العدد 15 - مقابلة مع المعلم كمال جنبلاط
نافذة على فكر كمال جنبلاط
مقابلة مع المعلم كمال جنبلاط
في هذه المقابلة، يردّ كمال جنبلاط على أسئلة متنوعة تناولت عدة قضايا، نقتطف منها لقرّاء "فرح" ما يلي:
- لماذا يصعب الى هذا الحد، إدخال الديمقراطية الى بلد عربي؟ هل ثمة عوائق خاصة؟
• كلا، ففي الماضي عرفت سوريا والعراق أنظمة برلمانية، كذلك عرفتها السودان والكويت ومصر أيضا. وكانت هذه الأنظمة بالإجمال، تعمل في خط الديمقراطيات الأوروبية وعلى غرارها. ولكن انشاء دولة اسرائيل في العام 1947 وفشل الجيوش العربية أمام الواقع الاسرائيلي، أطلق سلسلة كاملة من الانقلابات والثورات في العالم العربي. أما أنا، فأعتقد أن العوائق في طريق تحقيق الديمقراطية في العالم العربي، مصدرها واقع أن الأحزاب التي في السلطة لم تعرف كيف تعبىء الراي العام، وأيضا الدور المهيمن للجيوش في بعض الأنظمة.
ويقينا أن ما يتيح بقاء هذه الأنظمة الفرانكوية النهج والمدعية للتقدمية، هو رعاية الدول العظمى لها. ولكني لا أعتقد أنها – بالطريقة التي تدير شؤونها بها – سوف تعمر طويلا. ولذا، فإنه ستحصل تغييرات قبل أو بعد نيف، وقد يكون لا بد من وسيط، حافز ما، لبعث حركة في العالم العربي تتجه نحو شكل ما من أشكال الديمقراطية. وقد سلف أن ساد إبان حقبة الخلافة العباسية، مناخ من الحرية الكاملة في الامبراطورية العربية، لمدة تناهز القرنين ومن ثم، ولا أدري لماذا، أسدل الستار عليه.
وبالاجمال، فإني لست متشائما بالنسبة الى المستقبل، ذلك أن الاتجاه نحو الديمقراطية، بدأ يعمّ مختلف الأنظمة في كل مكان في العالم تقريبا – حنى في الاتحاد السوفياتي وفي البلدان الشيوعية.
- الدين الاسلامي ليس عائقا، إذاً، أمام الديمقراطية؟
• على العكس تماما، فقد تم التبشير بالديمقراطية الحقيقية، ثم طبقت هذه الديمقراطية الفعلية أيام النبي محمد، ومن بعده في ظل حكم الخلفاء الراشدين. وقيل دائما عن عمر بن الخطاب، أنه كان قائدا ليبراليا ينصاع لانتقادات الجميع. وكثر هم الخلفاء في تلك الحقبة، الذين كان يمكن أن نصنفهم بالاشتراكيين الديمقراطيين. لقد خلق الاسلام نوعا من المساواة الاجتماعية عبر العصور، على الأقل في مرحلته الأولى، قبل أن يثرى الناس، وتظهر الطبقات الرأسمالية
.
- كيف تتصورون العالم العربي بعد عشرين سنة؟
• الجواب صعب، بل وغاية في الصعوبة، فإني أخشى أن يفرط في الغربنة، في اتجاه هذا المفهوم الخاطىء العصري للغربنة، مقطورا خلف آلتها ومختلف ارتهاناتها للإنسان، إن من الوجهة المادية والبيئية، أو النفسية والأخلاقية.
فلإنسان مقلد كبير – خلف حقيقي للقرد – بخاصة الساميون، أي نحن. وغالبا ما ينبغي للإنسان أن يذهب مع الحضارة المادية الى غايتها، لكي يدرك مختلف العواقب والتشويهات والعيوب البسيطة التي تنبع عنها. فقد تكون الشائبة كوضوح النهار، ولكنك لا تراها للوهلة الأولى. فسلطان الوهم، "المايا"، يستولي عليك ويجنح بك. وعندما تبلغ هذه الشوائب والعيوب والتشويهات قصارى حدّها، فانه غالبا ما يكون الأوان قد فات، فيسود التسمم المعنوي، وتبدأ دورة التفكك دون أن تستطيع تلافيها.
