العدد 30 - مقال اقتصادي: اكتشاف النفط والغاز في لبنان لا يحلّ المشاكل الاقتصادية والتحديات المالية
مقال اقتصادي: اكتشاف النفط والغاز في لبنان لا يحلّ المشاكل الاقتصادية والتحديات المالية
 يزداد الحديث هذه الأيام وتكثر التحليلات عن إمكانيات قطاع النفط والغاز في لبنان وكيف سيتحول لبنان الى دولة مصدرة للطاقة وكيف ستؤدي الواردات المالية الى استبدال العجز الحالي في الموازنة العامة الى فائض وكيف سيطفئ الدين العام وعلى أية مشاريع ستنفق المليارات القادمة، الى ما هنالك من أحلام يقظة غازية ونفطية. لا بل بدأنا بإنفاق هذه الواردات منذ الآن وكأننا أصبحنا دولة نفطية منذ زمن بعيد.

وأمامنا مثال على أن اكتشاف النفط واستخراجه وتصديره لا يحلّ المشاكل الإقتصادية القائمة ولا التحدّيات في الماليّة العامة لا بل يمكن أن يفاقمها بسبب سوء إدارة الموارد الجديدة. وتجربة غانا واضحة في هذا المجال، ووضعها الماليّ والإقتصاديّ شبيه بوضع لبنان.

فبعدما كانت غانا تُنتِج كميّات متواضعة من النفط، تم اكتشاف في المياه الإقليميّة حقل Jubilee للنفط في الـ2007 الذي يحتوي على احتياطات ضخمة. وبدأ الإنتاج في العام 2011 فارتفع من 2,2 مليون برميل في السنة إلى 25 مليون برميل نفط في العام 2011 ووصل إلى 39 مليون برميل نفط في العام 2013.

كما ارتفعت صادرات النفط من 11,600 برميل يوميًا في العام 2011 إلى 41 ألف برميل يوميًا في العام 2013. وطبعًا، إنتاج وتصدير النّفط أدّى إلى ارتفاع في الحركة الإقتصاديّة، إذ ارتفعت نسبة النمو الحقيقي للناتج المحليّ من 5% سنويًا بين العام 2000 والـ2007 إلى 9,8% سنويًا بين العام 2011 و الـ 2013 مع وصول نسبة النّمو إلى مستوى قياسيّ بلغ 14% في العام 2011.
 
 ولكن سوء إدارة الماليّة العامّة، وارتفاع النفقات العامّة، خصوصًا في المواسم الانتخابية، أدّى إلى اتّساع العجز في الموازنة من 5% من الناتج المحلي سنويًا بين العام 2000 والعام 2009إلى عجز بلغ معدّله السنوي 10% من الناتج المحلي بين العام 2011 والعام 2013 ووصل إلى عجز بلغ 12% من الناتج المحلي في العام 2013. وهذا أدّى إلى ارتفاع الدين العام من 30% من الناتج المحلي في العام 2006 إلى 70% من الناتج في العام 2014، ووصل إلى 73,4% في العام 2016. وارتفع الدين العام خصوصًا منذ العام 2011، أي بعد إرتفاع إنتاج النفط وتصديره.

وبسبب سوء التقدير، ارتفع احتياط المصرف المركزي الغاني بالعملات الأجنبية بشكلٍ طفيف، أي من 4,7 مليار دولار في العام 2010 إلى 5,3 مليار دولار في العام 2012 قبل تراجعه إلى 4,6 مليار دولار في العام 2013. وكلّ هذه العوامل أدّت بدورها إلى تدهور سعر صرف العملة الغانية cedi بنسبة 56% بين كانون الأول 2010 وأيار الـ2014، أي قبل هبوط أسعار النّفط العالميّة.

وكل هذه التطورات أدت إلى خفض التصنيف الائتماني السيادي لغانا من قبل وكالات التصنيف العالمية ليصل إلى B-، أي ست درجات دون المستوى الاستثماري Investment Grade. وهذا التّدهور في الماليّة العامّة وفي سعر صرف العملة المحليّة أرغم السلطات الغانية إلى طلب مساعدة صندوق النقد الدولي الذي فرض شروطه القاسية من ضرائب وإصلاحات. وتُقدَر احتياطات غانا بـ674 مليون برميل من النفط و بـ25 مليار متر مكعّب من الغاز. ولكنها ما زالت تعاني من تداعيات الإستلشاء وعدم ضبط النفقات العامة وعدم الاستفادة من واردات الصادرات النفطية لتعزيز الاحتياطي بالعملات الأجنبية.
 
