العدد 29 - باقة من شعر محمود درويش | طريق دمشق
باقة من شعر محمود درويش | طريق دمشق
 من الأزرق ابتدأ البحرُ
هذا النهار يعود من الأبيض السابقِ ‏
الآن جئتُ من الأحمر اللاحقِ.. ‏
اغتسلي يا دمشق بلوني ‏
ليُولَدَ في الزمن العربيِّ نهار ‏
أحاصركم : قاتلاً أو قتيلْ
وأسألكم , شاهداً أو شهيدْ:
متى تفرجون عن النهر ’ حتى أعود إلى الماء أزرقَ
أخضر
أحمر
أصفرَ أو لون يحدّده النهرُ
إنّي خرجتُ من الصيف والسيفِ
إنّي خرجتُ من المهد واللحدِ
نامت خيولي على شجر الذكرياتِ
ونمتِ على وتر المعجزاتِ
ارتدتني يداكِ نشيداً إذا أنزلوه على جبل , كان سورةَ
((ينتصرون))....
 
 دمشق. ارتدتني يداك دمشق ! ارتديت يديك, ‏
كأنّ الخريطة صوتٌ يُفرِّخ في الصخرِ‏
نادى... وحركني ‏
ثم نادى ..وفجَّرني ‏
ثم نادى.. وقطّرني كالرخام المذاب ‏
و نادى ‏
كأن الخريطة أُنثى مُقَدَّسةٌ فجّرتني بكارتُها. فانفجرتُ ‏
دفاعاً عن السرٍّ و الصخرِ ‏
كوني دمشق ‏
فلا يعبرون ! ‏‏
دمشق الندى و الدماءِ ‏
دمشق النداء ‏
دمشق الزمان
دمشق العرب ! ‏
 
 تُقلّدني العائدات من النَّدَم الأبيضِ ‏
الذاهباتُ إلى الأخضر الغامضِ ‏
الواقفاتُ على ذبذبات الغضب ‏
و يحملك الجند فوق سواعدهم ‏
يسقطون على قدميك كواكبَ ‏
كوني دمشق التي يحلمون بها ‏
فيكون العرب ‏
ما أجمل الشام، لولا الشامُ،و في الشامِ ‏
يبتدئ الزمن العربيُّ و ينطفئ الزمن الهمجيُّ ‏
أنا ساعة الصفر دقّتْ ‏
و شقَّتْ ‏
خلايا الفراغ على سطح هذا الحصان الكبير ‏
الحصان المحاصر بين المياه ‏
و بين المياه ‏
أعِدُّ لهم ما استطعتُ .. ‏
و أمشي أمامي ‏
و يولد في الزمن العربي.. نهار
(محمود درويش: الديوان – الاعمال الاولى 2 – طبعة جديدة – ص| 190 – مختارات من قصيدة طويلة)