العدد 32 - لو اصغيتم الى كمال جنبلاط ومشروعه الاصلاحي
لو اصغيتم الى كمال جنبلاط ومشروعه الاصلاحي
 ينشغل اللبنانيون بمشكلاتهم التي لا تُختصر بقضية واحدة، وإن كان البلد يشهد أزمات سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية ليس سهلاً الخروج منها في غياب تسويات شاملة. وبينما يستعد اللبنانيون للانتخابات النيابية وفق القانون النسبي الطائفي ومعه الصوت التفضيلي، فإنهم يغرقون في اصطفافات سياسية وطائفية، بحيث لم يظهر إلى الآن ما يشير إلى وجود كتل شعبية قادرة على خرق الهيمنات، ولا إلى قوى اعتراض قادرة على بلورة برامج سياسية من موقع مستقل يعيد الاعتبار الى معنى المعارضة ويؤسس لبناء تيارات قادرة على التأثير والتغيير. لكن مَن يستفيد من التجربة والتاريخ؟ فلو اصغت الطبقة السياسية عشية الحرب لطروحات الزعيم كمال جنبلاط لما كنا نتخبط اليوم في المأزق بعد الحروب التي أخذت من رصيد البلد ودمرت بنيته الاجتماعية وعاثت في نسيجه فساداً إلى حد أصبح النظام كله مركّباً وفق مصالح الطوائف ومحاصصاتها.
ماذا لو أصغت الطبقة السياسية وأطراف السلطة لكمال جنبلاط عشية الحرب؟ سؤال افتراضي لكنه منطقي، حين يُجمع كثيرون على أن قانون الانتخاب الذي سيقترع على اساسه اللبنانيون لن يعدل في التركيبة السياسية والطائفية والتوازنات في البلد، لا بل ان المعارك الانتخابية ستقتصر على 20 نائباً قد يخترق فيها المعارضون المدنيون أو غيرهم مقاعد مجلس النواب، وقد لا يصل أحد منهم وفق سياسي يرى أن الاعتراض لم يستطع بناء كتلة شعبية حاضنة في إمكانها التأثير والاستقطاب. وهذا يعني أن قانون الانتخاب قد ترك هامشاً بسيطاً للاعتراض، وإن كان عنوانه النسبية، لكنها ملغومة بالصوت الأكثري وبالتركيبات الطائفية والاصطفافات التي لا تسمح للصوت الاعتراضي بالذهاب بعيداً في البناء وتحقيق نتائج وازنة في الاستحقاق الديموقراطي الانتخابي، على ما نشهده من تفكك في الخيارات المدنية والحزبية العلمانية واليسارية، إلى درجة أن اصوات الاعتراض باتت مشتتة إلى حد كبير.
 
 في قانون الانتخاب وفي الممارسة السياسية نعود إلى كمال جنبلاط، وقد مرت أيام قليلة على الذكرى الـ41 لاغتياله. فماذا لو كان البلد قد أصغى وسمع هذا الزعيم الاصلاحي الذي طرح برنامجاً باسم "الحركة الوطنية اللبنانية" عابراً للطوائف، يعتمد قانوناً جديداً للانتخابات يقوم على الغاء الطائفية السياسية، جعل لبنان كله دائرة وطنية واحدة، الأخذ بنظام التمثيل النسبي، نائب لكل عشرة آلاف ناخب، خفض سن الانتخاب الى ثمانية عشر عاماً، اعتماد البطاقة الانتخابية، تأمين مراكز الاقتراع في اماكن السكن، تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب لترسيخ مبدأ التكتل البرلماني، انشاء لجنة قضائية للاشراف على الانتخابات وبتّ الطعون، اخضاع النائب لمراقبة ديوان المحاسبة ولمحكمة الاثراء غير المشروع، ووضع سن لتقاعد النواب في الرابعة والستين، إضافة إلى إصلاحات واقتراحات بينها انتخاب جمعية تأسيسية في سبيل إنشاء دستور جديد للبنان. لكن البلد كان قد غرق في وحول الحرب التي دمرت بنيته وأنهت كل النهوض الديموقراطي الذي تحقق مدى سنوات طويلة، وكرست انقساماً طائفياً ومذهبياً صافياً مزّق أوصال لبنان من شماله الى جنوبه، وفتح الطريق على التدخلات الخارجية وآثارها التدميرية على لبنان.
 
