العدد 34 - ملح الارض: ماذا دهى العرب؟
ملح الارض: ماذا دهى العرب؟
عن الكاتب
رئيس الهيئة الادارية في رابطة أصدقاء كمال جنبلاط
رئيس الهيئة الادارية للتجمع المدني لسلامة المواطن
وزير اقتصاد سابق
مقالات أخرى للكاتب
ملح الارض - تحية وفاء الى "ابونا غريغوار"
ملح الارض
العدد الحالي
العدد 34 - ملح الارض: ماذا دهى العرب؟
 حظيت ما سمّي بـ"صفقة القرن" بالعديد من المقالات والتحليلات في الصحافة ووسائل الاعلام الاخرى اللبنانية والعالمية. ولقد لفت نظري بشكل خاص مقالان مهمان صدرا في تاريخ واحد في 15 ايلول، الاول في مجلة "الايكونومست" البريطانية التي تتمتع برصيد كبير من الرصانة والموضوعية، بعنوان "اميركا والفلسطينيون – عودة الى المستقبل" والمقال الثاني نشر في جريدة "نيويورك تايمز" الاميركية ذات النفوذ والانتشار الواسع في اميركا والعالم، بعنوان "السلام أفلت من قبضتهم – 25 عاماً بعد أوسلو، السلام في الشرق الاوسط صعب المنال".
وخلاصة المقالين ان السياسة الاميركية الحالية التي تنسجم تماماً مع المطامح الاسرائيلية ، تقود الى القضاء على حل الدولتين وبالتالي الغاء الالتزام الاميركي التاريخي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة الى جانب دولة اسرائيل. اما كيف ستتصرف القيادة الفلسطينية تجاه الاجراءات الاميركية والاسرائيلية الاخيرة، تلفت المقالتان الى ان التصرف الاول قد يكون اللجوء الى محكمة العدل الدولية والثاني هو حل السلطة الفلسطينية الرسمية، وتستنتج ان الاقتراحان غير مجديان، خاصة وان السلطة توظف ما بين 150.000 الى 170.000 فلسطيني وتؤمّن حدّاً أدنى من الخدمات العامة الضرورية للمواطنين، كما ان هذه الخطوة لا تلقى تجاوباً وتأييداً شعبياً فلسطينياً.
لابد من التذكير بالخطوات التي أقدمت عليها الولايات المتحدة واسرائيل مؤخراً والتي أدت الى فقدان الامل بحلّ عادل لقضية حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على ارضه وهي:
 
 ان الرؤية الاميركية "الترامبية" التي تلتقي مع رؤية اليمين الاسرائيلي تجلّت في خطوات اهمها: الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لدولة اسرائيل ونقل السفارة الاميركية اليها، الترحيب بإعلان اسرائيل دولة قومية لليهود رغم عنصرية هذه الخطوة، وقف الدعم المالي لوكالة الامم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم (UNRWA)، قيام مجلس الشيوخ الاميركي بتحديد مفهوم اللاجئين الفلسطينيين بلاجئي 1948 (وهم لا يتجاوزون 40 الف لاجئ) وعدم شمول التحديد الابناء والاحفاد الموزعون على مخيمات في الاراضي المحتلة ولبنان وسوريا والاردن، والذين يبلغ تعدادهم 5.3 مليون لاجئ. ومن الواضح ان هذا الاجراء يلغي قرار الجمعية العامة رقم 194 الخاص بحق العودة، مما ينتج عنه توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية التي يقيمون فيها حالياً. ومن الاجراءات الاميركية الاخيرة المعادية للحق الفلسطيني، اقفال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن ووقف التمويل الاميركي لستة مستشفيات في القدس. ومن غرائب مبتكرات السياسة الاميركية الجديدة طرح فكرة الاتحاد الكونفدرالي (القديم - الجديد) بين الاردن وفلسطين، المرفوض تاريخياً من الاردنيين والفلسطينيين على حدّ سواء.
 
 بعد ان توضّحت ملامح خطة "صفقة القرن" (التي يصحّ اكثر تسميتها "صفقة تصفية القضية الفلسطينية)، يتساءل الفلسطيني، والعربي المهتمّ "بالقضية المركزية العربية الاولى" قضية الشعب الفلسطيني المنكوب: اين العرب من كل ما يجري وما يخطط له؟ اين التزامهم القومي والوجداني والاخلاقي في الكفاح من اجل اقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، ودعم نضال الشعب الفلسطيني؟
في عام 1970 اطلق المعلم كمال جنبلاط، امين عام الجبهة المشاركة في الثورة الفلسطينية صرخة مدوّية بقوله: " ماذا دهى العرب والعالم العربي؟ ان ما نشهده ونسمعه ونقرأه في كل يوم نكاد لا نتصوره او نحلم به ان يحصل او من الممكن ان يحصل... ممالك طوائف، تناقض وتنافر ، وتآمر... الى اين نحن ذاهبون؟ لقد اصبحنا نخجل ان نرفع رؤوسنا امام الشعوب الاخرى. الى اي درك من المذلّة يمكننا ان ننحدر اكثر؟ وهل لهذا الانحطاط المادي والمعنوي من آخر؟ لقد باتت القضية انقاذ العرب من انفسهم."
 
 وفي مناسبة اخرى سنة 1972 ، قال "حقاً ان العرب فقدوا المنطق، انهم يمهدون لوضعنا بين المطرقة الاميركية والسندان الاسرائيلي في اتجاه تصفية القضية الفلسطينية والاستسلام لاسرائيل. الى اين نحن ذاهبون... الى كارثة ادهى واخطر من كارثة 1948!!!"
ان الحاجة الملحّة الآن لآلاف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والاردن بعد وقف الدعم الاميركي "للأونروا"، لا تنتظر الحلول ولا المعجزات، انها حاجة فورية انسانية وقومية: ماذا يضير حكومات الدول العربية النفطية المقتدرة لوخصّصت دخل يوم واحد فقط في السنة من مداخيل صادرات النفط (التي تقدّر حسب السعر الحالي بمليار دولار)، لتغطية النقص في التمويل الذي نتج عن توقف الدعم الاميركي ، والبالغ 380 مليون دولار ، وتخصيص الباقي لدعم صمود الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وتمكين المناضلين الفلسطينيين الابطال من متابعة كفاحهم السلمي.
كلمة اخيرة: نقل بالامس عن الرئيس الفرنسي ماكرون قوله: ان فرنسا واوروبا ليست مضطرة او مستعدة لتعويض النقص في التمويل الناجم عن توقف اميركا عن دعم اية منظمة دولية. ومناسبة هذا القول هي بالطبع توقف اميركا عن تمويل منظمة الاونروا. ونحن نقول: ان الامة العربية وانظمتها الحاكمة ملزمة من منطلق قومي عربي وانساني ان تقدّم كل الدعم اللازم للاجئين الفلسطينيين ولكفاح المناضلين في الاراضي الفلسطينية لاستعادة حقوقهم وإقامة دولتهم المستقلة على ارض فلسطين.