العدد 33 - دراسة سياسية قانونية "خريطة طريق لتحسين وظيفتي البرلمان التشريعية والرقابية"
دراسة سياسية قانونية "خريطة طريق لتحسين وظيفتي البرلمان التشريعية والرقابية"
 1- مجلس النواب، العصب الاساسي للديموقراطية
يعتبر مجلس النواب مؤسسة محورية في اي منظومة ديموقراطية سليمة. ويتمّ انتخاب اعضائه لتمثيل مصالح المواطنين في عملية صنع السياسات. وهم يقومون بذلك من خلال صوغ التشريعات التي تعالج هموم المواطنين. بالاضافة الى اسهامهم في التأثير على اجندة السياسات التي تضعها الحكومة. ويضطلعون ايضاً بدور اساسي اخر، الا وهو الرقابة على عمل الحكومة وضمان التنفيذ الناجع لسياساتها الموعودة. وتعتمد قدرة مجلس النواب على الاضطلاع بدور فعلي في عملية صنع السياسات الى حد كبير على كيفية ممارسة اعضائه المنتخبين، اي الاحزاب السياسية والسياسيين ، لمهامهم. ويتطلب ذلك بدوره استيفاء اثنين من الشروط. يجب ان يكون اولاً للنواب حافزاً لتلبية حاجات المواطنين. ويتحدد ذلك الى حد كبير على اساس القانون الانتخابي والسلوك السياسي الذي يحدد معالم العلاقة بين الناخبين وممثليهم. وفي النظم السياسية التي يعتمد فيها استمرار الاحزاب السياسية على قدرتها على توفير خدمات افضل لقاعدة انتخابية اكبر، تُضطر هذه الاخيرة الى تقديم المنافع العامة، والا خسرت مواقعها في الانتخابات . ولكن، عندما تكون منظومة الحوافز ضعيفة، لا تحتاج الاحزاب السياسية الا الى ممارسة الحيل الانتخابية، مثل التلاعب بتقسيم الدوائر الانتخابية (الجيريماندرية)، او اللجوء الى الخطاب المذهبي، وتقديم المنافع والخدمات لمجموعة ضيقة من المناصرين الذين يتعيّن الحصول على اصواتهم للبقاء في السلطة. وفي النتيجة، تقوم الاحزاب باختيار قواعدها الانتخابية، بدلاً من ان ينتخب المقترعون نوابهم.
 
 ثانياً، يفترض البرلمان الالتزام بإطار مؤسسي يحدد معالم العلاقة في ما بين الاحزاب على اساس مساءلة كل منها للاخر. ويكتسي ذلك اهمية كبيرة في اي منظومة ديموقراطية، لان الشرط الاول المذكور اعلاه، مهما كان متيناً، يعتمد على قدرة الناخبين على الاطلاع على اعمال السياسيين، وفهمها، وتقييمها.
ومن هنا، فان فاعلية الشرط الثاني تقوم على نوع النظام الديموقراطي الموجود وعلى السلطة، بشكليها الرسمي وغير الرسمي، الموكلة الى مختلف المؤسسات السياسية، ولاسيما منها السلطات التشريعية والتنفيذية. ويمكن للمجالس النيابية التي تتمتع بمثل هذه الصلاحية والسلطة ان تحدد وتؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في نشاط الحكومة من خلال السلطة التشريعية والرقابية.
وفي حين ان المجموعة الاولى من الحوافز تحدد فاعلية المساءلة العمودية بين المواطنين والاحزاب السياسية،، فان المجموعة الثانية من المحفزات تحدد معالم المساءلة الافقية بين الاحزاب الحاكمة وخصومها او الجهات المعارضة.
ولا تشكّل السلطة والصلاحيات التي يتمتع بها مجلس النواب لممارسة وظائفه شرطاً اساسياً للتمثيل الديموقراطي وحسب، بل تؤثر من خلال الضوابط والموازين المتصلة بها على الحصائل الاقتصادية والاجتماعية ، والخدمات المقدمة، والمنافع العامة. وبعبارة اخرى، فان قدرة الانظمة الديموقراطية على تحقيق نمو اقتصادي واعادة الثروة تتوقف على هيكلية الحوافز المكتنفة في النظام السياسي الذي يحدد نطاق المستفيدين الذين تسعى الاحزاب لارضائهم، بالاضافة الى الضوابط والموازين المؤسسية التي تحدد معالم آلية المساءلة للمؤسسات السياسية.

نظراً الى طبيعة النظام اللبناني، يفترض اي اقتراح لاصلاح سياسي ومؤسساتي يتعلق بالمجلس النيابي مقاربة ذات ثلاثة ابعاد: البعد الاول يتعلق بالنظام الانتخابي بوصفه قوام النظام، والبعد الثاني ينظر الى الاطر التي تحكم العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، اما البعد الثالث فيستدعي التمعّن في آليات عمل البرلمان الداخلية. بمعنى اخر، يتطلب هذا المسار اعادة النظر بماهية الاولويات والاعتبارات التي تحكم العملية الانتخابية وتحدد شكل التمثيل وجوهره، وبالتالي طبيعة علاقة الناخب بالنائب والحزب والكتلة. كما يتطلب على مستوى آخر مراجعة وتفعيل الضوابط والتوازنات التي تنظم العلاقة بين البرلمان والحكومة انطلاقاً من مبدأي فصل السلطات والتعاون فيما بينهما، واخيراً من المعلوم ان اي محاولة لتحسين أداء هذه المؤسسة تقتضي مراجعة الاطر والآليات التي تحكم عمل اعضائها واجهزتها وهيكليتها الداخلية.
 
