العدد 30 - سوريا المفيدة ومن ضمنها لبنان: المزربانية الفارسية
سوريا المفيدة ومن ضمنها لبنان: المزربانية الفارسية
 في الماضي، كانت الواجهة البحرية الكاملة للمشرق تشكّل مقاطعة إدارية في الأمبراطورية الفارسية خاضعة لسلطة حاكم، أو مزربان بابل (العراق حالياً). في عهد أحشويروش، أصبحت هذه المقاطعة "في المقلب الآخر من الفرات" تتمتع بالحكم الذاتي تحت سلطة حاكم خاص بها، وباتت تُعرَف بـ"مزربانية ما بعد الفرات".

ومن أجل ضبط الولاية، كان هناك جيش نظامي دائم وقوات ملحَقة به موضوعة في تصرف المزربان. كان الأخير مسؤولاً مباشرةً أمام الملك الكبير. لكن في الشؤون العسكرية، كان هناك شخصٌ وسيط، نوع من "القائد العام"، بين الملك وحكّام المزربانيات المختلفة.

تذكّر هذه الوقائع التاريخية بالمشهد الراهن في المشرق والشرق الأوسط العالقَين في عين إعصار التوسّع الإيراني. صورة "القائد العام" يجسّدها اليوم اللواء قاسم سليماني الذي لا يتردّد في الإعلان بأن بلاده تسيطر حالياً على أربع عواصم عربية، أي أربع مزربانيات.

ولّدت التطورات الراهنة في سوريا أمراً واقعاً يتمثّل في وجود مناطق نفوذ يحمل طابعها الموقت، في المدى المتوسط، مخاطر مؤكّدة بالنسبة إلى لبنان. بالطبع، لسنا أمام تقسيمٍ لسوريا إلى كيانات سياسية مختلفة؛ بل نحن أمام توزيع للأراضي على القوى القائمة. من المناطق الأساسية ما يُسمّى "سوريا المفيدة"، أو ولاية ما بعد الفرات الجديدة، إنها المساحة الجغرافية حيث تُمارَس مباشرةً سلطة بشار الأسد وحسن نصرالله، والتي تشمل بالضرورة لبنان الكبير لعام 1920.
 
 على ضوء ذلك، نفهم في شكل أفضل لماذا أعلن أمين عام "حزب الله"، في حديثه عن النصر المدوّي للجيش اللبناني على تنظيم "داعش" في سلسلة جبال لبنان الشرقية، في 24 آب: "هذا الإنجاز هو من النتائج الممتازة جداً للمعادلة الذهبية التي نشأت منذ عام 2000 [الجيش والشعب والمقاومة] وهنا سنضيف إليهم الجيش السوري".

أضاف حسن نصرالله متطرقاً إلى ترسيم الحدود على قمة مرتفعات حليمة قارة: "من الملفت أنه على قمة هذا الجبل العالي جداً، الحدود اللبنانية - السورية مرسمة... من المفترض أن يصل الجيش السوري والمقاومة إلى نقطة الحدود السورية، والجيش اللبناني إلى نقطة الحدود اللبنانية. إن شاء الله سيصلون". لا حاجة إلى القراءة بين السطور؛ تكفي القراءة لإدراك النية السياسية والرؤية الاستراتيجية اللتين تلوحان خلف كلام شفاف إلى هذه الدرجة.

يتحدث حسن نصرالله، مراراً وتكراراً، عن الجيش السوري و"حزب الله" وكأنهما يتحركان بفعل إرادة واحدة: "تشترط القيادة السورية وقيادة المقاومة كشف مصير العسكريين اللبنانيين. في ما يتعلق بنا... نتصرف على أساس أننا جبهة واحدة".

أضاف: "إذا أرادت الحكومة اللبنانية التفاوض مع [داعش]... عليها أولاً التوصل إلى تسوية مع السلطات السورية. إنه الشرط الوحيد الذي تفرضه القيادة السورية: طلب لبناني رسمي موجَّه إليها مباشرة".

أي صورة نستخلص مما تقدّم؟ نتذكّر كم يتمسّك النظام السوري بديمومة "سلطته العلوية". تخلّى منذ عام 1967 عن الجولان والضفة السورية لبحيرة طبريا، وامتيازاته في مياه الفرات، وعن سنجق الإسكندرونة وكذلك عن أنطاكيا. لكن كل هذه المناطق تبقى أقل حيوية في نظره من لبنان الذي يعتبره بمثابة محميته الخاصة.
 
 عليه، يتبيّن أن سوريا المفيدة أو مزربانية ما بعد الفرات الجديدة ليست تقسيماً سياسياً بل مساحة حيوية للحكم العلوي - الشيعي، الذي يشمل لبنان ومركز القرار فيه هو دمشق. سيكون الرئيس الأسد المزربان الجديد تحت سلطة أسياده في طهران: الملالي، وعلى رأسهم علي خامنئي، في الميدان السياسي؛ والحرس الثوري الإيراني في الميدان العسكري، مع تنصيب قاسم سليماني قائداً عاماً على العراق وسوريا واليمن ولبنان. نفترض أن مثل هذه التوليفة ستحظى بموافقة روسيا وإسرائيل.

في مزربانية ما بعد الفرات الجديدة، سيجد "حزب الله" نفسه تحت السلطة المباشرة لمزربان دمشق أكثر منه تحت سلطة حاكم طهران في كل ما يتعلق بالأراضي اللبنانية.

إذاً لم تعد سوريا إلى لبنان كما يُعتقَد، لأنها لم تتركه يوماً على الرغم من انسحاب الجيش السوري عام 2005.
أستاذ في الجامعة اليسوعية.
ترجمة نسرين ناضر عن الفرنسية