العدد 35 - أوتوسترادات الذكاء الاصطناعي ترافق مشروع تجديد "طريق الحرير"
أوتوسترادات الذكاء الاصطناعي ترافق مشروع تجديد "طريق الحرير"
 لدى التدقيق في خريطة خطوط الإنترنت، وهي المواصلات الافتراضيّة للعالم المعاصر، نجد أن شبكة المعلوماتيّة الدوليّة كأنما أنجزت بنيتها الأوليّة للمواصلات، وركيزتها الأساسيّة هي «أوتوستراد المعلومات»، بعدما باتت تشرنق الكرة الأرضيّة بشبكات متشابكة من الألياف الضوئيّة Fiber optic الحاملة للمعلومات.


وفي هندستها العامة، تسير شبكات الكوابل في «مسار» شبكات كوابل الهواتف التقليديّة الدوليّة وأحياناً تحل محلها. وفي كلا الهندستين، بدأ الأمر بشبكة كوابل تسلك مساراً معيناً على الأرض، ثم انتقلت الشبكات إلى البحار والمُسطّحات المائيّة الكبرى التي تربط القارات كلّها. لنتذكر أنّ هواتف غراهام بيل رسمت هندستها على البرّ في البداية. كان البحر والمحيطات هو الخطوة التالية بأثر تشابك مصالح الدول الغربيّة، خصوصاً الأهمية المتصاعدة تاريخيّاً للولايات المتحدة (العالم الجديد، وفق تعبيرات ذلك الزمان)، وضرورات التجارة العالميّة، وتمدّد مصالح الغرب إلى دول الجنوب كلها، أياً كان التوصيف لذلك «التمدّد» ولنتذكر مثلاً أن بريطانيا وُصِفَت قبل الحرب العالميّة الثانية بأنها «الإمبراطوريّة التي لا تغيب عنها الشمس»؛ وأسباب اخرى تطول قائمتها. بعد ذلك، لم يعد يكفي البر والبحر (على رغم أن الكابلات البحريّة التليفونيّة طوّرت هندستها الداخليّة نوعياً عبر استعمال موجات الـ «ميكروويف»)، بل أضيف إليه الجو والفضاء. ونسجت المكالمات شبكاتها في الهواء مستخدمة موجات الراديو المتنوعة.

وبدأ تطور الهندسة الاستراتيجيّة للإنترنت بنسجها شبكة على الأرض تحت اسم «آربانت» ARPANET، برعاية مؤسّسة «داربا» DARPA (اختصاراً لـ «وكالة المشاريع الدفاعيّة المتقدمّة» Defense Advanced Research Projects Agency) في البنتاغون، ورَبَطت أساساً منظومة الصواريخ النوويّة، وتولت مجموعة من الاتّصالات في المؤسّسة العسكريّة الأميركيّة. وقفزت بتواضع في البداية إلى الاستخدام المدني المحدود، لكن الأهم أن مصالح حلف الأطلسي فرضت نفسها على هندستها، فعبرت ذلك المحيط لتربط أطراف ذلك الحلف. بعد اختتام الحرب «الباردة»، تمددت شبكة الإنترنت بسرعة إلى الحياة المدنيّة، وانتشرت كذراع رئيسية للعولمة الحديثة. وسرعان ما صارت البحار والمحيطات هي المساحة الرئيسية لتمدّد شبكات الإنترنت، وركزت المشاريع الهندسيّة الكبرى لكوابل الضوئيّة على «السير» في قاع المحيطات، بمحاذاة كابلات الهواتف التقليديّة أحياناً، لكن باستقلال عنها في معظم الأحيان. وعندما يخرج مارد تلك الشبكة من المحيط، فإنه يسير بمحاذاة خطوط النفط أحياناً، وشبكات الكهرباء الكبرى أحياناً أخرى، مع ملاحظة أن هناك شبكات بريّة ضخمة للإنترنت، هي تلك التي تتولى كل دولة نشرها على أراضيها.
 
 في خطوة تالية، بدا كأن الأرض ومحيطاتها لم تعد تشبع شَرَه شبكة الإنترنت في «طرق» المواصلات، فلجأت إلى الانتقال جواً بالموجات والأقمار الاصطناعيّة، وبأضعاف أضعاف ما فعلته مع شبكات الهواتف التقليديّة. والأرجح أن الحديث عن الإنترنت الفضائيّة، يفيض عن مجال هذا المقال.

