العدد 34 - "عن كمال جنبلاط ومن وحيه" للبروفسور شبلي ملاط
"عن كمال جنبلاط ومن وحيه" للبروفسور شبلي ملاط
عن الكاتب
دراسات عليا في العلاقات الدولية والدبلومسية في المعهد العالي للدكتوراة في الجامعة اللبنانية
مقالات أخرى للكاتب
لا بد من اعتذار من كمال جنبلاط ، مكتشفاً من جديد
الدراسات السياسية: رئاسيات – يقظان التقي
العدد الحالي
العدد 34 - "عن كمال جنبلاط ومن وحيه" للبروفسور شبلي ملاط
 المحامي شبلي الملاط من الكتّاب القانونيين والدستوريين وصولاً إلى التأملات في فلسفة اللاعنف والمقاربات الفكرية والنقدية. اختار الذكرى المئوية على ولادة كمال جنبلاط لإعادة إصدار كتابه «عن كمال جنبلاط ومن وحيه» («منشورات دار البدائع»، طبعة ثانية 2018). كان الملاّط مع عائلته مثّلوا تلك العلاقة الوطيدة مع «دار المختارة» واختبروا تجاربها واتجاهاتها السياسية والفكرية والإنسانية متقاطعين مع مكتبها ومع زعيمها كمال جنبلاط في العمق والإيمان والممارسة الواعية والمضامين العليا الوطنية. برز ذلك في كتابات آل ملاّط والعائلة كاملة وكتاب ملاّط الابن يطل بنصوص مفتوحة وبرسائل مهمة تقرأ حميمية، مباشرة تعكس الكثير من الحداثة الفكرية والثقافية والسياسية التي سادت فكر آل جنبلاط، لا بل الظاهرة التي تعود لتحتل الساحة النقدية والفكرية والفلسفية في تلك المرجع، والتي تبدو حاضنة لاتجاهات بنيوية لعالم اليوم ومرة أخرى كمال جنبلاط في مواجهة كل هذا الجديد القريب منه ومن جهة أخرى خارج الانخراط فيه لا سيما مسألة العنف، المسرح الجديد من العبثية.
 
 يرسم شبلي الملاّط عالم جنبلاط المفتوح والتقدمي سياسياً وفكرياً وفي مساحة مرموقة، لا بل من كبارها في مسألة عروبة لبنان، وفي الشأن الثقافي مع القضية الفلسطينية وفي كتابات إبداعية غير ماضوية وغير شعبوية وتنتصر للديموقراطية ولحرية التعبير وتحتمل قراءات متجددة وهي من صميم إرث كبار المفكرين الحداثيين. خارج السلطة الطائفية القائمة أو الاجتماعية السائدة ولا المتطرفة أو العنصرية ولا تلك التي زادت إشكالية تضيّق على الشعوب بالحواجز والجدران وفي رحلة العولمة إلى أقصى العنف. تلك التي ناقشها كمال جنبلاط وحلّلها وانتقدها لا سيما ممارسة احتمالها الأشد بربرية، داعماً وبشكل غير مشروط القضية الفلسطينية، معتبراً إياها قضية محورية. ومعها كل أشكال الاستبداد، والعنف الموجّه والأنظمة الرهيبة التي استولى عليها ناس من الجغرافيات والتواريخ القديمة، وحتى في انفصام عن الماضي العميق عند الشعوب وهو مسألة ثقافية وتاريخية وحضارية وحقائق ووقائع وشعوب لطالما ناضلت من أجل حريتها وإحداث التغيرات والتحولات وحيث الحرية هي مسألة الحياة من أولها إلى آخرها.

