العدد 30 - ترامب وتبريراته الواهية في شأن تغير المناخ وتداعياته الكوارئية
ترامب وتبريراته الواهية في شأن تغير المناخ وتداعياته الكوارئية
 في وقت مبكر من تموز (يوليو) 2017، وأثناء قمة «مجموعة العشرين» في مدينة «هامبورغ» الألمانيّة، تلقّت جهود مكافحة الاضطراب في المناخ ضربة موجعة، على رغم كونها متوقّعة، بانسحاب أميركا من «اتفاق باريس- 2015». ولم يكن مفاجئاً أبداً ذلك القرار الذي اتّخذه الرئيس دونالد ترامب بسحب توقيع بلاده عن الاتفاق الملزم الوحيد حاضراً في شأن مكافحة التغيّر في مناخ الكرة الأرضيّة. إذ انسجم القرار مع وعود ترامب أثناء حملته الانتخابيّة للرئاسة، وسياسة راسخة للحزب الجمهوري الأميركي في المناخ. (انظر «الحياة» في 18 حزيران (يونيو) 2017).

وبرّر ترامب انسحاب إدارته من «اتّفاق باريس» بأن «الاتّفاق لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة... و(كون) التغيّرات المناخيّة خدعة اختلقتها الصين»، وفق تصريحات إعلاميّة ترامبيّة باتت معروفة تماماً.
ومن الناحية العلميّة، تدلل تبريرات ترامب على جهله بأن مشكلة التغيّرات المناخيّة رصدها العلماء وراكموا المعارف في شأنها لعقود مديدة، قبل انضمام الصين إلى الدول الساعية إلى معالجتها. وكذلك لا يمثّل الاضطراب في المناخ مشكلة «مختلقة»، بل أزمة دوليّة مزمنة تأتّت من نشاطات بشريّة جائرة في بُعدها البيئي. وتُصنّف بلاد الرئيس ترامب بأنّها المسؤول الثاني (بعد الصين) عن الاضطراب المناخي وأسبابه. وبرز ذلك التشخيص في عدد من الاجتماعات الدوليّة التي عُقدت في العقود الثلاثة المنصرمة وكرست لمكافحة التغيّرات المناخيّة. ومن بين تلك الاجتماعات المختصة، يبرز واقع انعقاد 22 مؤتمراً لما يعرف باسم «أطراف اتّفاق الأمم المتحدة الإطاري في شأن تغيّر المناخ» (يشار إليه باسمه المختصر «كوب» COP)، الذي يُعرف أيضاً بـ «مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ»، ويضمّ في عضويّته حاضراً 195 بلداً.
 
 والأرجح أنّ الرئيس ترامب تجاهل أيضاً وجود مؤسّسة علميّة عالميّة هي «الهيئة الحكومية الدوليّة المعنية بالتغيّرات المناخيّة» Intergovernmental Panel on Climate Change التي تشتهر باسمها المختصر «آي بي سي سي» IPCC. وتأسّست في العام 1988، كهيئة دوليّة تابعة للأمم المتحدة، وتتألّف حاضراً من قرابة 3500 عالم وخبير وفني في البيئة والمناخ والصحة والاقتصاد والاجتماع والأرصاد الجويّة، والتكنولوجيا البيئية وغيرها، يأتون مما يزيد على 130 دولة. وتضمّ صفوفها مئات الكوادر الآتية من الولايات المتحدة. وتعتبر الـ «آي بي سي سي» الجهة العلميّة النافذة في مجال دراسة ظاهرة تفاقم الاحتباس الحراري وتأثيراته الكوارثيّة، إضافة إلى وضع الاستراتيجيّات الملائمة في الاستجابة لها والحدّ من تأثيراتها. وكهيئة علميّة مسؤولة، تعمل «الهيئة...» على تقويم المستجدات في المعلومات العلميّة والفنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة المتوافرة في شتى بقاع الأرض، بهدف تعميق الفهم العلمي بظاهرة التغيّر المناخي. ومنذ العام 1990، أعدّت الـ «آي بي سي سي» 5 تقارير تقويميّة، وشكّل أولها أساساً لـ «اتّفاق الأمم المتحدة المبدئي في شأن التغيّر المناخي»United Nations Framework Convention on Climate Change. وتضمّنت التقارير الخمسة نتائج توصلّت إليها فرق العلماء في «الهيئة...» في شأن التغيّر المناخي والآثار المترتبة عليه، وطُرُق مواجهتها.

