العدد 29 - مقال سياسي: الأبعاد الجيو - سياسيّة لاستشهاد القائد كمال جنبلاط!
مقال سياسي: الأبعاد الجيو - سياسيّة لاستشهاد القائد كمال جنبلاط!
 في الذكرى السنويّة الأربعين لاستشهاد القائد كمال جنبلاط، من الضروري، بل من الواجب على رجال الفكر والمسؤوليّة التفتيش عن / والتوكيد على، الأبعاد الجيو - سياسيّة لاستشهاد هذا الرجل الاستثنائي في تاريخ لبنان وتاريخ الشرق الأوسط. ومع كل ما قيل عنه منذ غيابه، إلى الأمس القريب، يبقى غنى تجربته الفكريّة / العقائديّة / النضاليّة / السياسيّة، مجالاً رحباً للتحليلات والتأويلات والاستنتاجات وبخاصة غداة نقل المسؤوليّة من الوليد إلى الحفيد.
أوّلاً: أول ما ينبغي تدقيقه وتوضيحه أن الصفة الصحيحة والمعبّرة التي ينبغي أن يُوصف بها كمال جنبلاط هي أنّه أولاً وقبل كلّ شيء قائد تاريخي وليس مجرّد زعيم. هناك الكثير من الزعماء..
وهناك القليل من القادة التاريخيّين! والفارق بين الصفتين واضح في علم الفكر الفلسفي/ السياسي وهو أن الزعيم يمتلك ميزة الأولويّة (الولاء الشعبي) في جماعة معيّنة هي هنا جماعة الموحّدين الدروز، ولكن القائد التاريخي هو الذي يختصر ويجسّد ويلتزم بالخطّ التاريخي لمسار هذه الجماعة في رؤيتها ونضالها وانتظاراتها عبر التاريخ، من أجل هدف سامٍ هو هنا لبنان الكيان بأبعاده العربيّة، والقضيّة اللبنانيّة التي هي قبل كلّ شيء وبعد كل شيء، لدى "الجماعات المتشاركة" les communautés associées كما كان يسمّيها ميشال شيحا، قضيّة الحرية والتقدميّة في هذه البقعة من العالم. الزعيم يلتزم أحياناً خياراته واجتهاداته ويسعى ليشدّ الجماعة إليها، جاعلاً من شخصه هو المعيار. أما القائد التاريخي فيلتزم دائماً خيارات الجماعة وأهدافها، وتبقى الجماعة لديه دائماً هي المعيار. وإذا صدف ووقع اختلاف في الرؤية التاريخية بين القائد والجماعة، فعلى القائد أن يسير في خط الجماعة وليس العكس لأنّ الأولويّة هي لمصلحة الجماعة وليست لمصلحة الفرد (الزعيم)!
 
 ثانياً: إن كون كمال قيادةً أقلّويّة درزيّة بالفعل والعدديّة دفعه لأن يؤكّد أنه قيادة أكثرويّة بالفكر والممارسة والنضال. فاجتمعت به ولديه: الأصالة اللبنانويّة والنزعة العروبويّة، والإيديولوجيّة الاشتراكيّة التقدميّة. ومختصرها ورمزها كلّها: قضيّة العرب الأولى: القضيّة الفلسطينيّة، قضيّة الأرض والحق والإيمان والحرية!
لقد تحوّل قصر المختارة معك إلى طاقة جيو - سياسيّة مؤثرة وذات نفوذ:
في نحو ثلاثمائة ألف درزي في لبنان، ونحو أربعمائة ألف درزي في سوريا، ونحو مئة ألف درزي في فلسطين، ونحو عشرات الملايين من العرب والمسلمين في أرجاء العالم العربي.
.. فإذا أضيفت اليها قيادة الحركة الوطنيّة في لبنان بما لها من جذور ونفوذ لدى المؤسّسات والطوائف والطبقات الاجتماعيّة، وما لها من ارتدادات على دول الإقليم التي تعمل على وضع يدها على لبنان، كلّ ذلك جعلك في قلب المواجهة على خطّ الزلازل الاقليميّة.
 
 ولأنّك كنت منذ البدء الأذكى والأقدر، والأخطر على مخطّطات التوسّع والهيمنة، كان المطلوب لدى الدولتين الجارتين التخلّص منك باكراً لكي لا "تعدي" الآخرين بداء المعاندة والمواجهة ورفض الهيمنة والاحتلال!.. ولهذا بدأت معك ملحمة الاستشهاد لزعماء الطوائف في لبنان.. ومن ثمّ كرّت السبحة: فحتى في استشهادك كنت طليعيّاً كما في حياتك!
ثالثاً: في مذكرات الأديب الشوفي راجي عشقوتي جاء قوله: أنه سأل كمال جنبلاط مرة في بدايات الحرب في السبعينات: هل تقرأ شيئاً مما يُكتب في "المنطقة الشرقيّة" التي هي المنطقة المسيحيّة؟ فأجابه: أجل، أقرأ الصفحة الثقافية الأسبوعيّة من صحيفة "العمل"، "من حصاد الأسبوع"، وقد كنت أنا نبيل خليفة أكتبها بالاسم المستعار: تارة وليد وطوراً محلّل العمل السياسي لأنني موظف ولا تحق لي الكتابة في السياسة!
اليوم أودّ أن أقول لكمال جنبلاط بعد أربعين عاماً على استشهاده:
إننا، نحن أيضاً، قرأناه مفكراً ومناضلاً، ولنا الفخر في شهادته بنا!
وقرأناه قائداً نختلف معه على التفاصيل ونتفق على الجوهر.
والجوهر هو قيام كيان لبنانيّ نهائيّ سيّد حرّ ومستقل سلسلته الفقريّة مسيحيّو ودروز الجبل.
والجوهر هو أيضاً العمل سويّة لبناء فكر وطني لبنانويّ منفتح على التاريخ والحريّة.
على هذا...
وإلى هذا،
ومن أجل هذا،
نأمل استمرار الرهان الوجودي على لبنان الكيان والحريّة مع الأخ تيمور.
وندعو لوالده وليد بك بالتوفيق وطول العمر.
رحم الله القائد كمال جنبلاط.
لأنّه كان في يقيننا من طينة قادة أثينا الاستراتيجيّين الكبار:
إذ هو "يرى صحيحاً.. ويرى بعيداً"!