العدد 33 - من الطوائف الى الطوائفية
من الطوائف الى الطوائفية
عن الكاتب
 
العدد الحالي
العدد 33 - من الطوائف الى الطوائفية
 يتوزع اللبنانيون بصورة شديدة التفاوت على ثماني عشرة طائفة دينية ومذهبية. وهذه الطوائف ليست مجرد تجمعات لمؤمنين يلتئم شمهلهم في المناسبات لاقامة الشعائر الدينية، بل هي في الحقيقة جماعات و"متحدات" دينية ودنيوية في آن، منفصلة عن بعضها البعض ومتسمة بقليل او كثير من التماسك العضوي، نشأت وترعرت في كنف الانقسامات المتتالية التي فرقت وحدة الحضارتين المسيحية والاسلامية عبر التاريخ. وقد اختلفت كل منها عن الاخريات بعادات وتقاليد ومنظومات قيم متوارثة.
مع هذه التركيبة من "المتحدات" الطائفية تعاملت الدولة اللبنانية الناشئة مع الانتداب الفرنسي في نطاق الممكن لتتمكن من استيعابها في اطار معين لعيش مشترك، وتعبيد سبل التعاون ما بينها على بناء وطن موحّد. وكان لا مناص للدولة من التسليم لهذا التعدد بما يستتبعه، لطمأنة الجميع الى احترام خصوصياتهم، من اعتراف وحقوق وضمانات. فكان بالتالي اعتمادها كنظام ضابط للعيش المشترك والوفاق السياسي، تلك الصيغة التي اصطح السياسيون على تسميتها "الصيغة الطائفية " الطوائفية.
 
 والطوائفية القائمة في لبنان لا تنحصر بما تغطيه من مستويات الواقع المجتمعي، في الشأن السياسي، بل انها تتعدى هذا الشأن ليشمل الشأن الاجتماعي الثقافي ايضاً. فهي تتجلى في وجهين متلازمين بنيوياً هما من جهة ما ذاعت تسميته "الطائفية السياسية" ومن جهة اخرى ما يسمى الطوائفية الاجتماعية الثقافية، والمقصود بالطوائفية الاجتماعية الثقافية ما هو ماضٍ في الترسخ على ارض الواقع من تكوين تعددي للمجتمع، قوامه طوائف معترف بها، بل مسلّم لها بحق مطلق في الاستمرار والمحافظة على خصوصياتها كمتحدات، على ما بينها من وجوه التباين الديني والدنيوي، قد ضمن الدستور لكل منها، في مادته التاسعة الى احترام معتقداتها الخاصة وحماية حريتها المسؤولة في ممارسة شعائر الدين، ، احترام نظامها الخاص في "الاحوال الشخصية" و "المصالح الدينية " كما ضمنت مادته العاشرة في مجالات التربية والتعليم وانشاء المدارس الخاصة لتأمينهما حرية لا حدود لها سوى حدود التقيّد بالانظمة العامة واحترام اديان الاخرين ومذاهبهم.
واما "الطوائفية السياسية" فالمقصود بها تلك المنظومة التي بموجبها توزع في بلادنا المناصب العامة من وزارية ونيابية وادارية فضلاً عن الرئاسات العليا ونياباتها على مختلف الطوائف حصصاً متناسبة ، من حيث المبدأ ، مع احجامها العددية بهدف اشراكها جميعاً على نحو عادل وبروح الوفاق الوطني في الحكم، وهذا ما كان أرسى مبدأه في المادة 95 من الدستور، ثم تكرّس في ميثاق العام 1943.
(مأخوذة من كتاب "الغاء الطائفية السياسية " – ص. 4 - 11)