ذراعا المارد الشبكي: «فلاغ» و»سي- مي- وي»

على يابسة الأرض، وإضافة إلى الشبكات الوطنيّة للدول، هناك ذراعان ماردان لشبكة الإنترنت هما: «رابط الألياف الضوئيّة حول الكرة الأرضيّة» Fiber optic Link Around the Globe (اختصاراً «فلاغ» FLAG)، ومشروع «سي- مي- وي» SEA- ME- WE الذي دخل الآن مرحلته الخامسة.

تتمثل الذراع الأولى في مشروع «فلاغ» الذي يستند إلى نوع مميز من الألياف الضوئيّة هي كوابل ما تحت البحار للاتّصالات Submarine Communications Cables. ويبلغ طوله 28 ألف كيلومتر. ويربط بريطانيا والهند واليابان والولايات المتحدة، إضافة إلى دول تقع ضمن ذلك المسار.

ويغطي قرابة ثلاثة أرباع سكان الأرض. ويعتبر الكابل الذي يربط أوروبا بآسيا، رابع أطول كابل عالميّاً. وجرت عملية إرسائه في منتصف عقد التسعينات من القرن العشرين. وتبلغ سرعته في نقل المعلومات 10 غيغابيت/ثانية. وينقل ما يزيد على 120 ألف قناة صوتية سوية.

ووضعت كوابل «فلاغ» في الخدمة أواخر العام 1997. (في ذلك العام نفسه، هزم الكومبيوتر «ديب بلو» بطل الشطرنج الأسطوري غاري كاسباروف مكرّساً تفوّق ذكاء الآلات على البشر في تلك اللعبة، وسارت أولى مركبات البشر الروبوتية على المريخ، وانتقلت مجموعة من التطبيقات العسكريّة الأميركيّة إلى الاستعمال المدني كنظام «جي بي أس»، ولُعبَت أولى المنافسات الدوليّة في كرة القدم النسائيّة بعد أن نالت اعترافاً الـ»فيفا» وغيرها. هل مجازفة القول بأن تلك التقاطعات ليست مجرد مصادفة؟).
 
 في العام 2006، أعلن عن إنجاز تطوّر نوعي في «فلاغ» الذي صار اسمه يختصر عبارة تقنية جديدة هي «أنبوب الكابلات حول الكرة الأرضيّة»Fiber Loop Around the Globe.

وتشير كلمة «لووب» Loop في الاسم الجديد إلى ممر للنقل، سواء انتقلت فيه الأجساد أو المعلومات أو البيانات أو المركبات أو أشياء أخرى. وتمثّل التطوّر في اعتماد أساليب متطورة في هندسته الوظيفية، فتضاعفت قدراته في النقل السريع للبيانات والمعلومات.

تمثّل شبكة كوابل «سي- مي- وي» الذراع المارد الرئيسي الآخر في هندسة شبكة الإنترنت. واستُهِل العمل به في 1985، ليكون بطول 13500 كيلومتر، وبقدرة محدودة (12/25 ميغاهيرتز، بمقاييس موجات الراديو وترددات الميكروويف) في نقل الأقنية الصوتية للمكالمات والاتّصالات، مع ملاحظة أنه اعتمد على النحاس في تركيبته وعلى تقنية البث التوافقي المعتمد في الهواتف الأرضيّة التقليديّة. وأُنجِز عام 1999.

وسرعان ما قفزت مشاريع تطوير شبكة كابلات «سي- مي- وي»، مع تغيير في هندستها مع كل مرحلة نوعية فيها، مع ملاحظة أنها مراحل متداخلة ومتشابكة وليست متسلسلة، بمعنى أن تنتهي مرحلة كي تبدأ اخرى. وامتدت المرحلة الثانية بين عامي 1994 و2006، محدثة تغييراً نوعيّاً في هندسة الشبكة بانتقالها الى الاعتماد على كوابل الألياف الضوئيّة، والاستغناء عن التركيبة المعدنيّة فيها. وبلغ طولها 18 ألف كيلومتر، مع سرعة نقل 2 × 560 ميغابيت/ثانية. وفي صيف 1999، وصل «سي- مي- وي» المرحلة الثالثة، مع سرعة نقل 8 × 5.6 غيغابيت/ثانية، وبطول 20 ألف كيلومتر. واستُهِلّت المرحلة الرابعة في خريف 2005، مع سرعة نقل 2 × 64 × 10 غيغابيت.

