العدد 34 - الخريطة الجغرافية السياسية الكبرى لتغير المناخ في الكرة الارضية
الخريطة الجغرافية السياسية الكبرى لتغير المناخ في الكرة الارضية
 لم تعد أخبار الكوارث المتأتية من التغير في المناخ تختفي عن الإعلام العام، ما يبرز مدى عمقها وتأثيرها في الكوكب الأرضي وحياة البشر عليه. لعلها أقربها للقارئ العربي هو التظاهرات في جنوب العراق التي تتصل بأشياء كثيرة، منها مياه الأهوار وشط العرب التي تمثل هماً عراقياً مستديماً. وقبلها بأيام، هطلت أمطار بغزارة غير متوقعة في اليابان، فأحدثت فيضانات وانزلاقات تربة أودت بحياة العشرات وشردت مئات الألوف. وقرب اليابان، هناك الصين التي تتصدر قائمة الدول التي تلوّث الغلاف الجوي بغازات خانقة تنبعث أساساً من حرق الوقود الأحفوري، والأبرز بينها هو غاز ثاني أوكسيد الكربون.
ولا ينافس الصين في تلويث هواء الأرض سوى الولايات المتحدة، وهما تتقاسمان قرابة 40 في المئة من غازات التلوث التي تولد أوضاعاً بيئيّة تهدد بضرب مسار الحضارة على الأرض، خصوصاً الانفلات في ظاهرة الاحتباس الحراري Global Warming. ويعرف المهتمون بالبيئة أن مشكلاتها الكبرى لا تحل إلا عبر نظام من التعاون الدولي الواسع، ما يعني أن الدولتين الأكثر تلويثاً لهواء الكوكب الأزرق يتوجب عليهما التعاون كي تنجوا بنفسيهما من كارثة تقترب من نقطة الصفر واللاعودة. ولعل ذلك التعاون أجدر بهما من الانخراط في حرب تجارية عالمية، تبدو عبثية تماماً من منظار البيئة، وهي أحد العوامل الحاسمة في مسارات القرن 21. بقول آخر، بدل التفكير في الحمائية المتبادلة وتحطيم أطر التبادلات الواسعة التي أُرسيت عبر جهود مريرة على مدار أجيال، ربما يكون الأجدى التفكير في أن الدولة التي تريد أن تتقدم بقية أقطاب النظام العالمي، ربما تكون هي تلك القادرة على تقديم الحلول الأكثر نجاعة لمشكلات البيئة داخلياً وعالمياً. هل تنقذ البيئة النظام الدولي أم يسير معصوب العينين إلى صدامات ظنّت الإنسانية أنها نالت نصيبها المرّ منها، خصوصاً في القرن العشرين؟
 
 في الصين أيضاً، تبرز مشكلة المياه التي تمثّل أحد الأبعاد المرعبة في المشهد البيئي عالمياً، مع ملاحظة وجود بليوني إنسان لا يحصلون على مياه شرب مأمونة صحياً! هل هيّن القول أن الصين عانت من اختفاء 28 ألف نهر فيها خلال الربع قرن المنصرم؟ بجوار الصين، تقترب الهند من أزمة عطش لم تعرف نظيراً لها في تاريخها المعروف، ويتجه إلى الانهيار ذلك التوازن القلق بينها وبين باكستان في الالتزام بمعاهدة تقاسم مياه نهر السند الذي يربط البلدين بمجراه، لكنه لم يقربهما من بعضهما بعضاً كفاية. وإذ يعود المقال لاحقاً إلى تفاصيل المشهدية الدولية لأزمة المياه، تمكن الإشارة إلى نقطة مضيئة تتمثل في صعود صوت التعقّل والرويّة والديبلوماسية الهادئة، في حل مشكلة مياه النيل التي اضطربت توازناتها مع مشروع «سد النهضة» الإثيوبي الضخم، وإشكالية الجدول الزمني لملء الخزان الهائل من مياه النيل خلف جدرانه.
 
