العدد 15 - ملف اللاجئين السوريين والتداعيات الاقتصادية –الاجتماعية
أصدقاء كمال جنبلاط يكتبون لفرح
ملف اللاجئين السوريين والتداعيات الاقتصادية –الاجتماعية

انتهجت حكومة الرئيس ميقاتي سياسة الحدود المفتوحة امام اللاجئين السوريين، وذلك منذ قيام النظام في سوريا باستخدام كل انواع الاسلحة ضد شعبه بما فيها الاسلحة الكيمائية، ظنا منه انه يستطيع اخماد الثورة الشعبية التي اندلعت في 15 آذار 2011. ولكن للاسف، لم تترافق سياسة الحكومة هذه مع رسم خطة واضحة لتنظيم تدفق اللاجئين عبر اقامة مخيمات لهم، كما اقترح وزير الشؤون الاجتماعية الاستاذ وائل ابو فاعور، وعلى غرار ما جرى في تركيا والاردن. ان الانقسام الذي كان قائما داخل الحكومة حول كيفية ادارة هذا الملف، ضاعف من حجم المخاطر الامنية والتداعيات الاقتصادية الاجتماعية، الامر الذي حتم على الحكومة وقبل استقالتها، ان تطلب من البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمات الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي، تقييما عاجلا لتداعيات الازمة السورية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان خلال الفترة الزمنية الممتدة بين 2012 و 2014.

تاتي شرعية المخاوف من التداعيات الاقتصادية-الاجتماعية على الوضع في لبنان، من الازمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد وحجم المديونية العامة، الذي ينعكس بشكل بالغ على قدرات الدولة المالية في تلبية احتياجات اللاجئين، كما تتضاعف المخاوف من حدة هذه التداعيات، نظرا الى الحجم المتواضع للمساعدات الدولية، والتي لم ترق الى مستوى تدفق اللاجئين، الذين بلغوا حتى 31/12/2013 ما يعادل 21% من عدد السكان اللبنانيين أي مليون وثلاثماية الف لاجيء. ولا شك في ان، البيروقراطية المفرطة لدى المنظمات الدولية ذات الصلاحية، و"النمط البرجوازي" في كلفة وادارة هذا الملف، تزيدان من حدة المشاكل القائمة والتعقيدات التي تحيط به.

ما هي اهم التداعيات الاقتصادية –الاجتماعية التي تضمنها الملحق التنفيذي للتقرير الدولي الذي نشر في 12 تشرين الاول 2013؟

قبل استعراض التداعيات الاقتصادية –الاجتماعية لملف اللاجئين السوريين، لا بد من الاشارة الى ان الارتدادات ذات الطابع الاقتصادي للازمة السورية، تاتي في ظل ضعف الهيكلية المالية العامة وتراجع مستوى النمو، وعودة نسبة المديونية العامة الى الارتفاع بالنسبة الى الناتج المحلي، بعدما انخفضت في السنوات الماضية، بفضل النمو الذي عرفه لبنان قبل العام 2005. وتأتي هذه التداعيات كذلك، في ظل الفشل الذي يتعلق بتطبيق الاصلاحات الهيكلية التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر باريس 3.

تضمن الملخص التنفيذي للتقرير الدولي التداعيات التالية:

1- خفض معدل النمو الحقيقي في اجمالي الناتج المحلي بنحو 2.9 نقطة مئوية لكل سنة تستمر فيها الازمة، الامر الذي سيؤدي الى خسائر كبيرة في نسبة الاجور، الارباح، الضرائب، الاستهلاك الفردي والاستثمار، كما سيؤدي الى دفع حوالي 170 الف لبناني نحو مستوى الفقر اضافة الى مليون لبناني يعيشون حاليا دون مستوى خط الفقر، والى مضاعفة نسبة البطالة الى ما يزيد عن 20%. ويشير التقرير، الى ان الانخفاض في معدل النمو الحقيقي في اجمالي الناتج المحلي بنحو 2.9 نقطة مئوية لكل عام من سنوات الصراع، سوف يؤدي الى خسائر تراكمية في الناتج المحلي، تقدر بمليارات الدولارات خلال الفترة التي يركز عليها هذا التقرير، أي بين عامي 2012 و 2014،

