العدد 30 - مقال سياسي: الدولة المزعومة؟!
مقال سياسي: الدولة المزعومة؟!
 ليس الهدف مما اكتب استهداف احد او النيل من احد آخر او التجريح بأحد ثالث ممن هم الآن في السلطة او ممن سبقوهم اليها واستمتعوا بمغانمها، بقدر ما اردت توصيف الواقع الذي نعيشه في بقعة جغرافية لم ترق بعد الى الدولة ومنطق الدولة وحكم الدولة.
اقول بأن هدفي هو ان انقل بدقة وصدق ما يقوله المفكر والتاجر والعامل والمزارع في هذه الدولة وفي السلطة الحاكمة منذ تأسيس الجمهورية حتى تاريخه لعلّني انجح في التعبير الدقيق عن رأي هؤلاء جميعاً في الواقع الذي يعيشونه.

اعتاد اللبنانيون جميعاً لن يعيشوا في ظل دولة لا يولي الحكام فيها اي اهتمام بأحوالهم وشؤون حياتهم اليومية بل يتسابقون في ما بينهم على اغتنام الفرص للحصول على المغانم والمكاسب على اختلافها، مستفيدين في ذلك من اللعب على الوتر الطائفي والمذهبي لإلهاء الشعب عن حقوقه الطبيعية المشروعة، والاكتفاء فقط بالاشادة بمواقف اهل السلطة والاستتباع لهم كل حسب انتمائه الطائفي والمذهبي بمعزل عن الحالة المزرية التي يعيشونها في ظل هذه الاحكام وهؤلاء الحاكمين الى ان تحولت الدولة بفعل اصرار هؤلاء الحكام على البقاء في السلطة الى ما يشبه الدولة او الى عدة دويلات يتقاسم صانعوها المغانم في ما بينهم، واكثر من ذلك حتى انعدم وجود الدولة كمؤسسات تعمل في كل اطارها بشكل منتظم ومسؤول بما يؤدي الى انتظام هذه المؤسسات، وتفعيل عملها بما يعزز وجود الدولة بكل ما تعنيه الكلمة، وما يؤمن الانتظام العام تحت سقفها الواحد، الامر الذي ادى حتماً الى الواقع الذي يعيشه اللبناني في ظل ما يسمى الدولة، وهو مهما حاولنا التعمية واقع مرير بلغ حدود انعدام وجود الدولة وكثر في كل الاندية الاقليمية والدولية الكلام الصريح عن الدولة الفاشلة ، وهذا الكلام صحيح بنسبة كبيرة ما دام ارباب السلطة لا يعيرون اي اهتمام بكيفية بناء الدولة العادلة والقادرة على تأمين كل فرص الحياة الكريمة لأبنائها، لانهم مشغولون بأمور اخرى كثيرة لا علاقة لها بالشعب ومصيره، ولا حتى بكيفية بناء الدولة العادلة والقادرة وتقويتها.
 
 ولست هنا في صدد الانتقاص من السلطة الحالية لانها في نظري ونظر الكثيرين تشكل امتداداً طبيعياً للذين سبقوهم في التربع على عرش السلطة وفي استغلال وجودهم في هذا الموقع لإملاء جيوبهم بالقرش الحرام الذي يفترض ان يصرف في خدمة الشعب وفي توفير كل فرص الحياة اللائقة له، كما يصرف في خدمة قيام دولة نظيفة من الفاسدين والمفسدين، وفي قيام مؤسسات تحافظ على الدولة، وعلى انتظام العمل فيها وعلى تنقيتها من المحسوبيات والازلام، وعلى رفع يد ارباب السلطة عنها لكي تتمكن من الرقابة الصارمة والدقيقة على اموال الدولة، وقطع يد سارقيها الى اي جهة سياسية او حزبية ينتمون، وعلى تعزيز حياة الرقابة واعطائها دورها في تفعيل عمل المؤسسات من خلال اختيار موظفين اكفاء غير تابعين لهذا المتنفّذ او ذاك ممن يتربعون على عرش السلطة.

عندما قيل ان البلاد بحاجة الى رئيس قوي، لانه بهذه الصفة يستطيع ان يعيد بناء الدولة القادرة والعادلة، دولة القانون والمؤسسات هلّل اللبنانيون رغم ان الجسور في ما بينهم كانت مقطوعة حينذاك بمجيء هذا الرئيس القوي، لانهم جميعاً توّاقون الى قيام تلك الدولة التي يحلمون بها او انهم فقدوا الامل بغيابها وانتظروا بفارغ الصبر حتى يبدأ الرئيس القوي رحلة العودة الى دولة المؤسسات وليس البقاء على دولة المحاصصات والتنفيعات وما شابه ذلك، لكنهم في ذات الوقت ليسوا مقتنعين بأن مثل هذا الحلم بقدرات رئيس قوي يمكن ان يتحقق في ظل التسوية التي اتت به لان اي حكم يقوم على التسويات يكون محكوماً بالمحصصات وتقاسم مغانم السلطة ولا يعول على حكمه. وها قد مضى على هذا الانتظار قرابة السنة ولم يلمسوا اية جدية في العمل على استرجاع الدولة من خاطفيها، بل وجدوا ان هؤلاء الخاطفين مازالوا في مواقفهم وازدادوا نفوذاً او قوة، فيما الدولة تزداد انحداراً وضعفاً في مؤسساتها ولا سيما الرقابية منها التي أنشأها الرئيس الراحل فؤاد شهاب والتي كان ينشدها المعلم كمال جنبلاط، بل غياباً تاماً اذا ما نظرنا الى الآلية المعتمدة حالياً في تعيين كبار الموظفين وحتى العاديين منهم، واذا ما نظرنا الى الطريقة التي يتعامل بها ارباب السلطة المتحكمون مع هذه المؤسسات والتي لم يسلم منها حتى القضاء الذي يعتبر بالنسبة الى الدستور المكتوب السلطة الثالثة المستقلة او احد السلطات الثلاث ، فالى اين يريد ان يذهب هؤلاء الذين يتربعون على السلطة، وهل ثمة نية او بصيص امل ضئيل جداً في ان يستعيدوا الوعي ويكفوا عن سرقة اموال الناس واكثر من ذلك ان ينزلوا عن عروشهم ويتركوا لهذا الشعب الصابر حرية اختيار ممثليه القادرين على اعادة بناء تلك الدولة الموعودة.