العدد 32 - عيني؟ ما الذي تراه عيني من خلال شباكي؟
عيني؟ ما الذي تراه عيني من خلال شباكي؟
 أبصر في الوهاء والتلال والجبال، وفي البحار والانهار حياة تدثرت بالصمت، ولكنه صمت يضجّ بربرات الاصوات. وحياة تجري الى حياة. وحياة تلتف على حياة. وحياة تقتات بحياة. انها الكثرة في المظهر، والوحدة في الجوهر.
وأبصر في المباني المساكن والمتاجر والمصانع والمعابد والمستشفيات والثكنات والمقاهي والملاهي والمحاكم والسجون ودور العلم والفن وغيرها من اصناف المباني التي يشيدها الناس لشتى الغايات والمناسبات.
ففي المساكن ابصر ارحاماً تمتلئ وارحاماً تفرغ، وطفولة تحبو الى الصبا، وصبا يندفع نحو الشباب، وشباباً يعدو الى الكهولة، وكهولة تهرول الى الشيخوخة، وشيخوخة تدبّ الى القبر. ابصر حياة الناس جدّها وهزلها، وفي مدّها وجزرها.
وفي المتاجر ابصر باعة يترصدون الشاري ترصد العنكبوت للذبابة. والكل علقوا في شباك لا براح لهم منها، انها شباك الاله الساحر الماكر القهّار الذي اسمه الدينار.
وفي المصانع ارى بشراً يعالجون ماكينات لا لحم فيها ولا دم، ولا فكر لها ولا قلب. ولكنها تستعبد الذين يعالجونها، فتمتص لحومهم ودماءهم، وتستعبد بأفكارهم وقلوبهم باسم التقدم واسم الدينار. وفي المستشفيات ارى المباضع تعمل في اللحم والعظم، وفي الاحشاء والامعاء. وارى الجراثيم في سباق مع العقاقير، والاسرّة تترنّح بالاوجاع، والذين تجنّدوا للدفاع عن العافية ضد السقم ارى بعضهم يطعن العافية بالظهر. فلا عجب. ولو انتصرت العافية على السقم لما كان لهم ما يعملون. فمن سقم الناس رزقهم ورضا الدينار الذي بإسمه يسبّحون.
وفي المحاكم ارى رجالاً تجلببوا بسلطان القانون. ورجالاً ونساء يستجدون منهم العدل والرحمة بإسم القانون. وارى الرحمة والعدل يقرعان ابواب المحاكم قرعاً متواصلاً، فلا تفتح لهما الابواب، ولا يسمح لهما بالدخول.
وفي السجون ابصر الآلاف من الذين قضى عليهم القانون بالعيش ضمن جدران كالحة قاسية عابسة بينها وبين الشمس المحيية والهواء الطلق والنظافة المنعشة جفاءعقيم. مثلما قضى عليهم بالحرمان من كلمة لطيفة وبسمة عذبة ، وبضروب من التعذيب والتهشيم والتحقير يقشعرّ لها حتى الشيطان الرجيم.
اني لأبصر بخيالي في لحظات ما يستحيل على عيني ان تبصره في عمر كامل. وتبقى الاشياء التي لا ابصرها حتى بخيالي اضعاف اضعاف التي ابصرها. ويبقى يعذبني شوق عنيد الى رؤية كل ما تحجب عن بصري وعن خيالي. فمن اين هذا الشوق؟ وكيف السبيل الى اطفائه؟ ومتى ابصر كل شيء؟
(من كتاب "اليوم الاخير" ص. 41 - 48)