ولسوء الحظ، فإن الشعب بمجمله لا يستطيع في ذلك شيئا، على الرغم من مختلف نظريات الوعي الشعبي والسيادة الشعبية والديمقراطية المتبصرة. وخطر المكننة هذا، هو خطر نتعرض له في العالم جميعا، وما نحن فيه، مثال عليه!.
فإذا عدينا عن هذا، فإني أتبين فيما أعتقد ثورة كبرى أو تطورا اجتماعيا، يجول في العالم العربي من بلد الى آخر، وبخاصة تخوفا نفسيا أكبر، من مشاكل الغد. هذا الشكل من الاشتراكية التي تلوح في الأفق، سيحمل شيئا جديدا، حتى الدول البترولية المفرطة الغنى لن تستطيع اتقاءه.
القومية العربية ستمضي في طريقها، رغم خيباتها الحالية، وسنمضي نحو الوحدة العربية، على الأقل بين عدة شعوب، ان لم يكن كلها. ولكني أخشى من مشاركة قليلة للسيف في هذه العملية التوحيدية. أما الاسلام، فسيستمر بلعب دوره الجاذب اللاحم. ولكنه – مع ذلك – عليه أن يمر بعملية تجديد، على العودة الى الينابيع. اذ لا بد من الاعتراف بأن لا تماسك بين العرب، لولا الاسلام. ذلك أن، كما أحسن بملاحظته ابن خلدون، الأمة العربية تحتاج الى محرض عاطفي دائم الفعالية، الى نوع من العصبية. لربما تكون جميع الشعوب هكذا، ولكن هذا يظهر بشكل ساطع عند العربي السامي.
كل ما أرجوه هو أن تتمكن الوحدة العربية من أن تتوجه مجددا نحو هذا النوع من المشاركة الحرة الانسانية بين الشعوب العربية، في صيغة من الكومنولث، أو من التنظيم الملي، كما كان الحال أيام الخلافة العربية أو أيام السلطنة التركية، أي في صيغة تعاضد شعوب وثقافات وقوى، لا تغيب الحرية عنه.

- كيف ترون مستقبلكم السياسي؟
• لست أدري شيئا، فغالبا ما تقرره الأحداث. لكني أظن أنني سأبتعد تدريجيا عن السياسة، بدءا بتمثيلي دائرتي في مجلس النواب، ثم أسلك بعد ذلك تدريجيا، طريق التقاعد "الاعتكاف على ضوء المشاعل"، لأكرس نفسي لشيء آخر، لأبحاث ثقافية وروحانية للسلام. فعلى الثمرة الناضجة أن تنفصل تدريجيا ثم تسقط لتتم الدورة. وسيأتي كل شيء في أوانه، عفوا ومن دون جهد: نشاط في الهمود وهمود في النشاط، كل شيء يتساوى. وأعتقد أني بعد قليل من الآن، سأتخلى عن نيابتي لأني أريد أن أكون حرا. فالنيابة تثقل، بخاصة عندما ينتابك شعور بأنك ما حققتها ولا أتممتها بما فيه الكفاية. أريد أن أنعم بمزيد من الهدوء والوقت، لأكرّس المزيد من الوقت لشؤون الحزب التقدمي الاشتراكي. وعلي كذلك، أن أهتم بنشر مؤلفات في البحث الصوفي في العربية والفرنسية والانكليزية.
- في لبنان، كما في فرنسا، يعتقدون، مع وجود كل هؤلاء الأعداء لكم، أنكم من شبه المؤكد، معرّضون أن تكونوا هدفا لمحاولة اغتيال؟
• هذا ممكن. سبق أن نجوت من محاولتي اغتيال في عام 1962 وبعدها بقليل. والأن هذا صحيح، عادوا يتكلمون عن ذلك.
- ولكنكم لا تأخذوا أي احتياط!
• لا بد من بعض الاحتياطات، ولكن كل الذي يجب أن يحصل سيحصل.
في الماضي عرفت عدة بلدان عربية أنظمة برلمانية، تعمل في خط الديمقراطيات الأوروبية ، ولكن انشاء دولة اسرائيل وفشل الجيوش العربية أمام الواقع الاسرائيلي، أطلق سلسلة كاملة من الانقلابات والثورات في العالم العربي.

القومية العربية ستمضي في طريقها، رغم خيباتها الحالية، وسنمضي نحو الوحدة العربية، وسيستمر
 الاسلام بلعب دوره الجاذب، ولا تماسك بين العرب، لولا الاسلام.