناك بلاد للعرب بين النهرين ونهر الخابور وجبال سينجار، وكانت موجودة منذ المرحلة الآشورية الأخيرة، واستمرت حتى القرن الثالث الميلادي. وقد انعكست الأهمية المتزايدة للعرب التي تسبب فيها الأخمينيون في ظهورهم في الكتابات اليونانية منذ عصر هيرودوتوس إلى هيرونيموسالكاردي، التي تشكل، على رغم كونها تقارير من الدرجة الثانية كتبها أناس من الخارج، المصادر الأساسية المتاحة لدينا عن المجتمعات العربية.
وقد بدأت مكانة العرب في سورية والبلدان المجاورة تتناقض مع وصول الرومان في القرن الأخير قبل الميلاد، وبلغ الأمر ذروته في القضاء على المملكة العربية النبطية عام 106م. واستمر العرب يلعبون دوراً مهماً في الجزيرة لمدة قرن بفضل الصراع بين روما والبارثيين. ولكن حدث في أثناء القرن الثالث الميلادي أن تم القضاء على المملكة العربية في الحضر مثل نظيرتها المملكة العربية النبطية، واختفت من التاريخ. وكان آخر العرب في الشمال هم عمرو بن عدي وامرؤ القيس الذي ظهر بدعم روماني في أعقاب سقوط تدمر. وفي الشرق الأوسط حل نظام عسكري جديد محل العرب، يعتمد على تجنيد سكان الصحراء المعروفين بالساراقسنيين. وكان من بينهم بطبيعة الحال عدد كبير من أصول عربية، ولكن العرب كمؤسسة فقدوا أهميتهم بسبب المتغيرات السياسية وبسبب تطور تقنيات عسكرية جديدة: استعمال الخيول والفرسان المسلحين.
 
 كذلك فإن الممالك العربية الجنوبية وظفت العرب بوصفهم حراساً للحدود وقوات مساعدة، على الأقل منذ القرن الأول الميلادي. ولم يعرف الزمان العربية على المؤسسة العربية في بلاد العرب الجنوبية بل استمرت تعمل حتى ظهور الإسلام. كذلك فإن المجتمعات العربية القديمة استمرت في أجزاء أخرى من بلاد العرب أيضاً، مثل الحجاز والأحساء واليمامة، دون أن تتأثر على وجه العموم بظهور وسقوط الإمبراطوريات. لقد كانوا يمارسون دورهم في بعض الواحات الرئيسة أو حولها، على سبيل المثال، بوصفهم حراساً في أثناء الاحتفالات، كما يتبين من الرواية المتعلقة بالتاريخ المبكر لمكة. وعلى الرغم من أنهم كانوا قد فقدوا ثقلهم العسكري الذي كانوا يتمتعون به في الأصل بسبب التحول إلى الساراقينيين، أي بسبب تقديم تقنيات عسكرية جديدة في بلاد العرب، فإنهم استمروا يتمتعون بالمكانة. ولكن تأثيرهم الأكثر استمراراً كان نشر اللغة التي حملت اسمهم، والتي كان يستخدمها في الأصل العرافون ورجال الدين، الذين ظهروا عندئذ كأداة لنشر تقاليد الشعر الشفهي الذي كان سريع الانتشار بين القبائل في بلاد العرب بعد عام 450م. وكان عدد كبير من الجذور المهمة للتقاليد الشعرية يرجع في الأصل إلى العرب المقيمين في بلاد العرب الجنوبية إلى جوار الإمبراطوريات الموجودة هناك، ويرجع انتشارها إلى حكم الحميريين وعمالهم في بلاد العرب الشرقية والوسطى.
وكان مفهوم العرب على وشك الاختفاء تماماً عندما استجدت أحداث رئيسة في الحجاز في العقود الأولى من القرن السابع الميلادي. لقد ظهرت رسالة الدين جديد بلغة العرب، وكانت هذه علامة على كونها لغة ذات أصل إلهي. وعندما تأسس المجتمع الإسلامي في المدينة، فإنه اشتمل على جزء من العرب التقليديين الذين تم تجنيدهم كحراس لتلك الواحة، والذين كانوا ينتمون في الأصل إلى الصفوف الدنيا من الحركة الجديدة. وعندما أصبح البيت الحرام في مكة في النهاية نقطة التجمع للإسلام حوالي عام 630م، أصبح العرب الذين كانوا يتولون دور الحراسة والحماية أثناء تأدية الشعائر الدينية، والمستقرين في «قرى العرب» في الحجاز، مرتبطين بالحركة الجديدة ولعبوا دوراً مهماً في عقدها الأول. وبالإضافة إلى ذلك فإن مصطلح الـ «عرب» تم إحياؤه كمخصص لبعض القبائل التي ظهرت كمؤيدين للرسول (صلى الله عليه وسلم)، صاحب الوحي الجديد. وكان العرب التقليديون من قرى الحجاز ينتمون إلى هذه المجموعات في التاريخ الإسلامي المبكر، الذين كانوا يفقدون تأثيرهم بشكل منتظم أمام ظهور ارستقراطية قريش والأرستقراطية التقليدية في القبائل الكبرى في بلاد العرب الوسطى والشرقية. ومنذ خمسينيات القرن السابع الميلادي بدأ هؤلاء العرب والمسلمون من المدينة في الظهور معاً في تحالف بين الجماعات التي تتناقض أهميتها. وكان تحالفهم أمراً طبيعياً نظراً لأن كلاً منهم قام بدور المساعدين والمعاونين للجماعات الأساسية في الحركة الإسلامية.