 والواضح أن لبنان بدأ يعاني من الظّاهرة الإقتصاديّة المعروفة بـ"المرض الهولندي" أو Dutch Disease، أي لعنة الموارد، وذلك 10 سنوات قبل أوانه. إذ اننا نتصرّف حاليًا وكأننا بدأنا نسبح ببحر من مليارات الدولارات من عائدات النفط والغاز. والبعض بدأ يستبق الأمور بشكل خطر بالتّسويق لموجودات في المياه الإقليميّة اللبنانيّة وتقديرها بمبالغ تتراوح بين 100 مليار دولار إلى 350 مليار دولار من العائدات المستقبليّة.
وهذه التقديرات ليست مبنيّة على أي أساس واقعي أو علميّ، إذ أن كل ما حصل لغاية اليوم هو المسح الذي أجرته شركات أميركيّة ونروجيّة. وقد حذّرت هذه الشركات أن كلّ هذه الدراسات والمسوحات لا يمكنها أن تحلّ مكان أو تستبق عمليّات التنقيب. هذا لأن هناك محطّات عديدة يجب أن يمرّ بها لبنان قبل معرفة إذا يوجد جدوى تجاريّة للاستفادة من النفط والغاز.

فهناك أسئلة عديدة لا أحد يملك الجواب عليها قبل بدء عمليات التنقيب. إذ أن التنقيب سيسمح باكتشاف فعليًا ما لدينا في قعر البحر، أي ما هي الكميّات الموجودة، وعلى أيّ عمق وما صعوبة أو سهولة استخراجها، وما هي كلفة الاستخراج. وإذا وصلنا إلى هذه المرحلة، أي تحديد كلفة الاستخراج، يجب أن نلحظ حالة الأسواق العالميّة، أي ما هي الأسعار العالميّة للنفط أو للغاز؟ وهل كلفة الاستخراج أعلى أو أقل من هذه الأسعار؟ وهل الأسواق العالميّة لديها فائض؟ وما هو الطلب العالمي؟ ولكن بدأنا ننفق واردات النفط والغاز قبل الحصول على أجوبة عن أي من هذه الأسئلة.

فإذا كانت كلفة الاستخراج أعلى من الأسعار العالميّة، فلن يمكننا التصدير. وإذا وُجدَت كميّات كافية، يمكن استخدامها محليًا بدل الاستمرار في استيراد المواد النفطيّة. ولكن نحن بحاجة إلى بنية تحتيّة جاهزة لاستخدام الغاز للطلب المحلي، فأين هي مشاريع هذه المنشآت والبنى التحتية؟
 
 لكلّ هذه الأسباب مجتمعة، علينا التحلي بكثير من الواقعية وخفض التّوقعات بما يخصّ عائدات النفط والغاز في انتظار نتائج التنقيب. فمن الفضل التركيز على تدهور وضع المالية العامة، اذ ارتفعت النفقات العامة في لبنان من 6,8 مليار دولار في العام 2005 إلى 13,5 مليار دولار في العام 2016. وتكون بذلك قد ارتفعت النفقات العامة بنسبة 100% بين العامين 2005 و2016. كما وصل العجز في الموازنة العامة الى معدل بلغ 9% من الناتج المحلي سنويًا، وذلك بسبب ارتفاع النفقات بدون أي ضابط وبهذا المنحى المتصاعد، يقابله تهرّب ضريبيّ وضعف في الجباية والتحصيل. ونتيجة ذلك، وصل الدين العام الى 77 مليار دولار لغاية شهر تموز الماضي أي ما يوازي 150% من الناتج المحلي، وهي رابع اعلى نسبة في العالم.

وفي هذا الوقت، والى حين ظهور نتائج ملموسة من التنقيب، وعوض عن التصرف كأننا أصبحنا كويت آخر من حيث الفائض المالي والصندوق السيادي الذي يحتوي على مئات المليارات، علينا إعطاء الأولويّة للجم وتخفيض النفقات العامة، ومكافحة التهرّب الضريبيّ وتفعيل الجباية، وإعطاء حوافز للنمو الإقتصاديّ من خلال تحسين المناخ الاستثماريّ الذي هو في تراجع، وتطوير بيئة الأعمال ورفع مستوى تنافسيّة الإقتصاد وتخفيض الاعباء التشغيليّة عن كاهل الشركات والمؤسّسات في القطاع الخاص، ورفع مستوى الخدمات العامة، والإصلاح الجذري للإدارة العامة. هذا بدل فرض ضرائب ورسوم، أو زيادة ضرائب ورسوم موجودة؛ إذ أنّ القطاع الخاصّ توقّع من الحكومة الحاليّة أن تقدّم حوافز لدعم النمو والإستثمار، وما زال الجميع بانتظارها.
(كلمة الدكتور نسيب غبريل في مؤتمر "النفط والغاز: السياسات والفرص")