الشخصية
شبلي الملاّط يعيد رسم ملامح تلك الشخصية في فصول كتابه الجزء الأول «عن كمال جنبلاط» والجزء الثاني «من وحي كمال جنبلاط» من مقدمات عن فكره وممارسته اليومية وملامح الشرق الأوسط ورؤية استشرافية للقضية الفلسطينية وفي الوظيفة الاجتماعية للفلسفة وفي الدولة المدنية، واللاعنف ودولة القانون، والتساؤلات الدستورية في العالم العربي و«المرضية الرئاسية» و«العروبة البيضاء» و«لعنة الكرسي»، وخطة لتحرير سوريا في نظر القانون الدولي، كيفية إنهاء الاستبداد، وفلسفة اللاعنف في الإسلام.
صحيح هي نماذج جرى التكلم عليها مع شخصية جرى التوغل في أبعادها، ولكن شبلي الملاط يعيد رسمها من زوايا مفتوحة وبسحر جاذب في رسم هذه الشخصية ضمن الوقائع والتواريخ والأحداث القائمة حالياً ويضعه كظاهرة بأعماقها في مواجهة فكرية مع عنف وقوة الأحداث وكشخصية قوية تطرح نظرية التسوية ليس في سبيل المحادثة، بل من أجل معالجة مسائل معقّدة بجوانبها المتباعدة والمتنافرة والمهترئة والأكثر غرائزية وأدغالاً قاتمة.
 
 نظرية التسوية
نظرية التسوية تفتح طرقات غير مسبوقة إلا من إرهافات كمال جنبلاط وأحاسيسه وهواجسه وأفكاره الحديثة والعالمية وهو يلجأ إلى تقنيات تثقيف اللعبة السياسية لتيسير المعالجة والقراءة للتحولات والمقاربة.
أكثر ما يثير في المقدمات الفلسفية من صاحب الفكر الدستوري شبلي الملاط ما يعتبره محورياً في شخصية كمال جنبلاط «العالمية» أو «الكليّة» والتطور الإنساني بمعنى عيش الإنسان بحرّية وكرامة وارتفاعه والتقدمية باعتبارها فصلٌ عن البنى الماضوية والرجعية والتيارات المحافظة، وهو ما عنونه بـ«ثورة في عالم الإنسان».
وتجد عند كمال جنبلاط تلك الأسئلة المستقبلية بخلاف الأجوبة الماضوية السائدة اليوم. وأفكار جنبلاط ليست من النمط الاستهلاكي الأمس أو لا شيء. هي أسئلة لا تزال قريبة من معاتبة موقع الإنسان المعاصر في شؤون الحضارة والآلة الربوت والتصميم والنظريات والسلوك والتصرف بنظرات غير محدودة في العلم والفلسفة والفقه والأدب والاقتصاد والسياسة.
والطريق هي الحاجة للحفاظ على تلك البيئة كعنصر أساسي من أدب الحياة اليوم وسط مدينة من الفساد والتلوث العام في البيئة، والفلسفة كما الثقافة هي سلوك مستمر، كما أن الديموقراطية تعني حكم القانون، كما أن الدولة هي تجسيد فكرة المساواة في الفرص والتضامن الاجتماعي، كما التضامنية القومية والإنسانية. وإذ لا معنى لليبرالية من دون ديموقراطية وإخراج حرية الشخص، ديموقراطية تكون مثالاً واحداً للشرق والغرب على أساس السيادة المطلقة للقانون والعمل المباشر بجميع ألوانه. موضوع الكتاب غني جداً ومتشعب مع كمال جنبلاط الظاهرة الخلاّقة والشخصية بمنتهى النزاهة في محاولته المستمرة لتحرير لبنان والعالم العربي من الاستبداد ونضاله لترجيح جدارة روح الإنسان وتفوق اللاعنف أسلوباً للتغيير في المجتمع. هذا هو المحور الرئيسي للكتاب إلى محاولة أخرى ذات صلة بموضوع الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية بشكل خاص والمآسي المستمرة في الشرق.
 
