العدد 31 - لا بد من اعتذار من كمال جنبلاط ، مكتشفاً من جديد
لا بد من اعتذار من كمال جنبلاط ، مكتشفاً من جديد
عن الكاتب
دراسات عليا في العلاقات الدولية والدبلومسية في المعهد العالي للدكتوراة في الجامعة اللبنانية
مقالات أخرى للكاتب
كتاب "365 يوماً مع كمال جنبلاط : نازك عابد"
في السياسة: لبنان ليس بخير
العدد الحالي
العدد 31 - لا بد من اعتذار من كمال جنبلاط ، مكتشفاً من جديد
 كمال جنبلاط من كبار الكتٌاب وصولاً الى التأملات اللاهوتية والمقاربات الفلسفية والادبية والسياسية النقدية .
لا بد من الأعتذار من كمال جنبلاط، لأنه شخصية تحتاج دائماً الى اعادة القراءة وعلى مستويات مختلفة ومتطورة. هو من الذين يمثلون الاتجاهات النيوكلاسيكية وبالنزعة التقديمية ، التي لا تجافي الاتجاهات والمدارس الفكرية والفلسفية على اختلافها ، سواء التي سادت في القرن العشرين ، او تلك التي تمثل الاتجاهات المادية والمعنوية التاريخية.

مع ذلك كمال جنبلاط أمامنا ، شخصية من الواقع، ويعيش فينا في اتجاهات عدة ، ننتظرها أن تأتي من ستينات القرن الماضي، من عمق التجربة ، ومع كل التعاطف مع شخصيتة ، وهو من الكبار. فهو لبناني وعربي وعالمي ، كوسموبوليتكي بقيم العالمية الانسانية والاشتراكية ومؤمن بالعمق ، وممارس للسياسة في دواعي الحرية والكرامة الانسانية ،وحرية الشخص في المضامين الروحية النبيلة للعملية السياسة .

لم يبتعد عنا كثيرا ، تبرز رؤاه ورسائله التي نشرها، وتقرأ اليوم بكامل نضارتها وطزاجتها ، مباشرة، من دون إقناع ايديولوجي ، او حزبي ، ولا "وعظ"، ولا نرجسية سياسية ، ولا تصنع ، وبرد فعل من الـتأمل ، أو النقد ، لانها تمثل الجوانب التي مفترض ان تحتل المساحة الحزبية النقدية والفكرية والفلسفية والسياسية واليسارية. ثم هي ليست مجرد وسائل تعبير ، بل اكثر تمثل الاتجاهات التي سادت قبل استشهاده وتصنع أكثر من مرحلة. هو الذي دفع ثمن رؤاه الاستراتيجية على مستوى شخصيته ، التزاماته ، لمعانه، طروحاته، رسائله ، مواجهته للشر الاستبدادي ، ثقته بالمنطق والعقل لدرجة مارس السياسة احيانا بطريقة لاهوتية !
كمال جنبلاط يضع امامنا أفكار " كبيرة " ، وهي افكار لا تعقيد فيها ، ولا مصطلحات جافة ، بل حاضنة للاتجاهات الجديدة بعد اربعين سنة على اغتياله، وتشكل رسائل الى الجيل الجديد، وتصلح مادة بنيوية وتحليلية تفكك كليشيات ونظريات ايديولوجية تسقط على الواقع، وتفجر مراحل سياسية مهمة . وتكتشف ابداعية كمال جنبلاط السياسية ، يأتي من القلب الى القلب ، من جبهة افكار مفتوحة على كل هذا الجديد وبقدرات فكرية تتفوق على سواها بعكس كثيرين تشوشت عليهم القضايا الكبرى والمازق التاريخية ، واوضاع الشعوب المقهورة .
 
 رسم كمال جنبلاط عالمه وعالمنا الفكري والسياسي والثقافي المفتوح، والتقدمي في مجمل نزعاته ، ويبدو اليوم أكثر من الامس مبدعا ً في كتاباته يحتل تلك المساحة المرموقة ومن كبارها .
عمارة فكرية وانسانية طويلة كمال جنبلاط وكم هي ضحلة الحياة السياسية في غيابه ، التي لا تخرج من الافقية والاستهلاكية. كأنها ديمقراطية السوق !
وكم تبدو واسعة تلك الافاق ، والتي تتسع لكل النقاشات السياسية والتي نرى في ظلها الطريق.ذلك أن نتاجه يطر قدرة نادرة في التوغل في الضمير الانساني .
نحتاج الى قراءته ، وذلك لا يستقيم الا بقراءة الماضي ومع ثقافة لا تتوقف ولا تنتهي، ولا تنتجها الذات للذات في عصر النرجسية السياسية ، بل تذهب الى الآخر .
كمال جنبلاط كان يقرأ كثيراً ، ويتحول الكتاب بين يديه الى الكتاب " السحري المشع " ، الى كل ما يصنع مسرح الحياة .السهل الممتنع ، حيث يحاول وضع أفكار " كبيرة " . وكم هي متعة قراءة نتاج هذا المثقف الظاهرة التي ما تزال تحتل المساحة النقدية والفكرية والسياسية المهمة ، وخارج كل منطق العولمة وهو انفتح على هذا الجديد في المسرح السياسي الحديث، والفكر، والبيئة، والادب، والشعر الحديث .. ومن جهة اخرى بقي خارج الانحراط ، لجهة تكريس ثقافة الاستهلاك والسوق على حساب حرية الانسان وكرامته وفي مواجهة عودة الاجوبة الماضوية، التي لا تقدم افكاراً جديدة، وخارج محاكاة الآخر .
الرجوع الى كمال جنبلاط ملٌح ، لاسيما في ظل هذا الفراغ الذي هو كل شيئ الا السياسة .