2- تقليص قدرة الحكومة على تحصيل الايرادات بشكل ملحوظ، أي بقيمة 1,5 مليار دولار اميريكي. وفي المقابل، سوف يرتفع الانفاق العام الى 1،1 مليار دولار اميركي بسبب الزيادة الحادة في الطلب على الخدمات العامة، الامر الذي سيدفع التداعيات المالية الاجمالية الى 2.6 مليار دولار اميركي. هذا فضلا عن التراجع في امكانية الحصول على الخدمات العامة، وتدني نوعية الخدمات المتوفرة. ويشير التقرير في هذا المجال، الى ان اعادة تصويب الوضع وتثبيت الاستقرار في اجهزة الخدمات العامة، يتطلب توفر حوالي 2،5 مليار دولار.


3- أشار التقرير الى ان الصراع في سوريا، ينعكس بشكل بارز على القطاع التجاري والتبادلات المتعلقة بالسلع والخدمات، وعلى القطاع السياحي بشكل خاص.
يأتي هذل الانعكاس على القطاع التجاري، من الدور الذي تلعبه سوريا مع لبنان كشريك تجاري هام، ومن الحغرافيا السورية التي تؤمن الممرات التجارية، المحفوفة حاليا بالمخاطر الكبيرة.
ان التراجع الذي يشهده لبنان في قطاع السياحة، يأتي ليضاف الى التراجع الحاد في مستوى النشاط التجاري، لا سيما فيما يتعلق بتبادل المنتجات الزراعية والغذائية والمواد الاستهلاكية. وبحسب التقرير الدولي، فان الارتباك في نمط النشاط التجاري أنعكس سلبا على الاسر الفقيرة، وعلى مستوى الرفاه الاجتماعي، حيث ادى ذلك الى رفع الاسعار المحلية لبعض السلع الاساسية.

4- تقدر الكلقة المالية لتداعيات الازمة السورية على قطاع الصحة والتعليم وشبكات الامان الاجتماعي، بما يتراوح بين 308 مليون و340 مليون دولار اميركي خلال الفترة الزمنية 2012-2014. فمن المعروف انه مع بداية الازمة السورية وتدفق اللاجئين الى البلاد، وفرت وزارة التربية والتعليم العالي للطلاب اللاجئين امكانية الانتساب الى النظام التربوي خلال السنة الدراسية 2012 و2013 . وقد تم في العام 2012 استيعاب 40 الف طالب لاجىء في المدارس الرسمية، بكلفة بلغت 29 مليون دولار أميركي على حساب الخزينة اللبنانية . اما التكاليف الاضافية والتي بلغ حجمها 24 مليون دولار اميركي فقد تولت تغطيتها وكالات الامم المتحدة.
يشير التقرير ايضا، الى ان التكاليف المتعلقة بالخدمات التربوية قد تتصاعد، ومن المتوقع ان يزداد عدد الطلاب اللاجئين ما بين 140 الف و170 الف طالب لاجىء في العام 2014 ، وان الموارد المالية المطلوبة لاعادة تثبيت خدمات وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي الى مستوى ما قبل الازمة السورية، تبلغ 183 مليون دولار أميركي للعام 2013 ، وما بين 348 مليون و 434 مليون دولار اميركي للعام 2014 ، وذلك بحسب التوقعات المعتمدة بالنسبة لتدفق اللاجئين السوريين.

5- ومن المتوقع وبحسب التقرير، ان تتسع مكامن الفقر بحلول نهاية عام 2014، وستتفاقم سبل العيش بالنسبة للفقراء الحاليين حيث يزداد الفقر عمقا.
ويؤكد التقرير أيضا، الى ان شبكات الامان الاجتماعية، قد اتسمت بالضعف والتشتت وسوء الاستهداف، ولهذه الاسباب باشرت وزارة الشؤون الاجتماعية بتنفيذ الاصلاحات اللازمة في نظام شبكات الامان الاجتماعية.

