العدد 33 - مقال سياسي: أوهام الإصلاح والواقع المرير
مقال سياسي: أوهام الإصلاح والواقع المرير
 منذ قيام العهد، لم تمر مناسبة رسمية أو خاصة الا وحذر مسؤول من هنا ومسؤول من هناك، من تردي الوضعين الاقتصادي والنقدي بسبب سوء الإدارة وتراكم الأزمات، ووعد بأن العهد سيتصدى لهذا الوضع المزري الذي وصل إلى حافة الهاوية، بادئاً ذي بدء بوضع خطة إصلاحية شاملة أولى أولوياتها وقف الهدر الذي يتفاقم عاماً بعد عام، بترشيد الإنفاق، ووقف الفساد وقطع يد الفاسدين، ورفع معدل النمو العام الذي يلامس حالياً الصفر، والحد من تفاقم الدين العام البالغ حتى العام 2018 أكثر من 80 مليار دولار أميركي.
وعندما تشكّلت أول حكومة بعد انتخاب رئيس الجمهورية تعهدت في بيانها الوزاري الذي نالت على أساسه ثقة المجلس النيابي بوضع هذه الخطة والالتزام بتنفيذها، وها هي رحلت بعد أكثر من سنة على توليها إدارة الحكم، ولم تنفذ منها بنداً واحداً باستثناء إقرار الموازنة العامة، واجراء الانتخابات النيابية على أساس ذلك القانون الهجين الذي عمق الطائفية والمذهبية بدلاً من أن يؤسّس لإلغائها. أما عن التغني بتحقيق سلسلة إنجازات أخرى، كالتعيينات وغيرها فهي إجراءات لا تمت إلى الإصلاح الإداري بأية صلة بقدر ما تدل على ذهنية الاستئثار والكيدية، والزبائنية التي تؤدي حتماً إلى خراب الإدارة.
وعلى الرغم من ادعاء العهد أحياناً بأن ما حققه حتى الآن، يصب فعلاً في خانة الإنجازات، فإن كل التقارير التي وضعتها المؤسسات الدولية ومنها البنك الدولي عكست صورة مغايرة تماماً لما يدّعيه، وحذرت من الثمن الغالي الذي سيدفعه لبنان في حال استمر على هذه السياسة.
 
 وفي آخر تقرير للبنك الدولي أضاء في جانب منه على بعض الإيجابيات، كأن يصل النمو العام في نهاية العام الجاري 2018 إلى أكثر من واحد ونصف بالمائة للتدليل على التردي الذي وصل إليه هذا البلد نتيجة السياسة المعتمدة، لكن التقرير نفسه ركز على الجوانب السلبية التي تحتاج إلى معالجات سريعة، لأن استمرارها على ما هي عليه يضع البلد على مفترقات خطرة، وأبرز ما ركز عليه الهدر المتفاقم والفساد المستشري، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما هو حاصل على صعيد الكهرباء من عجز سنوي لا يقل عن ملياري دولار أميركي والذي من شأنه أن يُفاقم الدين العام الذي سيتجاوز هذا العام الثمانين مليون دولار من دون أن يغفل وجوب اعتماد سلسلة إصلاحات أخرى لوضع حدّ للفساد المستشري على جميع المستويات البنيوية للدولة، والذي يساهم بشكل مباشر في ارتفاع معدلات الدين العام، وما يستتبع ذلك من ضائقة اقتصادية وبطالة عامة عند الشباب اللبناني وصلت في العام 2017 الى ما يزيد على الستة وثلاثين بالمائة، وهي مرشحة للارتفاع إلى معدلات أكبر في السنوات الخمس المقبلة في حال لم تبادر الدولة إلى تحقيق الإصلاحات البنيوية التي ذكرها البنك الدولي في آخر تقرير له عن الوضعين الاقتصادي والنقدي في لبنان.
 
 وبطبيعة الحال لم يغفل التقرير نفسه، جانب المساعدات الدولية للبنان للتخلص من أزماته ومنها على وجه الخصوص تلك التي أقرها مؤتمر سيدر الذي عقد في فرنسا قبل نحو أشهر تقريباً، بشرط أن تعرف الدولة اللبنانية كيفية الإفادة من هذه المساعدات بتلبية الشروط التي وضعتها الدول والمؤسسات الدولية التي شاركت في هذا المؤتمر ومنها بالإضافة إلى ما ذكره تقرير صندوق النقد الدولي لجهة الإصلاحات البنيوية بدءاً بقطاع الكهرباء ووقف هدر المال العام، الاستقرار السياسي الذي يستوجب بداية وقبل أي أمر آخر الإسراع في قيام حكومة بناء على خطة إصلاحية متكاملة تضع في سلم أولوياتها ذلك على المديين القصير والبعيد الأجل، على أساس أن الاستقرار السياسي يحقق الاستقرار الأمني وكلاهما معاً يشكلان اساساً لتشجيع الاستثمارات الاجنبية للعودة إلى لبنان بعدما أدت الأزمات المتلاحقة التي شهدها هذا البلد منذ العام 2005 وحتى الآن إلى هروب معظم هذه الرساميل إلى مكان آخر آمن.
 
 وكان من البديهي أن تبادر السلطة الحاكمة إلى الاستجابة للشروط التي وضعتها الدولة والمؤسسات التي شاركت في مؤتمر سيدر والعمل بسرعة على تحقيق الإصلاحات المطلوبة، الا أن كل المؤشرات تدل على ان لا شيء يشي بأنها ستستجيب لمتطلبات المصلحة العامة، وان كان اللبنانيون يستمعون في كل يوم إلى مسؤول من هنا ومسؤول من هناك يُؤكّد إلتزام العمل للاستجابة إلى نصائح المجتمع والمؤسسات الدولية في أسرع وقت ممكن في الوقت الذي تدل كل تصرفاته عكس ذلك، سواء على صعيد الاستمرار في سياسة هدر المال العام، أو على صعيد عقد الصفقات المشبوهة، وليس آخرها صفقة بواخر الكهرباء، ولا الصفقات الأخرى الكثيرة التي كشفت عن بعضها وسائل الإعلام ومنها صفقة التجنيس التي جاءت بالتزامن مع الاتصالات الجارية لتشكيل حكومة ما بعد الانتخابات النيابية، ولا في صفقة تعيين القناصل الفخريين، ناهيك عن سياسة الاقصاء للاستئثار بالحكم التي يعتمدها حزب رئيس الجمهورية، ويشاركه فيها بمعرفة أو من دون معرفة الرئيس المكلف تشكيل الحكومة العتيدة.
إن إعتماد هذه السياسة من قبل الذين يدعون النزاهة والاستقامة والاصلاح السياسي والاقتصادي من شأنه ان يحمل المجتمع الدولي والبنك الدولي وكل المؤسسات الدولية التي تتعاطف مع لبنان وشعبه إلى اليأس التام من إمكانية أن يتحقق على يد المسؤولين الحاليين أي من الإصلاحات البنيوية مما سيؤدي حتماً إلى أن يفقد هذا البلد أي دعم دولي، ولو في الحدود الدنيا، وسوف يستمر بالإنحدار بسرعة للسقوط في الهاوية.