 يختلف قانون الانتخاب الحالي عن مشروع كمال جنبلاط، بالقدر الذي يختلف به لبنان عن الأمس. ويتحدث سياسي عن أصل المشكلة، فالقانون النسبي بلا نهوض ديموقراطي خارج إرادة الهيمنات الطائفية لا يحقق التأثير ولا الاستقطاب ولا الخرق أيضاً، على رغم أنه يفتح الطريق لإعادة بناء كتلة شعبية يمكن أن تراكم باستقلالية لأمد طويل. وما غاب مع كمال جنبلاط الذي اغتالته يد الديكتاتورية التي صنّفت نفسها "عروبية" هو ذلك الرصيد الشعبي الوطني الذي تفتقده قوى الاعتراض اليوم، وهو الرصيد الذي رفع خصوصية الجنبلاطية الى الموقع الوطني العام، فكان في إمكان كمال جنبلاط أن يتحدث باسم الجبل ولبنانياً أيضاً، وأن يتقدم عربياً وعالمياً، وأن يشرّح النظام الطائفي اللبناني من موقع المعارضة والبديل أيضاً، وهو من أركان النظام المؤسس للكيان. وهذا التذكير بالمشروع السياسي الوطني الذي انتمى إليه جنبلاط وقاده، من ضمن تيار شعبي واسع، كان يطمح إلى تجاوز لبنان المزرعة إلى لبنان الوطن. لكن الوطن لم يكن أقوى فسقط هذا الزعيم الاعتراضي وعلق في نار الحروب الطائفية وعصبياتها وهيمنات أطرافها، وفقد لبنان فرصة كانت متاحة للانتقال بسلاسة الى بلد ديموقراطي مستقل بديلاً من الحرب. ومع الحرب انتقلت الجنبلاطية الجديدة بعد انفراط التيار الشعبي الوطني، الى جغرافيتها وبيئتها الديموغرافية، كما حصل مع كل الطوائفيات واصطفافاتها.
 
 
عُلّق مشروع كمال جنبلاط الاصلاحي بعد اغتياله ولم تصغِ اليه أطياف التشكيلة اللبنانية، فيما اختار كبار مثل ريمون إده الخروج بعدما أوغل لبنان في حربه الداخلية. وكان اغتيال جنبلاط شحنة تفجيرية أضيفت إلى سائر الشحنات التي فتكت بالوطن الصغير، فأسس الاغتيال للتدخل الخارجي اللاحق، بعدما سوّغ السوري لنفسه الدخول إلى لبنان، ودائماً بغطاء داخلي ورعاية دولية. لكن اغتيال القائد اللبناني الوطني كان يعني إخراج هذا الموقع من المعادلة العامة، ودوره الوسطي ولاعب الاعتدال، وهو الذي كان وحده قادراً على تأدية دور صلة الوصل بين نظام سياسي، هو واحد من أقطابه، وحركة شعبية ناهضة، هو واحد من صمامات انضباطها. هذا هو جنبلاط الذي لم يسمعه النظام الطائفي اللبناني ولا أصغى أركانه إليه، لا بل ان الطوائفيات لم تستطع استيعاب الجنبلاطية فنبذتها، فيما تولت سلطة الوصاية الباقي فأنهتها قتلاً، وأدى ذلك، وفق السياسي اللبناني، إلى دخول لبنان في نفق الحروب والتفكك الاهلي والسياسي والصراع الطائفي الذي لم يعد هناك من يستطيع جمعه مشتركاً بل يستمر متناحراً لكنه يتمكن من تسويات تقوم على المحاصصة وتوزع المصالح، ومنها قانون انتخاب وُسم بالنسبية لكنه أيضاً يحفظ حقوق الهيمنات التي وزعت "حقوقها" بالتساوي في كل مشاريع التركيبة اللبنانية وتشكيلتها الراهنة.
اغتيل كمال جنبلاط في 16 آذار 1977، وانتهت معه حقبة مضيئة، عجز أرباب السلطة يومها، وقبل الحرب، عن استيعاب إصلاحاته، فكان الانغلاق هو السمة الأبرز للنظام. وبإقفاله على مشروعه، ها نحن ندفع اليوم الفاتورة. ولم نصغ إلى كمال جنبلاط.