أبعد من كثافة التنقّل الإلكتروني

في العام 2014، أُعلِن عن المرحلة الخامسة في «سي - مي - وي» بطول 20 ألف كيلومتر، مع سرعة نقل 3 × 80 × 100 غيغابيت/ ثانية أو ما يوازي سرعة نقل تصل نظرياً إلى 24 تيرابيت/ ثانية. وتمر في محطات تقوية من دون إضافة رسوم إضافية، في مرسيليا (فرنسا) ومارماريس (تركيا) وباليرمو (إيطاليا). ولعل الأبرز في هندستها هو أنها تتكامل مع كوابل ما تحت البحار في بقية شبكة الإنترنت، عند مرورها في المملكة العربية السعودية ومصر وجيبوتي وسنغافورة وسيريلانكا.
 
 بذا، تجمعت شبكة خرافيّة الحجم في قيعان المحيطات والبحار، تضم ما لا يقل عن 285 كابل أساسي للاتّصالات الافتراضيّة عبر شبكة الإنترنت، وهي قابلة لمضاعفة قدراتها في نقل الحركة الإلكترونية بصورة مستمرة، مع العلم أن هناك «كوابل مظلمة» Dark Cables (= غير مستعملة) يصل عددها إلى 22 كابل. وبفضل تلك الهندسة التي تتشارك فيها القدرات المادية - الفيزيائية للكوابل، والميزات المتأتية من التعديلات التقنية عليها كالتحكم في مراحل الموجات؛ غدا مستطاعاً رفع قدرة الكوابل على نقل الحركة الإلكترونية بمقدار 8 آلاف في المئة (= 80 ضعفاً) في أقسام كثيرة من تلك الشبكات. وبدهي القول أن تلك المضاعفة لم تحدث في الشبكة كلها، بل في الأقسام التي تسير في البلدان الأكثر تقدماً، ما يؤشر إلى أحد الأبعاد الحادة في مشكلة «الفجوة الرقمية» Digital Divide بين دول الأرض، بل من المستطاع القول أنها فجوة معرفيّة بالنظر إلى الدور المتصاعد للشبكات في تناقل المعرفة بين الأفراد والمؤسسات والدول والشعوب. ويرجع ذلك التحوّط المستمر إلى مضاعفة القدرة على النقل ضمن تصميم هندسة الشبكات العالميّة، إلى الزيادة المستمرة، بل الانفجارية أحياناً، في استخدام شبكة الإنترنت. ويكفي القول أن مجمل الحركة الإلكترونية على كوابل الإنترنت تزيد على 3700 مليون غيغابيت/ الثانية، يولّدها جمهور يفوق الـ4 بلايين مستخدم.

وإذ تنهض كوابل الإنترنت بمهمات طرق المواصلات في نقل تلك الحركة الافتراضة الخرافية، يرد إلى الذهن استنتاج أولي ومباشر يتمثّل في القول أن البنية التحتية المكوّنة من «الأوتوسترادات الفائقة للمعلوماتيّة» («سوبر إنفو هاي وايز» Super Info Highways) باتت ناجزة، بل إنها مستعدة دوماً لأن تكون على قدر الأعباء الملقاة عليها، إذ تملك أوتوسترادات المعلوماتيّة مساحات ضخمة من الاحتياط الاستراتيجي، ما يبعدها من صورة عدم القدرة على ضمان استمرارية ذلك الأفق الاتّصالي المذهل الذي فتحته ثورة المعلوماتيّة والاتّصالات المتطورة.

«الطريق قدماً»: غيتس يُنظّر للطرق الرقمية

يعود تعبير «أوتوسترادات المعلوماتيّة الفائقة» إلى ختام حقبة التسعينات من القرن العشرين التي شهدت بداية انتشار الإنترنت عبر الكوابل البحريّة المدعمة بالشبكات الوطنيّة البرية والبث الفضائي. والأرجح أن مصطلح أوتوسترادات المعلوماتيّة انتشر بسرعة بفضل استعماله بكثافة في شركات «وادي السيليكون» الأميركي، بل خصوصاً بعد نشر كتاب بيل غيتس، وهو المؤسّس الأسطوري لشركة «مايكروسوفت» العملاقة، «الطريق قدماً» The Road Ahead الذي نظّر فيه إلى كون الشبكات الرقمية هي الموازي المعاصر للطرق والأوتوسترادات وسكك الحديد وممرات النقل الجوي.

