العدد 33 - اي قفزة هائلة قفزها الانسان في نصف قرن!
اي قفزة هائلة قفزها الانسان في نصف قرن!
 من الحمار والبغل والحصان والجمل الى الطائرات النفاثة التي تقطع الف كيلومتر في الساعة، وتصعد في الجو الى عشرات الكيلومترات، وتحمل من الركاب المائة والمائتين واكثر. والى الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، والاقمار الصناعية التي تدور حول الارض والقمر، والمراكب الفضائية التي تحمل البشر اياماً في طبقات الجو العليا.
ومن اسلاك التلفون والتلغراف الى الراديو والرادار والتلفزيون ومن السينما المسطحة الخرساء، والسوداء والبيضاء، الى السينما الملونة الناطقة، وذات الثلاثة الابعاد. ومن المدفع والبندقية الى القنبلة الذرية والهيدروجينية. ومن الاقطاعية الى الرأسمالية فالاشتراكية فالشيوعية. ومن المحراث والمنجل الى التراكتورات والحاصدات. ومن استعمار الضعفاء واستثمارهم الى استقلالهم في ادارة شؤونهم واستغلال خيراتهم لسد حاجاتهم.
 
 لقد وسع الانسان كثيراً في نطاق العالم الذي يعمل فيه بعقله ويده، ولكنه لم يوسع طول قمحة في حدود العالم الذي يعيش فيه بروحه وقلبه. فهو لا يزال، كما كان منذ اقدم الازمان، يحاول المستحيل: يصادق بعض الكون ويعادي الاخر. يختار اشياء وينبذ اشياء. واذا بالحياة تعبث بصداقاته وعداواته، وبما يختار وينبذ. فتكرهه على نبذ ما يختار واختيار ما ينبذ، وعلى مصادقة الذين عاداهم، ومعاداة الذين صادقهم. انه يصرّ على غربلة الحياة، ولا يخامره اقل شك في ان غرباله هو ادق الغرابيل، وانه يسع الحياة. وهو لذلك لا يسمع صوت الحياة المرددة دائماً: "من غربلني غربلته، ومن تقبلني كما انا تقبلته كما هو".