 جانب آخر يضيء عليه الكتاب هو مفهوم اللاعنف، وهو مفهوم فلسفي عن العالم المعاصر، ومنذ البداية كانت نظرة آل جنبلاط مرتبطة بفكر قانوني متطور يتعارض مع السلطة الاستبدادية. وحاول جنبلاط الفصل بين العنف المادي والعنف المعنوي. وهذا ربطه بانسحاب إسرائيل من لبنان ومن الجولان ولقيام دولة فلسطينية.
«ولكن الشرق الأوسط المتلعثم بالسلام مرهون بميزان القوى وطغيان مصالح الدولة اليهودية بشكل واضح على مصالح ضحاياها». وهو كمال جنبلاط نفسه الذي زار في كانون الثاني 1970 ممثلي الطائفة اليهودية اللبنانية في بيروت بعد اعتداء طال مدرسة سليم طرّاب اليهودية وتوجّه كمال جنبلاط وكان آنذاك وزير للداخلية إلى كنيس مقام ابراهيم ليعبّر عن استنكار الدولة للحادث والتأكيد على وطنية طائفة قال «إنه لا غبار عليها على الإطلاق» وإننا اليوم في مثل هذا الترفع عن الطائفية وليس باقياً من أصل طائفة عاشت في لبنان على امتداد ألفي سنة أكثر من عشرة أنفار؟
أما المسألة الأخرى التي يعالجها الإصدار«العروبة البيضاء» فتعيد كمال جنبلاط: النظام العربي بأسره عرضة للتغيير الجذري وانهيار النظم الدكتاتورية في المنطقة، مشدداً على العروبة البيضاء بحجم سعد زغلول في مصر وكامل الجادرجي في العراق وفي قلب العروبة رسالة الديموقراطية والعروبة البيضاء قد تقدم نمطاً أرقى للتعامل مع جميع الناس المرتبطين بأرض فلسطين يهوداً وعرباً على السواء في الأمل والحرية والعدالة التي تقدمها لهم الدولة المستقلة وإعادة النظر في الصوغ الفلسطيني، الإسرائيلي على ضوء مقاييس الفدرالية يدعمها حقوق الإنسان في إطار السياق الديموقراطي العالمي.
يذكر أحد الصحافيين ما قال كمال جنبلاط في مقالة صدرت في نيويورك تايمز بعد ثلاثة أيام من اغتياله: «الحرب في فلسطين حرب عقيمة، ستنتهي يوماً من خلال المفاوضات. أي الحل الطبيعي هو إقامة دولة ثنائية القومية، حتى مع أغلبية يهودية كما اقترح بن غوريون مرة إلى عبدالله، موحياً لعبدالله أن يكون ملكاً».
 
 رؤية استشرافية بسيطة بقدر ما هي إنسانية، ولكن اليوم يهجّر هذه الفكرة والسبب حدّده جنبلاط في السبعينات «الشق الناقص في جنيف إسرائيلياً في المقارنة الغربية لديموقراطية الحكومات الإسرائيلية وتركيب دولتها». من هنا اختيار كمال جنبلاط للديموقراطية في لبنان لتوفر نموذجاً بديلاً لحل المعضلة العربية - الإسرائيلية.
ويشير شبلي الملاط في كتابه إلى مسألة داخلية مهمة وهي أهمية التسوية السياسية الداخلية أو ما يسمّيه جنبلاط «التورط»، والتسوية حكم وضرورة لأنها نهج حياة وهي الالتفاف إلى الآخرين للوقوف على أحوالهم في كل وضع، لتأمين التحرك في وجه الخصم، ورغبة واستعداد لإراحة الناس ردحاً من الزمن، وكسب ما يمكن كسبُه. ولكن يجب أن لا تكون التسوية على حساب المبدأ، الصورة الثورية للديموقراطية الجديدة، والنظام الطائفي مانعاً دستورياً لها.
لم يكن جنبلاط مسألة أفكار مجرّدة أو نظريات فكرية فقط، كان شاهداً شديد اليقظة وبصورة إبداعية وبحضور كثيف وطنياً وتعميق الالتزام بقضايا المنطقة والإنسان، رجل الفكر ورجل العمل، ورجل الأفق نقيضاً للطائفية البغيضة والتقوقع المذهبي وخارج الجدران المغلقة.
ورجل الموت واقفاً، في الجسد وفي الفكر وفي النظام وما زال رمزاً متدفقاً، رجل «التجاوز» ومحور التأثير الكبير في كتاب يستعيده في ملامح متجددة تنسجم أكثر من غيرها مع الواقع الذي يشغلنا والعالم مباشرة.
عالم يعيش دينامية «التقهقر» وكمال جنبلاط الإنسان الجديد والمفكر والمثقف نموذجاً..
عالم اليقين في مواجهة عالم «اللايقين» أو اللامتوقع عالم بأفكار عدة. والعودة إليه فكرة موجّهة جداً وفلسفية ترسم الطريق المقبلة ومدعاة للقراءة والتأمل والمقاربات النقدية.