وفي صورة بانورامية سريعة، من المستطاع القول أن الطرق البرية الأولى رافقت الإمبراطوريات القديمة [خصوصاً الإمبراطورية الرومانية التي سعت إلى السيطرة فعلياً على «درب الحرير» القديم بين الشرق والغرب]، وتطورت طرق الملاحة في عصر الاكتشافات الكبرى وتوسع أوروبا باتجاه الهند وأفريقيا والصين و «العالم الجديد» في أميركا. ومع الثورة الصناعية، تحولت الممرات البريّة إلى طرق وأتوسترادات ضخمة تنقل البضائع والبشر والأموال، ودعمت السفن الميكانيكية حركة النقل البحري، وشقت الطائرات ممرات جويّة مميزة لعالم ما بعد الثورة الصناعيّة.
 
 لا شيء يميّز بداية الثورة الصناعية الرابعة التي يجب التشديد على أنها ما زالت في أطوارها التمهيدية الأولى، أكثر من شبكة الإنترنت، وأوتوسترادات المعلوماتيّة التي تسير في شبكات كوابل من الألياف الضوئيّة.

ومنذ الخيوط الأولى لفجرها، رافق الذكاء الاصطناعي ثورة المعلوماتيّة، بداية من صناعة الكومبيوتر بحد ذاته، ومروراً بالآلات الذكية القادرة على «التخاطب» بينها عبر الشبكات الرقمية، ومن غير الانتهاء بالتدفق الهائل للذكاءين البشري والاصطناعي عبر شبكة الإنترنت حاضراً. بقول آخر، من المستطاع القول أن التشارك بين ذكاء العقول البشرية من جهة، والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، بل التفاعلات الضخمة التي يتضمنها ذلك التشارك، يمثل الملمح الأكثر بروزاً في أوتوسترادات المعلوماتيّة.

ومع تذكر أن الثورة الصناعية تتميز بالتكامل بين المعلوماتيّة والاتّصالات، والتقنيات البيولوجية الجينية، ومعطيات الثورات الزراعية - الصناعية - الكهربائية - الإلكترونية، إضافة إلى تقنيات النانوتكنولوجيا والصناعة بالطباعة المجسمة «ثري دي برنتينغ».

ويؤدي الذكاء الاصطناعي دور واسطة العقد في الثورة الصناعية الرابعة، ما يعني أن ما يجري تناقله على أوتوسترادات المعلوماتيّة يمثل الخلاصة الأكثف للمعرفة الإنسانية وتفاعلاتها في الزمن الحاضر. واستطراداً، يجدر التشديد على أن الاستنتاجات المتوسطة والبعيدة للأوتوسترادات الاستراتيجية للمعلوماتيّة والاتّصالات، تحتاج إلى دراسات فائقة التعمّق.

«ريح الشرق» باحثاً عن تكامل الواقعي مع الافتراضي

ألقى العام 2017 ضوءاً كاشفاً على العلاقة بين شبكات الطرق وشبكات المعلوماتيّة، عندما وصل أول قطار مباشر بين الصين وبريطانيا في رحلة استمرت 18 يوماً، ووُصِف بأنه خطوة لإحياء «درب الحرير» القديم. وحمل القطار بضائع من مدينة «ييوو» في شرق الصين إلى محطة «باركينغ» في لندن، مروراً بكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وبولندا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا، ثم دخل نفق المانش، ليواصل سيره إلى لندن، في رحلة بلغ طولها 11999 كيلومتراً.

