العدد 31 - كمال جنبلاط ... في قراءة المختلف!
الشهادات
كمال جنبلاط ... في قراءة المختلف!
 غاص في أعماق وعينا ونقشه بأحرف وكلمات، وزار حياتنا في مهمة تجاوزت طموحاتها كل الأشكال والرتابة المعهودة، هكذا أقبل كمال جنبلاط على مجتمع طبعه القدر بنعمة التواضع والالتصاق بالأرض والبحث عن روافد الحياة الكريمة. وعادةً ما يأتي على الناس في كل مائة عام مَن يوقظ فيهم محفزات سياسية وفكرية جديدة تضاف إلى جملة من المسلمات التي آمنوا بها عبر الزمن، وهذه من سمات الرسل الذين يقبلون على هذه الدنيا لسبب يتعلق بدين أو برسالة أو بتبليغ. لكن كمال جنبلاط أتى هذه المرة لأمر يتعلّق بقضية الناس والمجتمع وكل مستلزمات الحضارة. لم يكن رسولاً أو نبياً بالطبع، إنما، بالنسبة لمعاصريه ومجتمعه، قام بما يقوم به الأنبياء.!

لقد أدى كمال جنبلاط وظيفته كنموذج سياسي كرس نهجاً يفترض الإقتداء به في كل ما يتعلّق بأمور الحياة، وكرّس دوره كمسار إنساني تسلكه الجماهير بعده ويتظافر مع تيارات الكون الفكرية وتهتدي بأفكاره الشبيبة. وأضاف إلى تلك الوظيفة خلاصات تجلّت في وعينا وجعلتنا نُحاكي الحدود الفاصلة بين الخيال الذي يحلم والواقع الذي يصدم. لقد حلمنا معه كما يحلم الفقراء والجياع في معركة صمودهم أمام الواقع الذي ينسف آمالهم ويعيدهم إلى مربع الخبز اليابس وصفائح التنك. وكان لكل محطة في حياته ما اختبرناه بالملموس والتجربة، وما يجب أن نعتبره منها بالتنظير والعمل المباشر على حد سواء. فكان لإطلاق الحزب كفكرة نواة ما يتخطاها من أمل وتأسيس في ما هو أشمل من الحزب ذاته، فالحزب هو الوسيلة، وإذا وقعت أمامك الخيارات فهناك ما هو أعمق وأشمل وأعم، فالحزب ليس هيكلاً من عصبيات نقف على حدود تشظياتها، إنما هو الآلية التي تكسّر الهياكل والأصنام التي تشوّه صورتنا وتطلق غرائزنا المفرطة.
 
كما وكان لصياغة البرنامج المرحلي للحركة الوطنية ما يتعداه من ارتباط مُحكم بالرافعة المطلوبة لتغيير الواقع الداخلي اللبناني والعربي على حد سواء، رافعة أجمع على كسرها بارونات الرجعية في ذلك الزمن، وغلاة القومية الذين اقتحموها بغلو وتباه وجد صداه المشرّف عند أعداء الأمة ولما يزل. لقد تجاوز حلم الشراكة مع قضية فلسطين خطوط العرب الحمراء. كمال جنبلاط مآله البحث الدائم عن القرار المستقل، عن حرية الموقف، عن جدواه أمام اختبار الضمير. كان جوهر قضيته الحرية كما هي قضية فلسطين اليوم.
وكان لاستشرافه مصير الشيوعية ما يستدعي استباق اللحظة المحتومة لانهيارها أمام طموحات الناس وميلهم للحرية، استشراف قام على إلمام مبكر بعلم الاجتماع وحركة الشعوب ونزعاتها الطبيعية وتوقها الذي يتمظهر في لحظات يحددها التاريخ، ففيض الحرية لا تقف أمامه أعتى الإمبراطوريات وحينما تتحرّك الناس من دواخلها تتعطل أمام طموحاتها آلة الاستبداد. كمال جنبلاط كان يعرف أكثر، وكان يتوق أكثر وكان ملتصقاً بقناعاته أكثر.!
 
 
 كمال جنبلاط أيقظ فينا اللُّبنات الأولى لسياق أراده لنا وأردناه لأنفسنا مختلفاً عن التقليد، ليس لحب الاختلاف فحسب، إنما لواجب التطلع إلى ما يقيم التحدي ويستنبط فينا الأمل بالحياة أيضاً. كنت أمام أي حدث، تنتظر من كمال جنبلاط ما لا تنتظره من غيره، موقفاً أو خطاباً أو خطوة تأخذه إلى حيث لا يستطيع الآخرون.

أما طريقة انسحابه من هذه الحياة فقد كانت الحدث الأصدق تعبيراً عن المصائر المحتومة للمختلفين عندنا. لماذا قُتل كمال جنبلاط؟ لأنه مثّل الاختلاف البناء ولو لم يأت هذا لقتله، لأتى لاغتياله ذاك.! وقد كتب الدهر عليه ما كتبه لرواد التغيير التنويريين ومن سبقوا أزمانهم واستعجلوا الخطوات المرسومة للتحوّل إلى ما يُرضي تطلعات الناس. أما ما تبقى فهو من بديهيات المسؤولية التي على عاتق تلامذته، لقد كنا بحاجة إلى معلم فأتانا، ونحن اليوم بحاجة إلى أن نتقن فن التتلمذ في مدرسة الحياة، فلنقبل إليها ممّا حمله لنا كمال جنبلاط ولنلحق بإرهاصات فكره وأدائه وتواضعه، ولنغرف لأرواحنا عبقاً من هذه الأيقونة.