 الكربون يرسم خريطة العالم
إنه كوكب ملوّث حقاً، والأدهى أنه ربما قضى اختناقاً تحت تلوث يصنعه بنفسه، بالأحرى، ربما دمر البشر أنفسهم وحضاراتهم بتلوث يصنعونه بأيديهم يومياً! فرِحَ البشر بالثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، بل راحوا في القرن الـ21 يبشرون ببداية تفجر ثورة صناعية رابعة (بعد الميكانيك والكهرباء والإلكترونيات) تجمع المعلوماتية والاتصالات والنانوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتية والهندسة الوراثية والصناعة بالطباعة المجسمة، لكنها تكون مستندة بالضرورة إلى الثورة الصناعية الكبرى الأولى. وللآسف، ثمة ميل مذهل إلى التغافل عن حقيقة أن حضارة الإنسان لم تستطع حل المشكلات المدمرة للبيئة التي تفاقمت منذ القرن التاسع عشر. وبداية، يتصل تلوث الغلاف الجوي بصورة أساسية (وليس حصرياً) بالغازات المنبعثة من حرق الوقود الأحفوري، وهي صنعت ما يشبه الدثار حول الكرة الأرضية، ما يرفع حرارتها بصورة مستمرة. الأدق القول أن احتباس الحرارة أمر مطلوب لاستمرار الحياة على الأرض، وفق ما يقوله التاريخ المعروف لظاهرة الحياة على الكوكب الأزرق، لكن المشكلة أن الاحتباس الحراري حاضراً يتفاقم إلى حد يفوق الحاجة، بل صار مؤذياً ومدمراً. يشبه ذلك القول أن الجسد البشري يحتاج الحرارة، لكن انفلات الحمى يميته بالقضاء على أعضائه الحيوية كلها.
 
 وحاضراً، يتجاوز تركيز الكربون في هواء الأرض إلى 410 أجزاء في المليون، وهو الأعلى منذ 800 ألف سنة. وتجاوزت حرارة سطح الأرض ما كانته عند بداية الثورة الصناعية بـ1.2 درجة مئوية، وفقاً لدراسات صدرات أخيراً عن «جامعة تكساس» الأميركية، وهي المرجع العلمي الذي يستند إليه بقية المقال.
ولم يتبق أمام البشرية سوى عقدين من الزمن قبل أن يصل الارتفاع إلى درجتين مئويتين، وتلك هي عتبة دخول المناخ مرحلة الانهيار المدمر الذي لا رجوع فيه، وبمعنى استحالة وقف تفاقم الارتفاع إلى ثلاث درجات أو أربع، ما يبدل مشهدية الحياة على الكوكب الأرضي برمته. وحينها، تتكرر الفيضانات الضخمة كل عقدين أو خمسة عقود، بدل حدوثها كل مئة سنة أو أكثر. وكذلك يغدو متكرراً سقوط كميات ضخمة من الأمطار بشكل غير متوقع، على نحو ما شهدته اليابان أخيراً، وهايتي في الشتاء الماضي، وأوروبا في كل صيف في العقدين الأخيرين وغيرها. إذا اختل تعاقب الفصول، كيف يمكن الاستمرار في الزراعة؟ إذا رميت بذوراً بانتظار المطر، ثم لم يسقط بل تأخر، ألا تجف ولا تعطي غلة ولا حصاداً؟ ألا تغدو المحاصيل مستحيلة في ظل فصول لا تتعاقب بانتظام، بل يضطرب إيقاعها فلا يعرف متى يحل الشتاء ومتى ينتهي، وكذا الحال لبقية الفصول؟ ماذا يكون مصير الغابات والسهوب؟ ماذا يكون مصير المواشي (وما يشتق منها كالحليب)، بل مصير كل الكائنات الحية المتفاعلة مع مجمل النظام البيئي Eco System الذي تعتمد عليه في العيش؟