غازات الدفيئة
تشكّل «غازات الدفيئة» Greenhouse gases أهم أسباب تغيّر المناخ حاضراً، خصوصاً التفاقم في ظاهرة الاحتباس الحراري. وجاءت تسميتها من البيوت الزجاجية التقليدية التي تعرف باسم «دفيئة الزجاج» في إشارة إلى أنّ جدرانها الزجاجيّة تعمل على تقليل تدفّق الهواء، وزيادة درجة حرارته بعد انحباسه في دواخلها.
 
 وعلى مستوى الكرة الأرضيّة، تصنع «غازات الدفيئة» ما يشبه الدثار الذي يحيط بالأرض ويقلّل من خروج الإشعاعات تحت الحمراء التي تحمل الحرارة المرافقة للضوء. وتأتي تلك الإشعاعات من انعكاس نور الشمس بعد مروره عبر الغلاف الجوي، ما يعني تقليل خروجها في الاتجاه المعاكس (= من الأرض إلى الفضاء الخارجي)، إلى تراكم الحرارة تحت «الدثار» الذي تصنعه غازات الدفيئة. وتضم قائمة تلك الغازات، ثاني أوكسيد الكربون، وأوكسيد النيتروز والميثان وغيرها. وواضح أن معظمها يأتي من نشاطات بشريّة، خصوصاً ما ينتج عند استعمال الوقود الأحفوري (نفط، غاز طبيعي، فحم حجري...)، مصدراً للطاقة في المواصلات وتوليد الكهرباء وغيرهما. ويقدر حجم ما ينبعث سنوياً من غاز ثاني أوكسيد الكربون منفرداً بقرابة الـ20 بليون طن! ويعطي الرقم نموذجاً عن كميات التي تنفث فيها «غازات الدفيئة» وتتراكم في الغلاف الجوي للكرة الأرضيّة.
وتنفث كميّات ضخمة من غازي الميثان وأوكسيد النيتروز بأثر من نشاطات البشر في الزراعة والصناعة، مع ملاحظة أن الغازين لا يتصاعدان بكميات كبيرة في الأحوال الطبيعيّة.
ويتسبّب التراكم في «غازات الدفيئة» في زيادة سمك «دثارها» حول الأرض، ما ساهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، بل رفع حرارة الكوكب إلى 2.1 درجة مئوية بالمقارنة بمستوياتها في مراحل ما قبل الثورة الصناعية.

وفي سياق مماثل، أكّدت «المنظمة العالميّة للأرصاد الجوية» World Meteorological Organization أنّ نشطات بشريّة هي السبب المباشر في تلوث الغلاف الجوي، مع ما يرافقه من اضطراب في المناخ.
وحذّرت في بيان صدر أخيراً عنها، من أن يؤدّي الاستمرار في المستويات الحاليّة في انبعاثات «غازات الدفيئة»، إلى زيادة متوسط درجة حرارة الأرض إلى ما يزيد عن 4 درجات مئويّة عند نهاية القرن الحادي والعشرين. ولفتت المنظمة أيضاً إلى أنّ الاضطراب في المناخ تسبّب في حدوث تغيّرات خطيرة في وضعية كوكب الأرض في المناحي الجيولوجية والبيولوجية ونظم البيئة، مع احتمال أن يكون بعضها دائماً.
وكذلك أكّدت هيئة الـ «آي بي سي سي» أن أدلة جديدة وأكثر قوّة، تراكمت لديها على كون معظم التفاقم في الاحتباس الحراري متأتٍ من نشاطات بشريّة، خصوصاً خلال الـ50 سنة الأخيرة.