وآنذاك، أعطى الإعلام الغربي اهتماماً فائقاً لذلك الحدث، بأضعاف ما فعله الإعلام العربي. المفارقة أنها المرّة الأولى في تاريخ المواصلات البريّة التي يجري تنقل بين الغرب والشرق من دون المرور بالعالم العربي! أليس ذلك تحوّلاً استراتيجياً وازناً، خصوصاً مع توقع أن يصب 90 في من نفط الشرق الأوســط وغازه في آسيا، في 2035؟ ألم يقل دوماً أن أهمية الشرق الأوسط ترجع إلى توسطه العالم القديم، فلا يتصل الشرق بالغرب في مواصلات بريّة إلا عبره؟ ألا يقال أحياناً أن تجنّب السيطرة العربيّة - الإسلاميّة على «درب الحرير» كانت من محفّزات عصر الاكتشافات الملاحية الكبرى، بمعنى الحصول على مواصلات بديلة لدرب الحرير؟
 
 يزيد المفارقة بالنسبة إلى القطار الصيني، أن المواصلات البرية أسرع من البحر، وأرخص من الجو، ما يعني أن قطار الصين - بريطانيا بداية لتحوّل ضخم في الخريطة الكبرى للمواصلات البرية عالمياً، وتالياً الخرائط الكبرى للاتّصالات كلها!

لم تدخر الصين جهداً في إبراز أهمية ذلك القطار، بل سمّته «ريح الشرق» في إشارة إلى عبارة شهيرة للزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ: «ريح الشرق سيسيطر على الغرب»!

«علي بابا» ومغارة التجارة الإلكترونيّة

بات معروفاً أن قطار الصين - بريطانيا جاء ضمن مبادرة «حزام واحد، طريق واحد» التي أطلقتها الصين في 2013، وتسمّى أحياناً مبادرة «طريق وحزام»، في إشارة إلى كونها الموازي التاريخي لدرب الحرير التجاري القديم.

وتهدف «طريق وحزام» إلى ربط الصين بدول جنوب شرق آسيا وأوروبا وأفريقيا، إضافة إلى منطقة الشرق الأوسط لكن من دون الاعتماد كلياً على ضرورة المرور في تلك المنطقة.

وإضافة إلى الطرق البرية المباشرة، تعتمد «طريق وحزام» على مجموعة من الطرق البحريّة التي تشمل أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط والبحر المتوسط. [هل مصادفة مشاركة الصين في المناورة الضخمة للبحريّة الروسية في البحر المتوسط في آب (أغسطس) 2018]؟ وإضافة إلى ذلك، تعتمد أيضاً على مسارات أوتوسترادات الذكاء الاصطناعي للإنترنت. ولعلها مفارقة أن العولمة الأميركيّة هي التي نشرت تلك الأوتوسترادات الافتراضيّة، بل اعتمدتها ضمن روافعها الأساسية. ومع الرئيس دونالد ترامب، تتراجع أميركا عن تلك العولمة، فيما تستفيد الصين من معطياتها الباقية [= أوتوسترادات المعلوماتيّة] في سياق ما يصفه البعض بـ «عولمة» تقودها الصين!

وضمن أمثلة كثيرة على التكامل بين «درب وحزام» وأوتوسترادات الذكاء الاصطناعي، يجيء اهتمام «مجموعة علي بابا» الصينية، وهي الشركة الأضخم عالمياً في التجارة الإلكترونية، بمبادرة «طريق وحزام».

لنتذكر أن التجارة الإلكترونية بحد ذاتها تستلزم التكامل لأنها تستخدم أوتوسترادات الإنترنت في التعاملات والخدمات، بما فيها العملات الرقمية، وكذلك يلزمها نقل البضائع الفعلية عبر الطرق الفعلية المختلفة! ويلامس حجم «علي بابا» التريليون دولار، فيما تقدر الأموال المرصودة لـ «طريق وحزام» بقرابة تريليوني دولار، وربما أكثر.

لا تصعب رؤية ذلك: الشركة الأضخم في التجارة الإلكترونية هي صينية، وتهتم بمبادرة «طريق وحزام» الصينية، وكلا طرفي المعادلة يعتمد على التكامل بين أوتوسترادات الإنترنت للذكاء الاصطناعي والطرق الفعلية المتنوعة!

يسمّى ذلك التداخل بين الذكاء الاصطناعي والعالم الفعلي بـ «الحقيقة الفائقة» Hyper Reality، وهي سمة للمجتمعات المعاصرة. إلى أي مدًى يمكن وصف «طريق وحزام» بأنها عولمة صينية فائقة؟ سؤال إشكالي يحتاج إلى نقاشات معمقة.