العدد 35 - الهويات القاتلة
الهويات القاتلة
عن الكاتب
 
العدد الحالي
العدد 35 - الهويات القاتلة
 هذه التسمية "الهويات القاتلة" لا تبدو لي ضرباً من الغلو لاسيما وان المفهوم الذي ادينه، ذلك المفهوم الذي يختصر الهوية في انتماء واحد يحصر البشر في موقف متحيز ومتعصب، متشدد ومهيمن لا بل انتحاري في بعض الاحيان، غالباً ما يحولهم الى قتلة او اتباع قتلة، فتتشوه رؤيتهم للعالم وتنحرف، ويصبح الاشخاص الذين ينتمون الى جماعتنا هم "منا" ونحن نعبر عن تضامننا معهم في مصير مشترك ولكننا نسمح لأنفسنا بأن نستبدّ بهم فلو اعتبرناهم "فاترين" ندّدنا بهم ومارسنا عليهم الارهاب ونعتناهم "بالخونة" و و"المرتدّين". اما الاخرون الموجودون في الطرف الاخر، فنحن لا نسعى قط لتفهم موقعهم، ونتحفظ عن التساؤل حول ما اذا كانوا على صواب في هذه المسألة او تلك، ونتحاشى ان نلين امام شكواهم وعذابهم والظلم الذي لحق بهم، فوحده يهمّ موقف "جماعتنا" الذي غالباً ما يكون موقف اكثر الناشطين فيها حماسا واشدهم غوغائية وشراسة.
وبالعكس، ما ان نعتبر الهوية مجموعة من الانتماءات المتعددة، بعضها مرتبط او غير مرتبط بتاريخ اثني، وبعضها الاخر متعلق او غير متعلق بمفهوم ديني ما ان نرى في كياننا وجذورنا ومسارنا روافد واسهامات وتلاحقات متنوعة وتأثيرات مختلفة ودقيقة ومتناقضة حتى تنشأ علاقة مغايرة مع الاخرين، وكذلك مع "العشيرة" التي ننتمي اليها، ولا يعود الامر يقتصر على "نحن" و "هم" اي على جيشين متأهبين يستعدان للمواجهة القادمة والانتقام "العتيد".
(من كتابه "الهويات القاتلة" ص. 47 – 48)