العدد 33 - مقال سياسي: لكي يصبح للكلام والشعارات قيمة.. مكافحة الفساد تنطلق من وضع برنامج عمل دائم ومؤسساتي
مقال سياسي: لكي يصبح للكلام والشعارات قيمة.. مكافحة الفساد تنطلق من وضع برنامج عمل دائم ومؤسساتي
 ان محاربة الفساد وملاحقة الفاسدين تندرج في سياق برنامج عمل شامل للاصلاح وواجب الاصلاح عمل شاق ومستدام، دونه عقبات كبرى، وليس واقعة واحدة، او جهداً آنياً مرتبطاً بظرف معين او مناسبة معينة، كمناسبة الحملات الانتخابية, فمثل هذا الحديث عن الفساد ومحاربة الفساد يتوقف فور انتهاء المناسبة ويبقى مجرد شعار وكلام في الهواء.
ففي الحقيقة، ان الاصلاح سياسياً كان ام ادارياً ام مالياً، والقضاء على الفساد ومحاسبة الفاسدين والمفسدين لا يتحقق الا بثورة دستورية سياسية اصلاحية شاملة على كل الاصعدة، تعيد العمل وفق النصوص الدستورية بعد ان جرى تعطيلها وشلّ عملها بعدم احترام مقررات المؤسسات الدستورية المنبثقة عنها. ان الدستور معلّق تطبيقه فعلياً في لبنان، رغم حرص اولياء الامر في النظام الحالي للحفاظ على الشكليات الدستورية. هذا التجاوز للدستور في الحقبة التي تلت اتفاق الطائف ودستوره، عطّل نظام الحكم وآليات المساءلة والمحاسبة، فنما الفساد واستشرى، وامتدت جذوره عميقة في النفوس وفي المؤسسات. ولذا، لا يتحقق اي اصلاح فعلي الا بثورة دستورية تعيد العمل بنصوص الدستور، وتعيد تفعيل عمل مؤسسات الدولة الرقابية.
هذه الثورة الدستورية لكي تنجح وتعطي ثمارها يجب ان تبدأ بتجاوز الطائفية السياسية وفق النظام الدستوري الملزم ( الفقرة 2 من المقدمة والمادتان 22 و95 من الدستور). وهذا ما كان طالب به المعلم كمال جنبلاط في برامجه للاصلاح في لبنان قبل خمسين عاماً.
 
 وبعد هذه الانطلاقة الدستورية يتدرج الاصلاح الى تحقيق السيادة الشعبية من خلال اجراء انتخابات نيابية وبلدية حرة ونزيهة تؤمّن صحة التمثيل وقيام المساءلة والمحاسبة السياسية / الشعبية، والتشريعية/ التنفيذية، وفق النصوص الدستورية الملزمة ايضاً.
ومن هذه الخطوة الى خطوة اخرى تحو تحقيق قيام سلطة قضائية مستقلة قادرة على تأمين الضمانة القضائية العادلة على الجميع، وعلى كل المستويات وفق النص الدستوري الملزم ايضاً.
ومنه ايضاً الى تأسيس نظام قيم جديد يقوم على روحية العدالة الطبيعية والزامية القوانين الوضعية، وعلى مبادئ الحق والانصاف والنزاهة على قاعدة العيش المشترك والحريات العامة وحق التعبير، والايمان، والتعليم الحر وفقاً للضمانات المنصوص عنها في الدستور ايضاً.
وصولاً الى وضع حدّ للوصايات الخارجية ووقف تدخلاتها ومحاولاتها السيطرة على القرار في لبنان.
وتكتمل الثورة الدستورية اخيراً بإقرار تشريع يؤمّن الشفافية عبر اقرار حق المواطن بالوصول الى المعلومات الرسمية والاطلاع عليها، لان الوصول الى المعلومات الرسمية والاطلاع عليها حق اساسي بديهي بمقدار ما هو حق قانوني مكرّس لكل مواطن بموجب الاعلان العالمي لحقوق الانسان. لا ان نكتفي بوضع التشريع ونمنع تطبيقه بمختلف الاعذار والوسائل كما هو حاصل الآن.
وليس من باب المغالاة، في هذا السياق، تأكيد التفاعل ما بين الديموقرطية والمحاسبة – باعتبار ان المحاسبة هي بالفعل في اساس الديموقراطية.
الا ان المحاسبة يتعذّر العمل بها في غياب الشفافية التي تفترض احترام حق المواطنين في الوصول الى المعلومات للمحاسبة على اساسها.
على ضوء ما تقدم، وعلى ضوء وقائع حقيقة ما هو حاصل في لبنان اليوم، فان هذا يعني ان للمجتمع المدني وللجمعيات الاهلية دوراً هاماً ينتظرهم. فقد آن الاوان لصحوة شعبية ترفض السكوت عن الفساد والفاسدين وتناضل من اجل تحقيق الثورة الدستورية انطلاقاً من تحقيق الشفافية في السياسة والقضاء والادارة.