وتحتاج الوزارة المذكورة الى حوالي 176 مليون دولار حتى نهاية العام 2014، وذلك لاعادة تصويب الخدمات الاجتماعية الى المستوى المطلوب، ومن ضمن هذا المبلغ، تحتاج الى ما لا يقل عن 50 مليون دولار اميركي لتوسيع نطاق البرنامج الوطني لدعم الاسر الاكثر فقرا، الذي يستهدف الفئات غير القادرة على استيعاب اعباء الصدمات الاقتصادية.
ويشير التقرير الى ان تدفق اللاجئين السوريين، انعكس على الاوضاع الصعبة في سوق العمل،
الامر الذي ادى الى زيادة العرض في سوق العمل ما بين 30 و 50%.
ان الضغوط القائمة على سوق العمل، سوف تضاعف المشاكل الاجتماعية وترفع نسبة البطالة غير الرسمية الى 10 نقاط مئوية بحسب التقرير.
ويتطلب تحقيق الاستقرار في سوق العمل، تطبيق مجموعة شاملة من البرامج الرامية الى تحسين مستوى المعيشة وفرص الارباح على المدى القصير.


6- قدر التقرير الكلفة المالية للازمة السورية على البنية التحتية خلال الفترة 2012-2014، بمبلغ 589 مليون دولار اميركي، وأشار ايضاً الى ان تحقيق الاستقرار في القطاع، يتطلب مبلغ قدره 1.1 مليار دولار أميركي.
يلاحظ التقرير ايضا، الى ان لبنان يحتاج لتحسين قطاع الخدمات واعادته الى المستوى الذي كان عليه قبل الازمة السورية المبالغ التالية:
ما بين 340 و 375 مليون دولار لقطاع المياه والصرف الصحي
ما بين 193 و 206 مليون دولار للخدمات الاساسية التي توفرها البلديات
170 مليون دولار لعام 2013 لتوفير الكهرباء للاجئيين وما بين 314 و 393 مليون دولار اميركي لعام 2014.
كما يتطلب تعزيز القدرات المؤسساتية لكهرباء لبنان وتقديم المساعدة التقنية، ما بين 310 مليون و 440 مليون دولار اميركي بحلول العام 2014
وقد اشار التقرير ايضا، الى ضرورة ضخ استثمارات تتراوح بين 246 و 525 مليون لتعزيز وتطوير قطاع النقل.

يستدل من الملخص التنفيذي لهذا التقرير، ان التداعيات الاقتصادية-الاجتماعية كبيرة، وقد تؤدي الى مزيد من الفقر والخلل في التوازنات الاجتماعية، والى ضغوط هائلة على الاقتصاد والمالية العامة، فضلا عن الشأن الامني الذي يشكل بحد ذاته تحديا كبيرا للاستقرار الوطني. تقدر المؤسسات المالية الدولية حجم الخسائر التي تحملها لبنان من جراء الازمة السورية بـ 7 مليار دولار. يضاف الى التحديات الاقتصادية التي ذكرها التقرير، الاستحقاقات المالية المتوجبة على الدولة في العام 2014، والتي تتعلق بديون خارجية تبلغ حوالي /7/ مليار دولار، وديون داخلية تبلغ /2.5/ مليار دولار وعجز مؤسسة الكهرباء بحدود /2.5/ مليار دولار.


واذا كانت الحكومة المستقيلة قد فشلت في مواجهة هذه التداعيات، واعداد خطة ذات طابع اقتصادي-اجتماعي لمواجهة تداعيات ملف اللاجئين، والحصول على مساعدات دولية لتخفيف الضغط على المالية العامة، فان الحكومة المزمع تأليفها، اي كان شكلها او صيغتها، فهي ملزمة بأن تحدد في اولويات جدول اعمالها، اعداد خطة لمواجهة التداعيات التي وضعها التقرير بدقة، والعمل مع المجتمع الدولي، لكي يتحمل مسؤوليته المعنوية والمادية في هذا الملف، الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في لبنان، لا سيما وان امكانية استمرار تدفق اللاجئين ما تزال قائمة بقوة.

بيروت في 7/1/2014
انتهجت الحكومة اللبنانية سياسة الحدود المفتوحة امام اللاجئين السوريين، ولكنها لم ترسم خطة واضحة لتنظيم ادائها.

ان التداعيات الاقتصادية-الاجتماعية كبيرة على لبنان، وقد تؤدي الى مزيد من الفقر والخلل في التوازنات الاجتماعية، والى ضغوط هائلة على الاقتصاد والمالية العامة