العدد 31 - مئوية المعلم
مئوية المعلم
 أحيا اللبنانيون والعرب والمسلمون الذكرى المئوية لولادة المعلم كمال جنبلاط والذكرى الأربعين لاستشهاده على يد أنظمة الغدر وقهر الشعوب، وتتزامن هذه الذكرى مع قرار اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد أقل من سنة على وصوله إلى البيت الأبيض في واشنطن بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها متحدياً بكل وقاحة، مشاعر كل العرب والمسلمين والمسيحيين وكل الرأي العام الدولي وكل المؤمنين بقدسية القدس الشريف.

نشأ المعلم وترعرع واستشهد على حب فلسطين والشعب الفلسطيني الذي هجرته المؤامرة الدولية من أرضه المقدسة، وقدم في سبيل ذلك كل التضحيات بما فيها روحه الطاهرة، ولم يتوان يوماً عن الدفاع عن حق هذا الشعب، المشروع في أرضه وفي إقامة دولته الحرة المستقلة على كل كامل التراب الفلسطيني تكون عاصمتها القدس، كل القدس، وظل ملتزماً هذا النضال حتى استشهاده على يد نظام لا يحترم حقوق الإنسان، ولا يعمل الا لضمان بقائه على عرش السلطة، ولو كان الثمن هو ضياع فلسطين، وتشرد أهلها الأصليين فيما يسمونه الشتات.
عاش المعلم الشهيد، الحلم الكبير، حلم فلسطين العربية غير المنقوصة حتى استشهاده المدوي في ظـل ظروف تألبت فيها الدول كافة ضد مشروعه العظيم في إقامة دولة الحداثة والتقدمية والاشتراكية، وضد مشروعه إقامة الدولة الفلسطينية الموحدة وعاصمتها القدس الشريف، ولم يثنه عن النضال لتحقيق هذين المشروعين لا خيانة الأصدقاء ولا تآمر أولئك الحكام الذين كان يفترض بهم دعم هذا المشروع وتجنيد كل المقدرات المادية والمعنوية والعسكرية لانجاحه.

كان المعلم يرد على زائريه الكبار من الأميركيين والأوروبيين الذين يحدثونه عن السلام مع إسرائيل لا تضحكوا على عقولنا، فإسرائيل لا تريد السلام مع العرب، لأنها في حساباتها تدرك ان السلام يعني زوالها من الوجود بعد عدّة سنين لذا فهي تريد عالماً عربياً ضعيفاً منقسماً إلى دول عرقية ومذهبية وطائفية واثنية تتقاتل فيما بينها وبذلك تضمن إسرائيل بقاءها في قلب هذا الشرق.
 
 هناك الكثير الكثير لاقوله في كمال جنبلاط الذي استشهد من أجل قيام دولة مدنية عادلة وقوية في لبنان، ومن أجل قيام دولة مدنية قوية وعادلة للشعب الفلسطيني في فلسطين وتكون عاصمتها القدس. فهو كان المعلم والفيلسوف، والمبدع، وصاحب الباع الطويل في الساحات الدولية، وهو كان المصلح المؤمن بحق الشعوب في الحرية والسيادة، والعيش الكريم، وهو الذي عمل طوال حياته لتحقيق كل هذه الأهداف إيماناً منه بتلك الجدلية العظيمة مواطن حر وشعب سعيد، وكان يعني ما يقصد حتى انه قدم روحه فداء لهذه الجدلية التي دخلت إلى قلوب وعقول الشعوب المستضعفة من بابها الواسع وتحولت إلى شغلة ترفعها في وجه الحكام الطغاة الظالمين الذين إستباحوا كل شيء لكي يبقوا متربعين على عروشهم وتبقى شعوبهم غارقة في البؤس والعوز والفقر المدقع ومحرومة من كل حقوقها التي حفرها هذا المعلم الكبير في قلبه ونشرها على العالم بدمائه الطاهرة والزكية التي إستلهمت منها الشعوب المقهورة ولا تزال القوة والعزم والنضال الدائم لاستعادة حقها في الحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

عايشت نضال هذا المعلم التاريخي الكبير منذ أن تفتحت على الحياة وتعلمت منه النضال والحكمة، كما تعلمت منه ان الحياة هي للاقوياء في نفوسهم، وليست للضعفاء، حتى يكون لها هذا المعنى الفلسفي والإنساني العميقين، وحتى تحقق نظريته تلك مواطن حر وشعب سعيد فمهما قال المفكرون والفلاسفة الكبار وكتبوا نضاله منذ نشأته وتمرسه في الحياة العامة وحتى إستشهاده، فلن يصلوا إلا إلى القليل القليل مما بلغه هذا المفكر بل وهذا المعلم الذي ترك له مكاناً واسعاً في التاريخ المشرف للشعوب التي تناضل من أجل غدٍ أفضل يعمه المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.
في الذكرى المئوية لولادة هذا المعلم الكبير وفي الذكرى الأربعين لإستشهاده، لا يسعنا الا أن ننحني بخشوع المتعبد أمام روحه الطاهرة وامام مبادئه الإنسانية والإجتماعية العظيمة وامام تلك المسحة النورانية التي ملأت الدنيا وشغلت النّاس طوال عقود من هذا الزمن التعيس الذي تعيشه البشرية جمعاء أمام نضاله من أجل فلسطين عربية، حرة أبية، ومن أجل شعب لبنان العربي، ومن أجل الإنسانية بكل ما تعنيه هذه الكلمة بكل مندرجاتها الفلسفية والإجتماعية.

في هذه الذكرى التي تتزامن مع ذلك القرار الخطير الذي إتخذه الرئس الأميركي، يتذكر الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني، وكل الشعوب العربية والإسلامية كم هي بحاجة إلى هذا المعلم المناضل الذي اغتالته يد الغدر في زمن الانحطاط العربي والتآمر الدولي.