 
2- تكريس مفهوم التمثيل المستند الى المشروع والنهج
حان الوقت ان تغلّب العملية الانتخابية في لبنان اعتبارات تتعلق بالخطاب وبالنهج وبالالتزام بمشروع يتمحور حول المصلحة العامة بدلاً من هيمنة التنفيعات والممارسات الزبائنية توزيع المناصب وفقاً لاعتبارات طائفية وفئوية. ويتعذر تحقيق هذه الغاية في ظل غياب منافسة منصفة ومعارضة بنّاءة متمركزتان حول حاجات الناس وقضاياهم. يفترض بالتالي على الاحزاب والكتل التي تشارك في العملية الانتخابية وتخاطب قواعدها الشعبية ان تطرح برامج سياسية وانمائية وتلتزم انجاز سلّة متكاملة من الاصلاحات بدلاً من الهاء الناس بشعارات واثارة النعرات بهدف التنصّل من المحاسبة والمسؤولية.
يفترض هذا الامر توفير مناخ وآليات تتيح للناخبين تحديد المشروع الافضل والاصح لتمثيلهم في البرلمان وتصويب علاقتهم وتفاعلهم مع ممثليهم المستقبليين. ومن الثابت ان نقطة الانطلاق في هذا المسار هي طبيعة النظام الانتخابي ومضمونه. ومن الثابت ايضاً ان الاصلاحات لا تطال البرلمان فحسب، فآثارها من شأنها حكماً ان تنعكس ايجاباً على تكوين السلطات الدستورية الاخرى وعلى فعالية الهيئات والاجهزة المعاونة للهيئة العامة داخل المؤسسة التشريعية.
 
 - التصدي للمارسات الزبائنية:
من المعلوم ان القوى السياسية التقليدية تنتهز "المواسم الانتخابية" لحصد ثمار الخدمات التي تقدمها الى قواعدها مقابل ولائهم شبه المطلق من دون اي مساءلة او محاسبة. وبرزت حقيقة الامر خلال المقابلات التي تسنى لنا اجراؤها مع النواب مدى حجم الوقت والموارد الذي يخصصونه للاستجابة الى مطالب قواعدهم وتلبية الدعوات والواجبات الاجتماعية حيث بات السلوك الزبائني المبني على المحسوبيات من بديهيات ومسلمات الوظيفية النيابية في ظل غياب الدولة. واعتاد النواب على تغليب اولويات ومطالب فئة محصورة من الناس وتخصيص جهودهم ومساعيهم لارضاء ناخبيهم وذلك على حساب تطوير السياسات العامة واصلاح المؤسسات وتعزيز المرافق العامة بهدف خدمة مصلحة كل الناس. وعليه، اصبحت عملية التمثيل وولاية النائب رهينة حلقة مفرغة تحكمها قاعدة العرض والطلب بموازاة تعطيل جميع آليات الرقابة والمحاسبة وتفشّي الهدر والفساد في الجسم الاداري.
للنظام الانتخابي دور جوهري يمكن ان يحدّ من هذه الممارسات، يبدأ بالتصدي لها خلال الحملات الانتخابية وحتى موعد الاقتراع. وللنظام النسبي هنا ايضاً حسنات يمكن البناء عليها، فخلافاً للنظام الاكثري، بات للصوت الواحد قيمة اعلى مقارنة مع النظام الاكثري في عملية احتساب الاصوات. وبالتالي، وبقدر ما يبدو ذلك تهكّماً، اصبح صوت الناخب اكثر كلفةً على الاطراف الذين يراهنون على "شراء الاصوات" في المعركة الانتخابية . وفي حين يمكن ان يصب هذا الامر في مصلحة الافراد والاحزاب والجهات التي تجذب دعماً وتمويلاً اكثر من غيرها، فان نظام اللوائح سيحرر حتماً شريحة واسعة من المقترعين من اساليب التهويل والاكراه التي كانت تمارسه الاحزاب في ظل نظام شرّع استعمال اللوائح "الملغومة" وتوزيعها عليهم قبل موعد الاقتراع.
 
 - تصويب آليات توزيع السلطة:
من المعلوم ان التحدي الاساسي الذي يعيق عملية اصلاح النظام (او بالاحرى قيامه) يتمثل بتغليب التمثيل الطائفي والفئوي على صعيد تكوين المؤسسات الدستورية. وفي حين يحاجج البعض ان التعديلات التي اقرّها الطائف كان هدفها تصويب عملية توزيع السلطة فيما بين رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والمجلس النيابي، ادّى تكريس قاعدة المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مختلف المناصب العامة اضافة الى فرض احتكار الطوائف للرئاسات الثلاث، دون اي مسوّغ قانوني الى انحراف النظام وتفريغ مبدأ توزيع السلطات من مضمونه.
فالاستقطاب الحاد الذي تفتعله القوى السياسية والطائفية نتيجة طبيعة التمثيل هذا يترجم اما الى تواطؤ او الى تعطيل. في الحالة الاولى، وحين تلتقي مصالح الطوائف، يضرب مبدأ فصل السلطات وتوزيعها، ويعطّل نظام الضوابط والتوازنات فيما بينها. وفي الحالة الثانية، اي في حال تضارب مصالح هذه الاخيرة، تشلّ المؤسسات ويتعذّر بالتالي اللجوء الى الاليات المتاحة لحلّ الخلافات والازمات وتعقد الصفقات خارج اروقة البرلمان والمؤسسات الدستورية، بين رؤساء الاحزاب والطوائف، وتكون النتيجة المعتادة تواطؤاً بين هؤلاء للحفاظ على مصالحهم والتوازنات القائمة بمعزل عن مقتضيات المصلحة العامة.

(المرجع: كتاب "المجلس النيابي اللبناني 2009 – 2017: بين التمديد والتفريغ")